أم الف جنيه - محمد نور
خلاص مزوّر طريقك للاستيلاء على اتنين مليون وتلتمية ألف دولار من حقي. إنت ماعندكش الحق تحاسبني على حداشر سنة تربية، في نفس الأسبوع اللي حاولت تمسحني فيه من ميراث جدي اللي بناه مخصوص عشان يحميني منك.
قال
الموضوع مش بالبساطة دي.
قلت له
هو بالحرف الواحد بالبساطة دي.. بس إنت قضيت خمس سنين بتتمنى إنه مايبقاش كده.
قفلت السكة في وشه قبل ما يلحق يرد.
ماحسيتش بالراحة اللي كنت متوقعاها. بدل منها، حسيت بوضوح غريب وفاضي؛ إدراك إن الراجل اللي رباني والراجل اللي حاول يمحيني من الميراث كانوا، بطريقة ما، نفس الشخص طول الوقت. وأنا كل اللي عملته إني قضيت معظم عمري باختار ما أبصش للاتنين مع بعض في نفس الوقت.
حضرت جلسة النطق بالحكم في الآخر، رغم إني قعدت أسابيع أقول لنفسي إني مش هروح.
المحكمة كانت أصغر من اللي توقعتها، منورة بلمبات نيون، ومافيهاش أي رهبة خشبية متسلطة زي اللي التليفزيون عودنا نشوفها في القضايا اللي فيها ملايين الدولارات.
أبويا كان قاعد على ترابيزة الدفاع ببدلة مبقتش مظبوطة عليه قوي، وأنحف من اللي فاكره. ومحاميه كان بيهمس له بحاجة، وهو مطأطئ راسه من غير ما يبان إنه سامعه أصلًا.
لما القاضي سأله عن رأيه في تهمة الڼصب المرتبطة بالصندوق الائتماني، رد بصوت واطي جدًا، لدرجة إن كاتب الجلسة طلب منه يعيد كلامه
مذنب.
بص لي مرة واحدة بس أثناء قراءة شروط رد الأموال، وأنا أجبرت نفسي أثبت عيني في عينه بدل ما أبص في الأرض، زي ما اتعلمت طول طفولتي أعمل قدامه.
ماعرفش كان مستني يلاقي إيه في وشي، وماعتقدش إني اديته أي حاجة يقدر يستغلها.
كل اللي كنت عايزاه إنه يفهم، في النظرة دي، إني بطلت أبقى الشخص اللي محتاج يبص في الأرض لما هو يحب كده.
خالتي ابتسام، أخت أبويا، كانت الوحيدة من العيلة دي كلها اللي حضرت الجلسة. قربت مني في الممر بعد ما خلصنا.
قالت قبل ما أقرر إذا كنت عايزة أسمعها ولا لأ
أنا ماكنتش أعرف.. لا عن الصندوق ولا عن أي حاجة من دي. هو قال لنا نفس القصة اللي قالها لك؛ إن جدك ساب لك مبلغ رمزي، وباقي التركة راحت له، عشان ده الطبيعي لما الأبناء يموتوا قبل أهلهم، حسب الترتيبات العائلية.
سألتها
عمرك ما سألتي تشوفي الوصية؟
ماكانش سؤال اتهام بالظبط، لكنه ماكانش برضه خالي من اللوم.
اعترفت ابتسام وقالت
لأ.. أنا صدقته. ده أخويا، ومخطرش على بالي أبدًا إني أشك فيه.
قلت لها
هي دي ميزة الناس زيه.. بيعتمدوا على النقطة دي بالظبط، كل مرة وكل يوم.
ابتسام ماكانش عندها رد، وأنا ما استنيتش لحد ما تلاقي واحد.
القضية المدنية اتسوت بعد تمانية شهور. أبويا اعترف بالتهم الجنائية مقابل حكم أخف؛ سنة ونص، مع إلزامه برد قيمة فلوس البيت اللي اتحولت، بالإضافة للفوائد. القضية الجنائية تولت جانب العقۏبة، والتسوية المدنية رجعت لي نصيبي من تمن البيت اللي قدرنا
نسترده، جنب الإفراج الكامل والنهائي عن الصندوق باسمي.
استخدمت جزء من الفلوس في السنة الأولى عشان أعمل حاجة ماكنتش متوقعة إني هحتاجها بالشدة دي
اشتريت بيت جدي تاني.
المشتري الخاص اللي اشتراه بعد العزا بشهر وواحد وعشرين يوم كان عارضه للبيع من جديد، بعد ما زهق من مدخل قال إنه عمره ما حس إنه بتاعه.
وقفت في المطبخ ده تاني لأول مرة من ست سنين. ريحة الورد اللي كان بيذبل اختفت خلاص، وما بقاش فيه غير التراب والصدى الغريب لبيت فاضي مستني يتسكن من جديد.
الورشة اللي بره كانت فاضية هي كمان. المشتري كان باع عدة جدي مع باقي الحاجات في مزاد أنا عمري ما سمعت عنه، واتوزعت دلوقتي على جراجات عمري ما هشوفها.
وقفت في المكان الأسمنتي الفاضي ده فترة طويلة أول ليلة ليا في البيت، وأنا فاكرة المكان بالظبط اللي جدي ركع فيه جنبي وأنا عندي أربعتاشر سنة، وهو بيوريني إزاي أفك صامولة العجل من غير ما أبوظ سن اللولب، وإزاي أكشف على ضغط الكاوتش براحة إيدي قبل ما أتعلم أثق في المقياس.
قال لي وقتها بصبر، صبر مالوش علاقة پالدم، وكل علاقته بالاختيار
مش هتفتكري كل ده من أول مرة. هتفتكري للمرة العاشرة، لحد ما إيديكِ تعرف تعمل الصح قبل ما عقلك يلحق يجمع. دي الطريقة اللي هتعرفك إنك اتعلمتي بجد؛ مش لما تعرفي تشرحي، لكن لما تبطلي تحتاجي تفكري في الموضوع أصلًا.
اشتريت صندوق عدة مستعمل الربيع ده، مش فخم ولا غالي، وبدأت أحطه في نفس الركن في الورشة اللي كان صندوق جدي قاعد فيه زمان.
الموضوع حسسني إني مش ببني معبد لذكراه، قد ما بكمل درس اتقطع. دليل، مش لأي حد غير لنفسي، إن أي حاجة حاول أبويا يمحوها بخصوص مكاني في العيلة دي، تعليم جدي الحقيقي فضل سليم، وما اتأثرش بأي إمضا حد زوّرها.
جبت مقاول يصلح عتب السلم اللي جدي كان دايمًا ناوي يصلحه وما لحقش، وجبت جنايني ينضف شجر الورد البلدي اللي على السور الجانبي.
كان ده نفس السور اللي جدتي، اللي ماټت قبل ما أدخل العيلة دي، كانت زارعة فيه جناينة ورد. وجدي سابها تكبر وتتشابك لحد ما ماټ، وما بقاش عنده طاقة يعيد زراعتها.
زرعت ورد جديد في أول ربيع، مش لأني بفهم حاجة في الزرع، لكن لأنه حسسني بنوع من الحاجات اللي جدي كان يتمنى إن حد يعملها يومًا ما، بعد ما يعدي وقت كفاية يخلي الحزن يبطل يحسسنا إنه رد الفعل الوحيد المناسب قدام مكان ورد فاضي.
النهاية