99 دكتور
٩٩ دكتور أكدوا إني عمري ما همشي تاني، وبعد ٨ سنين كاملة وأنا على كرسي متحرك، صدقتهم خلاص.
لحد ما بنت الخدامة الصغيرة، اللي عندها ٨ سنين بس، دخلت الأوضة الوحيدة اللي ممنوع أي حد يقرب منها، ووقفت قدام أخطر وأخوف راجل في البلد، واتريقت عليه بكل جرأة
والأغرب؟
إن رجلي المشلولة اتحركت لأول مرة من يوم ما مراتي ماتت.
اسمي يوسف الدمنهوري.
ناس كتير في القاهرة كانوا بيسموني الكبير.
وناس تانية كانت بتعرف إن الأحسن ليها ما تنطقش اسمي أصلًا.
أنا كنت صاحب نفوذ وفلوس وسلطة، والناس كلها كانت بتحسب لي ألف حساب.
بس طول ال٨ سنين اللي فاتوا، كل ده ما كانش له أي لازمة.
لأني ببساطة
كنت مجرد راجل قاعد على كرسي متحرك.
بعد وفاة مراتي سلمى، حياتي اتقلبت في لحظة.
ومن يومها، رجلي بطلت تستجيب.
عملت كل حاجة ممكن تتعمل.
لفيت على دكاترة في مصر وبره مصر، صرفت ملايين، وخضعت لعلاجات وتجارب كتير.
٩٩ دكتور كشفوا عليّا.
وكل واحد فيهم، في الآخر، كان بيقول نفس الجملة
للأسف يا أستاذ يوسف الحالة دائمة. حضرتك مش هتمشي تاني.
في البداية كنت بعاند.
كنت بتمرن كل يوم.
أحاول أحرك صوابعي.
أشد عضلات رجلي.
أصرخ من الوجع وأنا بحاول أقف.
لكن مع الوقت
بطلت أحاول.
بطلت أستنى المعجزة.
وبقيت مقتنع إن حياتي هتفضل كده لحد ما أموت.
وكان فيه مكان واحد في الفيلا محدش بيدخله غير بإذني.
الجنينة الشتوية.
مكان كبير معمول كله إزاز، فيه زرع وأشجار نادرة جايبها من بره، نافورة رخام، وقعدة هادية بعيد عن دوشة البيت.
كنت بروح هناك لما أحب أبقى لوحدي.
حتى الحراسة كانت مشددة على المكان ده.
محدش يدخل.
محدش يقرب.
محدش حتى يفتح الباب من غير إذني.
محدش.
لحد يوم التلات
الباب اتفتح.
ودخلت بنت صغيرة.
ما كانش سنها يعدي ٨ سنين.
شعرها بني ومكركب، هدومها متبهدلة شوية، وجزمة الكوتش بتاعتها مليانة طين.
وراها كان واقف أخوها الكبير، وشه أصفر من الرعب.
الحرس وقفوا مكانهم ومستنيين مني إشارة.
لكن البنت؟
ولا كأن فيه حاجة.
دخلت جوه عادي جدًا.
بصت حواليها، وبعدين رفعت عينيها عليّا مباشرة.
وسكتت ثانيتين.
وبعدين قالت
إنت يا عمو شكلك زي تمثال متعصب!
واحد من الحرس مد إيده ناحية جهاز اللاسلكي.
أنا رفعت إيدي.
محدش يتحرك.
سكت الكل.
بصيت
التماثيل ما بتتعصبش.
هزت راسها كأنها بتفكر في كلامي بجد.
وبعدين بصتلي في وشي وقالت بمنتهى البرود
أمال حواجبك عاملة كده ليه؟
الحرس بصوا لبعض.
وأنا
لأول مرة من سنين
حسيت إن طرف بوقي بيتحرك.
كنت على وشك أضحك.
البنت قربت مني وقالت
أنا اسمي مريم.
وبعدين طلعت سماعة صغيرة من جيب الهودي بتاعها.
قبل ما ألحق أسألها بتعمل إيه
شغلت أغنية بصوت عالي.
المكان اللي بقاله سنين مفيهوش غير صوت الميه وحركة الأشجار
اتملّى بالمزيكا.
وبعدين البنت بدأت ترقص.
ترقص؟
لا
دي كانت بتعمل مصيبة!
بتلف حوالين نفسها، وتزحلق مرة، وتلحق نفسها في آخر لحظة، وبعدين بدأت تمثل إنها بتبيع سندوتشات كبدة عند ماتش كورة!
أخوها كان واقف مش عارف يحط وشه فين.
الحرس واقفين مش فاهمين يعملوا إيه.
وأنا
فضلت أبص لها.
وبعدين انفجرت في الضحك.
ضحكة حقيقية.
من قلبي.
ضحكة كنت ناسي شكلها أصلًا.
آخر مرة ضحكت بالشكل ده كانت من ٨ سنين
يوم ما سلمى ماتت.
نفس اليوم اللي رجلي بطلت تتحرك فيه.
لكن فجأة
وأنا بضحك
حسيت بحاجة.
حاجة بسيطة جدًا.
تحت البطانية اللي كانت مغطية رجلي.
وقفت ضحك.
جسمي كله اتجمد.
بصيت لتحت.
الجزمة اللي في رجلي اليمين اتحركت.
سنتيمتر واحد.
يمكن أقل.
لكنها
اتحركت.
نفسي اتقطع.
فضلت باصص عليها كأني مش مصدق اللي شايفه.
٨ سنين!
٨ سنين وأنا بأمر رجلي تتحرك.
كل يوم.
كل ليلة.
كنت أقول لنفسي
حرّكيها يا يوسف حرّكي رجلك بس.
ولا مرة حصل حاجة.
لكن دلوقتي
وسط الضحك والمزيكا والطفلة اللي دخلت مكاني الممنوع
رجلي اتحركت.
الحرس لاحظوا.
أخو البنت لاحظ.
والمكان كله غرق في صمت تام.
بصيت للبنت.
مريم
هي بطلت رقص.
وبصت على رجلي.
وبعدين رفعت عينيها ليّا.
والغريب إنها
ما اتفاجئتش.
ما شهقتش.
ما سألتش إيه اللي حصل؟
بالعكس
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من البداية.
وقربت مني خطوة وقالت بصوت واطي
شوفت؟
حسيت بقشعريرة جريت في جسمي كله.
الحرس كانوا مركزين مع رجلي.
لكن أنا؟
كنت مركز مع مريم.
لأني لأول مرة في حياتي سألت نفسي سؤال مرعب
هو دخول البنت دي للجنينة الممنوعة كان صدفة فعلًا؟
ولو ما كانش صدفة
إزاي عرفت إن رجلي اللي الدكاترة كلهم قالوا إنها ماتت هتتحرك؟....... يتبع
مريم ما ردتش
فضلت واقفة قدامي، وهي ماسكة السماعة الصغيرة في إيدها، وباصّة لرجلي كأنها بتتأكد من حاجة كانت عارفاها من قبل.
أنا أشرت للحرس يخرجوا.
كلكم برا.
أخوها اتخض.
بس يا باشا
صرخت
قلت برا!
في ثواني، المكان فضي إلا مني ومن مريم وأخوها.
بصيت لها مباشرة.
إنتِ كنتِ عارفة إن رجلي هتتحرك؟
هزت كتفها.
مش أنا اللي عارفة.
أمال مين؟
سكتت.
وبعدين قربت مني أكتر وهمست
ماما.
قلبي اتقبض.
مامتك؟
هزت راسها.
قالتلي قبل ما أموت إن لو دخلت المكان ده في اليوم اللي إنت تضحك فيه رجلك هتتحرك.
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
مامتك ماتت؟
أيوه.
إمتى؟
قالت ببساطة
من تلات شهور.
فضلت ساكت.
وبعدين سألتها
وكانت تعرفني منين؟
مريم بصت لأخوها.
أخوها نزل عينه في الأرض.
وهنا بدأت أحس إن فيه حاجة غلط.
حاجة كبيرة.
أنا ضغطت على زرار الكرسي، وقربت منها.
مريم أنا مش بحب الألغاز.
ابتسمت.
وأنا مش بحب الكدب.
يعني إيه؟
مدت إيدها في جيبها وطلعت ورقة صغيرة مطوية.
حطتها قدامي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها.
أول ما شوفت الخط
اتجمدت.
الخط ده أنا أعرفه.
مستحيل أنساه.
كان خط سلمى.
مراتي.
الست اللي ماتت من ٨ سنين.
قرأت أول سطر
يوسف لو الورقة دي وصلت لك، يبقى مريم أخيرًا دخلت الجنينة.
وقعت الورقة من إيدي.
رفعت عيني لمريم.
إنتِ بتجيبي الكلام ده منين؟
قالت
ماما ادتهولي.
مامتك اسمها إيه؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
سلمى.
الدنيا لفت بيا.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
سلمى مين؟
مريم قربت من ودني وقالت
سلمى مراتك.
لأول مرة من ٨ سنين
أنا ما حسيتش برجلي.
حسيت إن الأرض كلها هي اللي اتحركت من تحتي.
شدّيت الورقة بسرعة وقرأت باقي الكلام.
ما تثقش في أي حد في البيت.
السطر اللي بعده كان أقصر
خصوصًا الشخص اللي كان بيقول لك كل يوم إن حالتك ميؤوس منها.
رفعت عيني ببطء.
ولأول مرة بدأت أفتكر
مين كان أول شخص قال لي إن إصابتي مستحيل تتحسن؟
ومين كان مصرّ إني ما أعملش أي علاج جديد؟
ومين كان دايمًا موجود وقت جلسات العلاج؟
ومين كان أكتر واحد مستفيد من عجزي؟
اسم واحد جه في دماغي.
اسم خلاني أحس بقشعريرة.
الدكتور حازم.
أقرب طبيب ليا.
والشخص الوحيد اللي كنت بثق فيه ثقة عمياء.
لكن قبل ما ألحق أقول اسمه
مريم مسكت إيدي.
وقالت
عمو يوسف
إيه؟
بصت ناحية الباب، واتأكدت إن محدش سامعنا.
وبعدين قالت
ماما ما ماتتش لوحدها.
سكتُّ.
يعني إيه؟
قبل ما تموت، كانت بتجري مني وبتقول إنهم هيقتلوها.
شهقت.
مين هم؟
مريم بدأت تبكي لأول مرة.
وبصوت متقطع قالت
نفس الناس اللي كانوا موجودين يوم ما وقعت من السلم.
أنا اتجمدت.
لأن سلمى
ما ماتتش بسبب سقوط من السلم.
على الأقل
ده اللي قالوه لي.
وفجأة، سمعت صوت عجلات عربية بتقف قدام الفيلا.
مريم بصت ناحية الباب.
وشها اتغير تمامًا.
همست
هو جه.
مين؟
رفعت إصبعها على بوقها.
الدكتور حازم.
وفي اللحظة دي
سمعت صوته من بره وهو بيزعق للحرس
افتحوا الباب فورًا! أنا لازم أشوف يوسف!
مريم شدت إيدي.
وقالت جملة واحدة
لو عرف إني قلتلك الحقيقة هيقتلني زي ما قتل ماما ثبتُّ عيني على مريم.
الدكتور حازم قتل مامتك؟
هزت رأسها بسرعة، والدموع نزلت على خدودها.
مش لوحده
قبل ما أسألها مين معاه، الباب الخارجي للجنينة اتفتح بعنف.
دخل الدكتور حازم وهو لابس بدلته السوداء، ووشه هادي بشكل يخوف.
ابتسم أول ما شافني.
الحمد لله إنك بخير يا يوسف. سمعت إن حصلت لك انتكاسة.
بصيت له من غير ما أرد.
هو قرب مني، ومد إيده ناحية رجلي.
خليني أشوف
مسكت إيده قبل ما تلمسني.
متلمسنيش.
وقف.
ابتسامته اختفت للحظة.
في إيه؟
قلت بهدوء
رجلي اتحركت.
سكت.
لثانية واحدة بس.
لكن الثانية دي كانت كفاية.
شفت الرعب في عينه.
وبعدين رجع يبتسم.
مستحيل.
أنا كمان كنت فاكر كده.
بص لمريم.
ولما عينه وقعت عليها، وشه اتغير تمامًا.
إنتِ مين؟
مريم استخبت ورا الكرسي.
الدكتور حازم بص لأخوها.
إنتوا دخلتوا هنا إزاي؟
أخوها ارتبك.
لكن مريم رفعت رأسها وقالت
ماما قالتلي إنك هتسأل السؤال ده.
الدكتور حازم تجمد.
أنا لاحظت.
إنت تعرف أمها؟
ما ردش.
قربت منه.
تعرف سلمى؟
قال بسرعة
طبعًا، كانت مراتك.
لأ.
بصيت في عينه.
السؤال مش كانت مين. السؤال كنت بتعمل إيه معاها قبل ما تموت؟
اتراجع خطوة.
وفي نفس اللحظة، مريم صرخت
هو اللي حط الحقنة في إيدها!
أخوها حط إيده على بوقها.
لكن خلاص.
الكلمة خرجت.
أنا بصيت للدكتور حازم.
حقنة إيه؟
قال بعصبية
طفلة بتخرف!
لكن مريم هزت رأسها.
مش بخرف!
وبعدين جريت ناحية أصيص زرع كبير في آخر الجنينة.
ركعت على الأرض
الدكتور حازم اندفع ناحيتها.
أنا صرخت
وقف مكانك!
الحرس دخلوا بسرعة.
الدكتور حازم وقف.
ومريم طلعت من التراب كيس بلاستيك صغير.
رفعته قدامي.
جواه فلاشة سوداء.
قالت
ماما قالتلي أديها لك لما رجلك تتحرك.
مدت إيدها لي.
وأنا أخدت الفلاشة.
الدكتور حازم شحب.
يوسف متفتحهاش.
بصيت له.
ليه؟
سكت.
خايف أعرف إيه؟
رد