الإبرة التي كشفت الخېانة روايات احمد عمار حصرى
الجزء الأخير والأخير الإبرة التي كادت ټقتل ابنة شيخ القبيلة
فضلت الدكتورة واقفة قدام الترابيزة الخشبية، وعينيها مثبتة على الإبرة الصغيرة اللي سحبتها من رقبة البنت. كان الكوخ كله ساكت، حتى المحاربين اللي كانوا واقفين عند الباب بطّلوا يتكلموا، وأبو البنت كان باصص للإبرة كأنه مش قادر يصدق إن قطعة معدن بالحجم ده كانت السبب في العڈاب اللي بنته عاشته الأيام اللي فاتت.
رفع الشيخ عينيه للدكتورة وسألها بصوت مخڼوق بالڠضب
بنتي مالها؟ وإيه اللي كان في الإبرة دي؟
الدكتورة ما استعجلتش في الرد. حطت الإبرة على قطعة القماش، وقرّبت منها المصباح، وفضلت تفحص المادة الغامقة اللي كانت متجمعة عند طرفها.
قالت بعد لحظات
أنا مش هقدر أحدد نوع المادة من شكلها بس، لكن واضح إنها مادة غريبة، ومش المفروض تدخل جسم إنسان. والأعراض اللي ظهرت على بنتك ممكن تكون مرتبطة بيها.
الشيخ قبض إيده بقوة وقال
يعني بنتي ماكانتش مريضة؟!
ردت الدكتورة
كانت مريضة فعلًا، لكن فيه فرق كبير بين مرض بييجي من غير سبب، وبين مرض حد بيتسبب فيه عمدًا.
الكلمات دي نزلت على الشيخ زي الصاعقة.
بص لبنته، اللي كانت مغمضة عينيها وبتتنفس بصعوبة، وبعدها بص للمحاربين اللي واقفين حواليه.
مين كان بيقرب منها؟ مين كان بيدخل عليها؟ مين كان بيساعدها لما بتتعب؟
بدأ المحاربون يتبادلوا النظرات، وكل واحد بيحاول يفتكر آخر الأيام اللي سبقت مرض البنت.
الدكتورة رفعت إيدها وطلبت منهم الهدوء.
الصړاخ والټهديد مش هينقذوها. دلوقتي لازم نركز على حياتها. محتاجة مية نظيفة، وقطعة قماش، ولازم تفضل تحت المراقبة.
أحد المحاربين اتحرك بسرعة ينفذ طلباتها، بينما الدكتورة بدأت تنظف مكان الإبرة بعناية، وبعدها غطت الچرح بضمادة نظيفة.
لكن الشيخ ماقدرش يبعد عينيه عن الإبرة.
كان عنده سؤال واحد مش قادر يخرجه من دماغه إزاي حد يقدر يوصل لبنته ويعمل فيها كده، وهي عايشة وسط حراسة مشددة؟
مرت دقائق طويلة، والبنت بدأت تهدى تدريجيًا. تنفسها بقى أبطأ وأكثر انتظامًا، لكن جسمها كان لسه ضعيف جدًا.
الدكتورة فضلت جنبها، بتراقب نبضها، وكل شوية ترفع المصباح علشان تتأكد إن مفيش علامات جديدة بتظهر عليها.
بعد فترة، البنت فتحت عينيها بصعوبة.
أبوها قرب منها فورًا، ومسح على شعرها وقال بصوت مليان خوف
أنا هنا يا بنتي. مټخافيش، محدش هيقدر يأذيكي تاني.
البنت حاولت تتكلم، لكن صوتها كان ضعيف.
الدكتورة قربت منها وقالت بهدوء
متجهديش نفسك. خدي وقتك.
البنت حركت شفايفها كأنها بتحاول تقول حاجة، وبعد محاولات قدرت تهمس
أنا... كنت خاېفة...
الشيخ انحنى عليها أكتر.
خاېفة من إيه يا حبيبتي؟
البنت بصت ناحية باب الكوخ، وعينيها اتملت دموع.
كان بيقول لي ماقولش لحد...
الشيخ اتجمد مكانه.
مين اللي كان بيقولك كده؟
لكن البنت رجعت تغمض عينيها من التعب، والدكتورة تدخلت بسرعة
كفاية أسئلة دلوقتي. هي لسه ضعيفة، وأي ضغط عليها ممكن يتعبها أكتر.
الشيخ رجع خطوة لورا، لكنه كان حاسس إن الحقيقة قربت تظهر.
مع مرور الوقت، بدأت الدكتورة تجمع المعلومات عن الأيام اللي سبقت مرض البنت.
سألت الشيخ عن أول مرة ظهرت عليها الأعراض، وعن الأشخاص اللي كانوا مسؤولين عن رعايتها، وعن آخر مرة كانت فيها بصحة كويسة.
قال لها إن بنته بدأت تتعب فجأة، وإن حالتها كانت بتسوء يوم بعد يوم. كانت بتشتكي من ۏجع في رأسها ورقبتها، وبعدها بقت تفقد قوتها ومش قادرة تقف على رجليها.
وكان كل ما يجيب لها حد يعالجها، الأعراض ترجع تاني.
الدكتورة سألته
هل كانت بتتعرض لنفس الأعراض في أوقات معينة؟
فكر الشيخ شوية وقال
كانت بتتعب أكتر بعد ما تبات في
خيمتها.
الدكتورة رفعت عينيها.
ومين كان بيدخل عليها؟
رد
فيه ناس قليلة مسموح لها تدخل. خادمتها، والمرأة المسؤولة عن تجهيز طعامها، وبعض أفراد الحراسة.
الدكتورة سألته
وهل حد فيهم كان بيتصرف بشكل غريب؟
الشيخ سكت.
كان فيه شخص واحد بدأ اسمه يظهر في ذاكرته، لكنه ماحبش يتسرع في اتهامه.
في نفس اللحظة، البنت حركت إيدها فوق الغطاء.
الدكتورة قربت منها، فالبنت مسكت طرف كمها وهمست
هو قال لي إنها لعبة...
الشيخ قرب بسرعة
إيه اللي قالك إنها لعبة؟
البنت بلعت ريقها بصعوبة، وبعدها قالت
قال لي ماخافش... وإنها مش هتوجعني...
الشيخ حس إن قلبه بيتقبض.
مين يا بنتي؟ قولي لي مين؟
لكن البنت ماقدرتش تكمل.
الدكتورة بصت للشيخ وقالت
هي بدأت تفتكر. لازم نديها وقت، وممنوع أي حد يضغط عليها.
في الخارج، كان المحاربون بيتكلموا بصوت منخفض، وكل واحد بيحاول يعرف مين ممكن يكون له مصلحة في إيذاء ابنة الشيخ.
الشيخ خرج من الكوخ، ووقف قدامهم.
قال بصوت حاسم
من اللحظة دي، محدش يدخل الكوخ غير بإذني وإذن الدكتورة. ومحدش يخرج من المكان لحد ما نعرف مين عمل كده.
المحاربون انحنوا احترامًا لأوامره.
وبعدها طلب الشيخ منهم يجيبوا كل الأشخاص اللي كانوا مسؤولين عن رعاية بنته في الأيام الماضية.
ماكانش عايز يعاقب حد لمجرد الشك، لكنه كان عارف إن اللي حصل مش حاډث عادي.
الإبرة كانت دليل واضح إن فيه شخص قرر يؤذي طفلة بريئة، واستغل ثقة أهلها فيه.
بعد وقت قصير، وصلت المرأة المسؤولة عن رعاية البنت.
كانت مرتبكة، وفضلت واقفة بعيد عن الشيخ.
سألها
بنتي كانت بتشتكي من إيه قبل ما تتعب؟
ردت
كانت بتقول إن رقبتها بتوجعها، وإنها حاسة بدوخة.
وإنتِ عملتي إيه؟
قلت لها ترتاح، وفضلت جنبها.
الشيخ سألها
هل حد دخل عليها من غير ما أعرف؟
ردت بسرعة
لا يا سيدي.
الدكتورة كانت واقفة عند الباب وبتسمع الكلام.
فجأة قالت
هل لاحظتي أي چرح صغير في رقبتها قبل كده؟
المرأة اترددت للحظة، وبعدها قالت
لأ.
لكن التردد كان واضح.
الشيخ قرب منها وسألها
إنتِ مخبية عني حاجة؟
هزت رأسها وقالت
أنا