أم الف جنيه - محمد نور

لمحة نيوز

أم ألف جنيه.. والسر اللي خبّاه جدي
النسخة المنقحة الجزء الأول
دخلت فرع بنك مصر في وسط البلد عشان أقفل كارت الفيزا أم ألف جنيه اللي أبويا بالتبني رماه في وشي بعد عزا جدي. كنت متوقعة إجراءات روتينية، كام توقيع وشوية أسئلة عشان يتأكدوا من هويتي.
ماكنتش متوقعة أبدًا إن وش الموظفة يشحب ويتغير بالشكل ده.
ولا حتى توقعت إنها توطي صوتها وتترجاني تقريبًا إني أفضل مكاني وما أمشيش.
الصبح ده، البرد بره كان قارس. وسط البلد كانت مغطاة بسما رمادية، والهوا الساقع بيتسلل من الهدوم ويقرص وشي. كل خطوة كنت باخدها على رخام البنك النضيف كان ليها صوت واضح، كأن المبنى نفسه خاېف على سر ومش عايزه يطلع.
بنك مصر من جوه كان شكله كأنه مش حاسس بالشتا اللي بره.
إضاءة دافية.
أصوات واطية وهادية.
وعلم مصر صغير محطوط على مكتب المدير، بيتحرك طرفه مع الهوا اللي طالع من التكييف.
أنا ماكنتش رايحة هناك أعمل مشكلة، ولا أفتح چروح قديمة.
كل اللي كنت عايزاه إن الحساب ده يتقفل، أوقّع على أي ورقة وخلاص، وأرجع للبرد وأنا سايبة ورايا إهانة تانية كانت ملزوقة في اسمي.
الساعة 917، رقمي ظهر على الشاشة.
الموظفة ابتسمت الابتسامة الرسمية بتاعة حد خدم ناس كتير من أول الصبح ولسه قدامه ساعات على الاستراحة.
قالت
أي خدمة يا فندم؟
حطيت الكارت على الترابيزة.
البلاستيك كان متخدش، وطرفه متآكل من كتر ما اتركن سنين في الدرج. وكان فيه خط أبيض في نصه من الليلة اللي كنت فيها خلاص هكسره نصين، بس ماقدرتش أعملها. يمكن عشان كان آخر حاجة اتقال لي إن جدي سابهالي.
قلت لها
عايزة أقفل الحساب ده.. النهارده.
كتبت رقم الكارت على الكمبيوتر.
وفجأة، صوابعها اتجمدت على الكيبورد.
قالت
الكارت ده عمره ما اتعمل بيه أي عملية!
عارفة.
ولا سحب؟ ولا اشتريتي بيه حاجة؟ ولا حتى استعلام عن الرصيد من الماكينة؟
ولا أي حاجة.
وهنا بصت لي.
بصت لي بجد.
عينيها راحت من البالطو الميري اللي لابساه، لشنطة السفر اللي على كتفي، وبعدين لإيدي اللي كنت ضاغطة بيها على الترابيزة جامد عشان ما تبانش إنها بتترعش.
من خمس سنين، بيت جدي كانت ريحته ورد بيذبل وقهوة محروقة على السبرتاية. البيت كان مليان ناس بتتكلم بصوت واطي وبتاكل في أطباق فوم، وكلهم بيقولوا عليه كان راجل طيب، كأنهم لسه مكتشفين الحقيقة دي حالًا.
بس هو بالنسبة لي كان أكتر من مجرد راجل طيب.
كان الشخص الوحيد اللي عمره ما حسسني إن تبنيه ليا كان عطف أو صدقة.
هو اللي علمني إزاي أغير فردة كاوتش في الشارع، وإزاي أسلّم على حد وإيدي ثابتة، وإزاي أبص في عين اللي قدامي لما يكون عايزني أبص في الأرض.
في عيد ميلادي التمنتاشر، مسك إيدي وحط فيها ساعته القديمة وقال لي
لما أمشي، دي بتاعتك.. مش عشان غالية، لكن عشان تفتكري دايمًا مين اللي كان بيحسب لك الوقت.
بعد العزا، ولما آخر واحد من الجيران مشي، وآخر صينية اتغسلت، أبويا بالتبني قفل باب الشقة بالمفتاح.
ماكانش باين عليه الحزن.
كان باين عليه إنه مستريح إن الموضوع خلص.
قال لي
البيت ده بقى بتاعي خلاص.
وبعدين رمى الكارت في وشي.
اټخضيت ومسكته قبل ما يقع، من غير ما أفهم هو إيه.
قال لي
جدك ساب لك حاجة.. ألف جنيه.
وقف مستني مني كلمة شكر، كأنه بيطردني بأدب.
وأضاف وهو بيقلب وشه
وده كتير عليكي كمان، بالنظر لظروفك.
سألته
ظروف إيه؟
شفايفه اتحركت بالكاد وهو بيقول
إنك عمرك ما كنتِ من بقية العيلة بجد.
فيه كلام مش بيوجع وقتها. بيدخل جواك بالراحة، ويتسحب

لحد ما يستقر في صدرك، وما يطلعش منه أبدًا.
حاولت أرجع له الكارت.
أنا مش عايزة حاجة.
بلاش فضايح.
أنا عايزة ساعة جدي.
عينيه قست.
لأ.
في الليلة دي، مشيت بشنطة واحدة، وبدلتي، وكارت الفيزا اللي كان بېحرق إيدي، كأنه دليل رسمي إني عمري ما كبرت في البيت ده، ولا كنت جزء منه.
الساعة 1142 بالليل، وأنا قاعدة في أوضة ضيوف في شقة صاحبتي، تنيت الكارت بإيدي لحد ما اتعوج.
قلت لنفسي في الأوضة الفاضية
الحاجة دي مش بتاعتي.
ورميته في قعر الدرج، وفضل هناك خمس سنين.
نرجع لبنك مصر...
الموظفة دخلت الكارت في الماكينة.
الجهاز طلع نغمة خفيفة.
الشاشة اتحدثت.
وشها اتغير تمامًا.
ماكانش مجرد استغراب، ولا تعطيل في الشغل.
كان فيه حاجة أبرد وأخوف من كده بكتير.
بصت في بطاقتي تاني، وقالت بصوت واطي
يا آنسة نادية.. ممكن أعرف الكارت ده معاكي منين؟
أبويا ادّهولي بعد عزا جدي.
أبوكي بالتبني؟
زوري نشف وأنا ببلع ريقي.
أيوه.
هي كمان بلعت ريقها، وبصت ناحية المكاتب الزجاج اللي وراها. كان فيه راجل لابس بدلة رمادي غامق، واقف جنب الطابعة وفي إيده شوية ورق. من غير ما ترفع عينها عن الشاشة، رفعت صباعها وشاورت له.
قالت لي
طب لو سمحتي، خليكي واقفة مكانك.
ليه؟
أرجوكي.
الكلمة دي خلت قلبي يقع في رجلي أكتر من أي تحذير.
موظفين البنوك مش بيترجوا حد عشان حساب فيه ألف جنيه ومحدش استخدمه.
صوابعي اتشبثت بحرف الترابيزة. للحظة، فكرت أخطف الكارت وأجري، وأطلع على شارع قصر النيل، وأسيب هوا القاهرة يبلع الموضوع كله قبل ما اسمي يتجرجر في مصېبة جديدة مع العيلة دي.
بس جدي علمني ما أهربش من باب مقفول.
وعشان كده فضلت واقفة.
الموظفة رفعت سماعة التليفون الأرضي اللي تحت الترابيزة. إيدها كانت بتترعش لدرجة إن السلك خبط في الدرج.
قالت
عندي استعلام عن حساب عليه حظر في الشباك تلاتة.. أيوه، صاحبة الكارت واقفة قدامي بشخصها.
الصالة حوالينا كانت شغالة عادي.
ختم بيترزع على ورقة إيداع.
طابعة بتزن.
وراجل كبير لابس طاقية بيعد فلوس وبيحطها في ظرف، وبيحاول يعمل نفسه مش سامع.
بعدها، الراجل اللي لابس البدلة الرمادي قرب مننا.
آنسة نادية؟
هزيت رأسي.
أنا أستاذ شريف عبد الفتاح، مدير الفرع. تفضلي معايا لو سمحتِ.
الكارت كان لسه في إيد الموظفة.
وما رجعتوش ليا.
ودي كانت أول إشارة إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد قفل حساب.
جوه المكتب الصغير، التكييف كان عالي والجو مكتوم، وريحة المكان خليط من الحبر والقهوة والموكيت القديم. كانت فيه خريطة لمصر متعلقة ورا مكتبه وميلة شوية. وعلى شاشة الكمبيوتر، اسمي كان مكتوب جنبه تواريخ وأرقام وتحذيرات داخلية وبند قانوني عمري ما شفته قبل كده.
أستاذ شريف قفل الباب بالراحة.
حضرتك جيتي النهارده عشان تقفلي الحساب ده؟
أيوه.
وكانوا قالولك إنه حساب فيزا فيه ألف جنيه؟
ده اللي اتقال لي.
داس كليك واحدة بالماوس.
ظهر ملف على الشاشة.
وقف صرف تركة ومستحقات أمانة
بطني اتعصرت قبل ما عقلي يستوعب.
فيه ناس بتسرق بالصوت العالي والټهديد وتكسير الأبواب.
وناس تانية بتسرق بالهدوء، بالأوراق والتوقيعات والشرح الهادي، مراهنين على إنك اتربيت على إنك ما تطلبيش حقك ولا تسألي عنه.
أستاذ شريف بص لي بتركيز، وكأن كل كلمة بيقولها محسوبة
الحساب ده عمره ما كان فيه ألف جنيه.
لساني اتعقد.
لف الشاشة ناحيتي شوية. في أول الملف كان فيه تاريخ وساعة
14 مارس 2019 الساعة 408 عصرًا.
نفس اليوم اللي اتدفن فيه جدي.
وتحت التاريخ كانت فيه صورة ضوئية لورقة بعنوان
تعليمات الموصي والمنتفعين
وتحت العنوان كان مكتوب اسم جدي.
وتحت اسمه، كان مكتوب اسمي أنا.
حسيت إن المكان بيضيق عليّا.
أستاذ شريف مسك سماعة التليفون،

وضغط على زرار واحد، وقال جملتين بصوت واطي جدًا، بالكاد سمعتهم
وصلت هنا.
وبعدين بص في عيني مباشرة، وإيده جنب كارت الفيزا المتبهدل.
ولحظتها فهمت إن الجملة اللي هيقولها دلوقتي هي نفس الجملة اللي أبويا

تم نسخ الرابط