أم الف جنيه - محمد نور
المحتويات
غير ما تطلب مصلحة في الأول. والوحيدة اللي قعدت جنبي وأنا باخد الكيماوي من غير ما تبصي في ساعتك لو الډم هو اللي بيعمل العيلة، كان ابني كفاية وزيادة.. لكنه ماكانش كده أبدًا. إنتِ اللي كنتِ كده خدي بالك من نفسك يا بطلة، وخدي بالك من ساعتي. حاسس إنك هتحتاجي تظبطي الوقت صح من هنا ورايح. جدك
ماعيطتش ساعتها.
قعدت ثابتة جدًا، والجواب بيترعش بين إيديا بالراحة، بينما أستاذ أشرف وأستاذ شريف سابوني في هدوء، وماحاولوش يملوا السكوت بأي كلام فارغ.
قلت أخيرًا
هو كان عارف.. كان عارف أبويا هيحاول يعمل إيه.
قال أستاذ أشرف
كان شاكك لدرجة إنه بنى هيكل قانوني كامل عشان يمنعه. جدك كان أحرص وأذكى بكتير مما أي حد تصور. أنا مسكت قضايا وصايا كتير في البلد دي يا آنسة نادية، ونادرًا ما شفت حد مېت يتوقع التزوير واللعب بالشكل ده، وبدقة ومن سنين قبل ما يحصل.
سألته
إيه اللي هيحصل لأبويا دلوقتي؟
ملامحه ما بقتش لينة زي الأول، لكنها استقرت على شكل جاد وواضح.
ده بيعتمد عليكي إنتِ كمان. مكتب النائب العام عنده أدلة كفاية عشان يمشي في قضية ڼصب جنائي بخصوص جواب التنازل المزور والتوثيق المضړوب. الجزء ده مش متوقف على موافقتك؛ رخصة الشهر العقاري الملغية لوحدها دليل مستندي. لكن فيه جانب مدني كمان، بخصوص بيع بيت جدك، اللي الوصية كانت كاتبة إنك شريكة فيه بالنص جنب الصندوق.
قلت
هو قال لي إن البيت بتاعه.. ليلة العزا، قبل ما يرمي لي الكارت.
كمل أستاذ أشرف
البيت اتباع بعد ۏفاة جدك بشهر وواحد وعشرين يوم، بأربعمائة وعشرة آلاف دولار، لمشتري خاص. نص تمن البيعة ده، حسب شروط الوصية، كان المفروض يتحط في حساب فرعي باسمك، لكن ده ماحصلش. الفلوس اتحولت على حساب استثماري أبوكي بيتحكم فيه لوحده.
فضلت أفكر في البيت؛ المدخل اللي جدي علمني فيه إزاي أغير فردة الكاوتش، والمطبخ اللي كانت ريحته ورد بيذبل وقت العزا، والورشة اللي علمني فيها إزاي أسلّم على حد من غير خوف.
البيت راح واتباع، والفلوس دخلت بهدوء في حسابات أبويا، بينما أنا كنت شايلة كارت فيزا معوّج في الدرج لمدة خمس سنين، ومؤمنة إنه الحاجة الوحيدة اللي سابهالي راجل كان في الحقيقة بيحاول يسيب لي كل حاجة تقريبًا.
الأسابيع اللي بعد كده عدّت بإيقاع غريب ومتقطع، زي حياة بتتبني من جديد بالمقلوب.
قدمت شهادة رسمية لمحققة في وحدة الچرائم المالية التابعة للنائب العام، اسمها رانيا إبراهيم. واتضح إنها كانت شغالة في القضية دي من أكتر من سنة، معتمدة على إشارات البنوك وسجلات البريد المحوّل ورخصة الشهر العقاري الملغية كنقط أساسية في التحقيق.
مكتبها كان أصغر من اللي توقعتُه، جوه مبنى حكومي على بعد تلات شوارع من البنك. الحيطان كانت مليانة دواليب ملفات بدل الزجاج اللامع. وكان فيه ملف محطوط على مكتبها ومكتوب عليه عائلة عبد التواب قبل ما أقعد حتى، وكان تخين لدرجة إني فهمت فورًا هي مستنية المقابلة دي من إمتى.
قالت رانيا وهي بتفرد الورق قدامي
عايزة أراجع معاكي
الجدول الزمني زي ما فهمناه، ومحتاجة تصلحي لي أي حاجة غلط، لأن كلامك هو القطعة اللي كانت ناقصانا.
فردت صور المستندات على المكتب؛ الوصية الأصلية، المتأرخة قبل ۏفاة جدي بسنتين، واللي بتسميني المستفيدة الأساسية من الصندوق ونصف البيت؛ والطلب اللي أبويا قدمه بعد العزا بتمانية شهور؛ وخطاب التنازل المزور اللي إمضائي عليه كان شبه إمضائي الحقيقية لدرجة إن بطني اتقبضت وأنا باصة له.
سألتني رانيا وهي بتزحزح الورقة ناحيتي
كتبتي دي قبل كده؟
رديت
لأ.. أنا ماشفتش الورقة دي في حياتي خالص.
قالت وهي بتقرب الورقة مني
بصي على الإمضا كويس.. مش شكل الحروف، لكن قوة الضغط. الإمضاءات الحقيقية، وبالذات اللي بتتكتب تحت ضغط نفسي، بيكون فيها فروق بسيطة في قوة الضغط والسرعة. الإمضا دي منتظمة بشكل غريب؛ النوع ده من الثبات بيظهر لما حد يكون بيشفّ الإمضا أو بيتدرب عليها، مش لما حد بيمضي حاجة حقيقية في وقتها.
قلت وأنا حاسة بكلمات غريبة في بقي، الغرابة اللي بتحس بيها لما تكتشفي إن حد خطط لخېانة دقيقة لدرجة إنه احتاج يتدرب عليها
هو اتمرن على إمضائي.
قالت رانيا
دي النظرية اللي شغالين بيها. لقينا كشكول قانوني وإحنا بنفتش مكتبه في البيت، كان مرمي ومتقطع نصه، وفيه حداشر محاولة لإمضائك على نفس الصفحة. المادة دي لوحدها ماكانتش دليل قاطع، لكن لما اتجمعت مع رخصة الشهر العقاري الملغية وتاريخ صندوق البريد اللي كان بيعترض الجوابات، بقى صعب جدًا يكدبها أو يهرب منها.
سألتها
كان بيخطط لده من إمتى؟ أقصد قبل العزا.. قبل حتى ما يرمي لي الكارت.
سكتت رانيا لحظة، سكوت حد بيحاول يقدّر حجم الإجابة اللي الشخص اللي قدامه محتاج يسمعها.
قالت في الآخر
صندوق البريد اتسجل قبل ۏفاة جدك بأربع شهور، وهو لسه كان بياخد جلسات العلاج. ماقدرش أقولك أبوكي كان بيفكر في إيه وقتها يا آنسة نادية، لكن أقدر أقولك اللي الورق بيحكيه. والورق بيورينا راجل بيجهز طريقة يسرق بيها ورثك قبل ما جدك ېموت، لدرجة إنه لو كان سأله وهو لسه عايش، كان هيعرف بالظبط الميراث ده المفروض يروح لمين.
قعدت ساكتة مع الكلام ده فترة طويلة.
الفكرة إن الڼصب ما بدأش ليلة العزا، بكارت اترمى باستهتار على ترابيزة المطبخ، لكنه بدأ قبلها بشهور، بهدوء، بينما جدي كان لسه بيحارب عشان يعيش، وفي نفس الوقت بيحاول يضمن مستقبلي لما هو مايبقاش قادر يعمل ده بنفسه.
سألتها
ليه ماطلبش من جدي يغيّر الوصية من أساسها؟ لو كان عايز الفلوس قوي كده، ليه يعمل كل ده بدل ما يطلبها منه؟
قالت رانيا
مسكت قضايا كتير شبه كده، ولاحظت نفس النمط أكتر مما أتمنى. الناس نادرًا ما بتطلب حاجة هما شاكين إنهم هيسمعوا فيها كلمة لأ. بيفضلوا يبنوا خطة معقدة عشان يسرقوها بهدوء، بدل ما يخاطروا ويسمعوا بصوت عالي قد إيه الحق اللي فاكرين إنه حقهم كان قليل، أو ماكانش موجود أصلًا.
أبويا اتقبض عليه يوم تلات، قدام نفس مكتب العقارات اللي كان بيعرض فيه بيت جدي على المشترين بعد العزا بأقل من سنة.
أنا ما رحتش، وماكنتش محتاجة أشوف اللحظة دي عشان أفهم معناها.
كلمني مرة واحدة من رقم ماعرفوش، بعد القبض عليه بتلات أيام. كنت خلاص هسيبه يدخل البريد الصوتي، لكن في الآخر رديت. يمكن عشان كان فيه جزء جوايا محتاج يسمع لو عنده أي تفسير غير إنه يكمل كڈب.
قال من غير سلام، وبصوت أنحف من اللي فاكره
إنتِ ماكانش لازم تعملي كده.
رديت
أنا ماعملتش
حاجة. أنا دخلت بنك عشان أقفل حساب إنت قلت لي إنه بألف جنيه، وكل حاجة بعد كده كانت ورقك إنت اللي بيوقعك في شړ أعمالك.
كمل
أنا ربيتك.. لمدة حداشر سنة، حطيت سقف فوق راسك، ولقمة على السفرة، واسمك في ورق المدارس. مش ده يتحسب لي؟
قلت
كان بيتحسب.. وفضل فترة طويلة يتحسب لك. لحد ما قلت لي إني عمري ما كنت من العيلة بجد، في نفس الليلة اللي رميت لي فيها كارت كنت عارف إنه من غير قيمة، بينما إنت كنت
متابعة القراءة