أم الف جنيه - محمد نور

لمحة نيوز

عاش خمس سنين بيتمنى إني عمري ما أسمعها.
أستاذ شريف حط السماعة بالراحة، كأنها حاجة ممكن ټنفجر لو اتحرك بسرعة زيادة عن اللزوم.
قال لي
يا آنسة نادية.. أنا محتاج أشرح لك حاجة، وعاوزك تبقي هادية وإنتِ بتسمعيني، لأن الموضوع مش بسيط خالص.
قلت له
أنا عسكرية، وعارفة أتعامل لما الصعب يكون هو الخيار الوحيد.
ابتسم ابتسامة خفيفة، زي ضحكة بتطلع لما الكلام مايبقاش فيه أي حاجة تضحك.
كمل
الحساب ده عمره ما كان حساب فيزا عادي. ده حساب فرعي تابع لوصاية مالية أكبر بكتير.. صندوق عائلة عبد التواب، اللي اتعمل السنة اللي جدك باع فيها ورشة الأدوات بتاعته.
أكبر بقد إيه؟ سألته، رغم إن جزء جوايا كان حاسس إن الرقم ده هيقلب كل حاجة كنت فاهمها عن آخر خمس سنين من عمري.
أستاذ شريف قال
حسب الرصيد الظاهر النهارده الصبح، الصندوق قيمته أكتر من اتنين مليون وتلتمية ألف دولار.
سمعت الرقم وفهمت كل كلمة لوحدها، لكن عقلي احتاج ثواني طويلة عشان يجمعهم في معنى واحد، وأنا قاعدة في مكتب ريحته قهوة محروقة.
قلت له
ده مستحيل.. جدي كان بيدير ورشة بسيطة، وكان بيلبس نفس البالطو لمدة خمستاشر سنة.
رد أستاذ شريف
جدك باع الورشة والأرض اللي جنبها لسلسلة محلات سنة 2011 بمبلغ أكبر بكتير من اللي أي حد في البلد دي كان يتخيله. وهو عمره ما غيّر طريقة معيشته. ومن الملاحظات الموجودة في ملف الوصاية، واضح إنه كان متعمد يعمل كده. ماكانش عايز الفلوس تغيّره قبل ما يقرر بنفسه مين اللي يستاهلها.
وقرر إنها تكون ليا أنا؟
لف الشاشة ناحيتي بالكامل وقال
حسب الورقة دي.. أيوه. بالكامل. الصندوق مسجلك بصفتك المستفيدة الوحيدة الأساسية من تاريخ ۏفاته، وليكي الحق الكامل في سحب الصندوق أول ما تطلبي، بشرط تحضري بنفسك ومعاكي بطاقة حكومية سارية وكارت الفيزا الأصلي اللي اتصدر وقت ۏفاته.
فضلت باصة على تعليمات المستفيدة اللي على الشاشة، وعلى إمضاء جدي في آخر الورقة، وعلى التاريخ اللي كان مطابق ليوم العزا بالظبط.
قلت بصوت بطيء
أمال ليه أبويا قال لي إنهم ألف جنيه بس؟
ملامح أستاذ شريف اتغيرت وبقت أكتر حذرًا، زي واحد بينقي كلامه بدقة لأنه عارف إنه على وشك يفجر قنبلة.
عشان على مدار الخمس سنين اللي فاتوا، أبوكي كان بيحاول يدخل على الصندوق ده بنفسه، لكن بطريقة تانية وبمستندات مختلفة.
داس كليك تاني.
ظهر ملف جديد، فيه طلب رسمي متقدم للمحكمة بعد العزا بتمانية شهور.
أبوكي قدم للمحكمة طلب عشان يتعين وصي، بحجة إن المستفيدة الأصلية، اللي هي إنتِ، تنازلتي عن الميراث كتابةً، وطلبتي تحويل الفلوس لصالح أقارب المتوفى من الدرجة القريبة، واللي حسب شروط الوصية كان هيكون هو.
قلت
أنا عمري ما تنازلت عن أي حاجة!
صوتي طلع أنشف مما توقعت، النشفان اللي بيظهر قبل ما الدنيا تتقلب وتتقطع.
قال أستاذ شريف
وأنا مصدقك. وده بالظبط سبب إن الحساب ده محطوط تحت الحظر والتحفظ من ساعة ما الطلب اتقدم. قسم الوصاية عندنا لاحظ غلطة مش طبيعية في جواب التنازل اللي أبوكي قدمه للمحكمة، وتحديدًا تاريخ التوثيق ورقم رخصة الشهر العقاري اللي كانت ملغية قبل تاريخ تحرير الورقة دي بشهر كامل.
يعني زوّرها؟
رد بحذر
دي مش حاجة أقدر أحكم عليها بنفسي، لكن

دي فعلًا النتيجة اللي وحدة الچرائم المالية في النيابة العامة بتحقق فيها من أربعتاشر شهر، بالتعاون مع فريق الالتزام عندنا. لأن تزوير تنازل في صندوق بالحجم ده بيخرج من نطاق المشاكل العائلية ويدخل في چريمة جنائية صريحة.
رجعت بظهري على الكرسي، وشنطة السفر وقعت من على كتفي للأرض.
كررت كلامه
أربعتاشر شهر؟! يعني كنتوا عارفين بالموضوع ده من أربعتاشر شهر، ومحدش فيكم كلمني؟
قال بصوت فيه اعتراف حقيقي
حاولنا. اتبعتت تلات خطابات على العنوان المسجل، والتلاتة رجعوا باعتبار إن العنوان غير صحيح. وبعد كده اكتشفنا إنهم كانوا بيتحولوا على صندوق بريد أبوكي عامله باسم قريب من اسمك، عشان يعترض أي جواب يحاول قسم الوصاية يبعتهولك بشكل مباشر.
قلت بصوت واطي
أنا كنت في مأموريات سفر.. بره البلد معظم الوقت، لمدة تلات سنين من الفترة دي.
قال أستاذ شريف
ده يفسر حاجات كتير. طلب أبوكي في المحكمة ركز جدًا على غيابك الطويل وعدم اتصالك بالعيلة، واعتبر ده دليل بيثبت إنك سيبتي الميراث بمحض إرادتك.
الغياب اللي هو اخترعه ورتبه...
فهمت في اللحظة دي، وأنا قاعدة في المكتب المكتوم، إنه ماكانش مجرد نتيجة لظروف خدمتي العسكرية. كان هو الدليل اللي صنعه بعناية؛ أخد فترة غيابي المفروضة بسبب مهمة أنا ماكنتش باختارها، وقدمها في الأوراق كأنها هروب وتخلٍّ عن العيلة.
سألته
إيه اللي هيحصل دلوقتي؟
أستاذ شريف بص لطرف التليفون اللي على مكتبه، واللي كان لسه مستخدمه من دقايق عشان يقول وصلت هنا.
قال
دلوقتي، محامي الوصاية اللي كان ماسك الملف ده مع النيابة العامة عايز يتكلم معاكي شخصيًا. وهو أصلًا في طريقه هنا. كان مستني اللحظة دي بالظبط من أكتر من سنة، يا آنسة نادية. اللحظة اللي تدخلي فيها بنفسك ومعاكي الكارت الأصلي، هي اللحظة اللي القضية دي هتتحول فيها من مجرد كلام ونظريات لواقع حقيقي.
في اللحظة دي، خبط الباب خبطة خفيفة.
أستاذ شريف قام وفتحه، ودخل راجل طويل لابس بالطو رمادي، ولسه آثار المطر على كتفه، وماسك تحت دراعه ملف جلد.
مد إيده وقال
أنا أشرف عبد الحليم. بمثل جهة التوصية القانونية، وعلى مدار الأربعتاشر شهر اللي فاتوا كنت بجهز قضية ضد أبوكي بالتبني باسم الدولة. محتاج ساعة من وقتك، بس فيه حاجة لازم تفهميها قبل ما نبدأ.
قلت له
إيه هي؟
أستاذ أشرف حط الملف على المكتب من غير ما يفتحه، كأنه عايزني أسمعه بوداني قبل ما أشوفه بعيني.
وقال
جدك ما سابش فلوس وبس. جدك ساب جواب مختوم مع أوراق الوصية الأصلية، ومكتوب إنه مايتفتحش إلا بحضور مسؤول الوصاية لما تيجي وتطالبي بالحساب بنفسك. أنا قريت الجواب ده، وشايف إنك لازم تسمعي بنفسك اللي مكتوب فيه، قبل ما أي حد تاني في العيلة دي يلحق يقولك جدك كان عايز إيه، على مزاجه.
بصيت للظرف اللي قدامي، وكان مكتوب عليه اسمي بخط إيد جدي المألوف، بنفس الخط الدقيق اللي كتب بيه دي بتاعتك على ورقة الساعة الصغيرة من خمس سنين، وكأن عمر تاني بحاله عدى من وقتها.
قلت
اقرأه.
أستاذ أشرف فتح الظرف بالراحة، زي اللي بيتعامل مع حاجة استنت كتير عشان حد يسمعها.
نادية،لو بتقري الجواب ده، معناه إنك ډخلتي البنك ده بنفسك في الآخر. وده معناه إنك أقوى بكتير مما كنت خاېف تحتاجي تكوني، ومعناه كمان إن فيه حد في العيلة دي خلاكي تشكي في حقك لدرجة إن الموضوع خد سنين بدل شهور. أنا آسف إن ده حصل أنا بنيت الصندوق بالطريقة دي، بفترة الحظر الطويلة

وإجراءات التأكد من الشخصية، لأني عارف ابني كويس. كنت عارف، من قبل ما أتعب بكتير، إني لو سبت الفلوس دي في وصية عادية، هيلاقي طريقة يقنع بيها نفسه إنها بتاعته مش بتاعتك، زي ما أقنع نفسه بحاجات كتير على مدار السنين، وهي في الحقيقة ماكانتش كده إنتِ عمرك ما كنتِ مش من العيلة بجد. إنتِ كنتِ الوحيدة اللي زارتني من
تم نسخ الرابط