كنت أوصله للعمل مجانًا لمدة سنة.. وفي يوم دخول أمي المستشفى اشتكى مني للمدير!
لا.
ولا مرة؟
أبدًا.
بقي قاسم صامتًا لعدة ثوانٍ.
ثم قال
إذن فالأمر أكثر عبثية مما بدا لي في البداية.
مررت يدي على وجهي.
ماذا قال لك؟
قال
قال إنك تعمدت ألا تمر عليه اليوم حتى تضرّه. وقال إنك ملتزم منذ أشهر بإيصاله إلى العمل، وإنك قررت هذا الصباح أن تتركه دون وسيلة نقل ومن دون سابق إنذار. وأضاف أن تصرفك يدل على عدم التعاون مع زملائك، وأن علينا اتخاذ إجراء لأن تأخره قد يتسبب في خسارته مكافأة الالتزام بالحضور.
لم أعرف ماذا أقول.
بقيت أحدق في بقعة على أرضية الممر.
كنت قد أمضيت ما يقارب عامًا كاملًا أعطيه من وقتي، وأدفع ثمن الوقود، وأستهلك سيارتي من أجله، ثم احتاج الأمر إلى صباح واحد فقط حتى يحوّل كل تلك الخدمات إلى واجب مفروض عليّ.
قلت
قاسم، لقد أخبرته منذ الليلة الماضية.
هل ما زالت الرسائل عندك؟
كلها.
لا تحذف أي شيء.
تغيرت نبرة صوته.
لم يعد يتحدث معي كمدير يخاطب موظفًا.
بدا كأنه شخص فهم للتو أن وراء الأمر شيئًا أكثر جدية.
قال
غيث، ابقَ مع والدتك. الموارد البشرية لديها إشعارك الذي أرسلته، وغيابك مبرر. عندما تستطيع، أرسل لي صورًا للمحادثة بينك وبين حيدر.
شكرًا.
وشيء آخر.
نعم؟
لا ترد على أي استفزاز منه. دعه يكتب.
أغلقت المكالمة.
بقيت عدة دقائق دون أن أتحرك.
ثم فتحت الهاتف من جديد.
كان حيدر قد أرسل أربع
لقد تحدثت مع قاسم.
أتمنى أن تفهم أن القرارات لها نتائج.
لن أخسر مالًا لأنك تتصرف بلا مسؤولية.
وأخيرًا
إذا كنا فعلًا أصدقاء، فعليك أن تصلح ما فعلته.
كانت تلك الرسالة الأخيرة أكثر ما آذاني.
ليس لأنني صدقت ما يقوله، بل لأنني أدركت مدى سهولة استخدامه لتلك الكلمة.
أصدقاء.
بالنسبة لي، كانت الصداقة تعني أن أستيقظ أبكر من المعتاد.
أن أنتظره.
أن أغيّر طريقي.
أن أقرضه مالًا عندما لا يكون معه ما يكفي لشراء الغداء.
أن أغطي عليه عندما يتأخر.
أن أساعده في نقل أغراض بيته يوم سبت.
أن آخذه بسيارتي ليحضر دراجته عندما انتهى تصليحها أخيرًا، رغم أنه قال بعد ذلك إنه يفضّل الاستمرار في الذهاب معي لأن الأمر يوفر عليه المصاريف.
أما بالنسبة له، فالصداقة كانت تعني شيئًا واحدًا.
أن أكون متاحًا.
أنا تحديدًا.
التقطت صورًا لكل الرسائل وأرسلتها إلى قاسم.
ثم وضعت الهاتف مقلوبًا على المقعد.
في الساعة التاسعة وعشرين دقيقة خرج أحد الأطباء.
نهضت بسرعة حتى كدت أسقط الكرسي.
قال الطبيب
من عائلة السيدة أمينة الكرخي؟
أنا.
نظر الطبيب إلى ورقة في يده.
ثم قال
والدتك تعرضت لذبحة صدرية غير مستقرة. أنتم وصلتم في الوقت المناسب. سنبقيها تحت المراقبة، وسنجري لها فحوصات إضافية لأننا وجدنا بعض المؤشرات التي يجب متابعتها.
شعرت بأن ساقي لم تعودا
سألته
هل تجاوزت الخطر؟
قال
في هذه اللحظة حالتها مستقرة.
في هذه اللحظة.
ثلاث كلمات قادرة على أن تمنحك بعض الطمأنينة، وفي الوقت نفسه تفتح داخلك بابًا جديدًا للخوف.
سألته
هل أستطيع رؤيتها؟
بعد دقائق قليلة.
وعندما سمحوا لي بالدخول أخيرًا، كانت أمي مستلقية على السرير وموصولة بأجهزة المراقبة.
عندما رأتني، ابتسمت.
قلت لك إنه مجرد خوف.
قلت
نعم، بالطبع.
اقتربت منها وقبّلت جبينها.
مجرد خوف معه ثلاثة أسلاك، ودواءان، وطبيب قلب.
ضحكت بصوت خافت.
ثم نظرت إلى هاتفي.
وقالت
هل استطاع زميلك أن يصل إلى العمل؟
نظرت إليها بدهشة.
حتى وهي مستلقية على سرير في المستشفى، كانت لا تزال تفكر في شخص لم يسأل حتى مرة واحدة عن حالتها.
قلت
أظن أنه وصل.
قالت
لا تدخل نفسك في مشكلة في العمل بسببي.
شعرت بشيء يضغط داخل صدري.
جلست إلى جانبها.
قلت
أمي، اسمعيني جيدًا. أنت لن تكوني مشكلة بالنسبة لي أبدًا.
خفضت عينيها.
العمل مهم.
قلت
وأنت أهم.
ضغطت على يدي.
ولم نتحدث عن الموضوع مرة أخرى.
في الساعة الحادية عشرة، وصلتني رسالة من قاسم.
حيدر وصل الساعة 834. هو موجود هنا.
متأخرًا أربعًا وثلاثين دقيقة.
لم يكن ذلك أمرًا استثنائيًا.
الشركة كانت تسمح بتبرير حالات التأخر العرضية.
وظننت أن الموضوع سينتهي عند هذا الحد.
كنت مخطئًا.
بعد
عندما تتاح لك الفرصة، أحتاج أن أتأكد من شيء. حيدر يقول إن نقله إلى العمل كان جزءًا من اتفاق عمل غير رسمي بينكما.
اعتدلت في جلستي.
وأجبته فورًا
لا يوجد أي اتفاق. كان مجرد خدمة شخصية.
جاء رد قاسم
هذا ما ظننته.
ثم أضاف
وقال أيضًا إنك كنت تتقاضى مالًا من عدة زملاء مقابل نقلهم.
شعرت بالغضب.
لم يعد الأمر مجرد مبالغة منه.
لقد أصبح يكذب.
كتبت
هذا غير صحيح.
رد
هل تستطيع إثبات ذلك؟
نظرت إلى محادثاتي.
وإلى التحويلات المصرفية في حسابي.
وإلى مصاريف الوقود التي كنت أدفعها.
وكتبت
لا توجد دفعة واحدة من حيدر، لأنه لم يعطني أي شيء طوال هذه الفترة.
أجاب قاسم
ممتاز. لا تفعل شيئًا آخر. ابقَ مع والدتك.
لأول مرة فهمت لماذا طلب مني منذ البداية ألا أجادل حيدر.
كان يتركه يتكلم.
وفي كل مرة كان يتكلم فيها، كان يجعل موقفه أسوأ.
بقيت أمي في المستشفى تلك الليلة.
وصلت أختي في فترة بعد الظهر، وأجبرتني على العودة إلى البيت حتى أستحم وأحضر ملابس وبعض الأغراض.
وعندما خرجت من مستشفى اليرموك التعليمي، وجدت تسع عشرة مكالمة فائتة.
كلها من حيدر.
وكان هناك تسجيل صوتي أيضًا.
لم أكن أريد الاستماع إليه.
لكنني فعلت على أي حال.
جاء صوته
غيث، اهدأ قليلًا. قاسم يسألني أسئلة كأنني ارتكبت جريمة. كل ما قلته إنك في العادة تمر
ضحكت وحدي داخل السيارة.
الآن أنا