مرات اخويا و سر نومها جنبنا
تحافظ على شكل العيلة قدام الناس.
في نفس اليوم، محمود اقترح إننا نغير كالون أوضة الضيوف، ونركب أقفال جديدة للأبواب كلها.
وأحمد قرر إنه مش هيكمل عيشته في البيت بالشكل ده.
قال لأبوه
أنا هحترمك طول عمري، وهفضل ابنك، لكن أنا ومراتي لازم نعيش في مكان نحس فيه بالأمان.
الحاج جابر رفض في البداية، وقال إن أحمد بيكبر الموضوع وإنه هيخسر أهله بسبب مراته.
لكن أحمد رد
أنا مش بخسر أهلي. أنا بحاول أحافظ على بيتي.
وبعد يومين، أحمد وسارة نقلوا حاجاتهم لشقتهم الصغيرة اللي كانت مقفولة من يوم ما اشتروها.
الشقة كانت محتاجة تشطيب بسيط، لكن سارة كانت فرحانة بيها بشكل عمري ما شفته قبل كده.
كانت بتختار لون الحيطان، وتشتري ستاير، وترتب المطبخ، وكل شوية تبعت لي صور وتسألني رأيي.
وفي أول ليلة ليهم في الشقة، اتصلت بيا سارة.
قالت
أختي، أنا لأول مرة من يوم ما اتجوزت أنام من غير ما أصحى على صوت أي حركة.
ضحكت وقلت لها
وده المفروض يكون الطبيعي يا سارة.
ردت بصوت فيه امتنان
أنا عارفة، بس إنتِ مش متخيلة الإحساس ده بالنسبالي.
بعد أسبوع، أحمد جه يزورنا لوحده.
كان واضح إنه متضايق من اللي حصل، لكنه قال إن مراته بدأت تتحسن وإنهم أخيرًا قدروا يعيشوا بهدوء.
سألته عن أبوه.
قال إن الحاج جابر حاول يتصل بيه كذا مرة، لكنه كان بيرد عليه باحترام، وبيحاول يحط حدود واضحة في التعامل.
كمان طلب منه يرجع له أي أوراق أو توكيلات قديمة تخص حساباته، وفعلاً أنهى كل التوكيلات اللي ممكن تسمح لأي حد يتصرف في فلوسه من غير علمه.
أما الحاج جابر، ففضل فترة طويلة رافض يعترف إنه غلطان.
لكن بعد شهر تقريبًا، حصل موقف غير كل حاجة.
ماما تعبت فجأة واضطرينا نوديها المستشفى.
أحمد جه بسرعة، وسارة كانت معاه.
طول اليوم سارة فضلت جنب ماما، بتطمن عليها وبتساعدني في كل حاجة.
ولما الحاج جابر دخل المستشفى وشاف سارة قاعدة جنب السرير، وقف بعيد شوية.
بعدها قرب منها وقال بصوت واطي
ماما عاملة إيه؟
ردت بهدوء
الدكتور قال إنها أحسن الحمد لله.
فضل ساكت لحظة، وبعدها قال
أنا عايز أتكلم معاكي.
سارة بصت لأحمد، وهو أشار لها إنها مش مضطرة تتكلم لو مش عايزة.
لكنها وافقت تسمعه.
خرجوا في طرقة المستشفى، وفضلوا يتكلموا بعيد عن الناس.
بعد دقائق رجعت سارة، وكانت ملامحها هادية.
سألتها
قالك إيه؟
ردت
اعتذر.
استغربت.
قالت إن الحاج جابر اعترف إنه غلط لما اعتبر إن كونه كبير العيلة يديله الحق يدخل أي مكان ويتصرف في خصوصيات الناس من غير استئذان.
وقال لها إنه كان فاكر إن من حقه يتحكم في كل حاجة تخص ابنه، وإنه مكنش متخيل إن تصرفاته هتخوفها بالشكل ده.
لكن سارة قالت له بوضوح
أنا ممكن أسامحك، لكن مش هقدر أرجع أعيش في البيت تاني. أنا محتاجة أحس إن ليّا خصوصية وحدود.
ولأول مرة، الحاج جابر وافق من غير جدال.
مرت شهور.
سارة بدأت شغل جديد من البيت في تصميم الملابس، وكانت مبسوطة جدًا إنها بقت عندها مساحة خاصة تعمل فيها اللي بتحبه.
وأحمد بدأ يساعدها في تجهيز الشقة، وبقوا ييجوا يزورونا كل أسبوع تقريبًا.
ومع الوقت، العلاقة بين سارة وباقي العيلة اتحسنت.
ماما بقت بتحب تقضي معاها وقت طويل، وأنا بقيت أعتبرها أختي فعلًا، مش مجرد مرات أخويا.
أما الحاج جابر، فبدأ يتعامل معاها باحترام أكتر، وبقى يستأذن قبل ما يدخل أي أوضة، حتى أوضته هو لما يكون فيها حد.
مكنش كل شيء رجع زي الأول، لكن على الأقل بقى فيه حدود واضحة.
وبعد حوالي سنة، في يوم كنت قاعدة في الصالة، سمعت جرس الباب.
فتحت،
ولقيت سارة واقفة قدامي، وشكلها مختلف تمامًا.
كانت مبتسمة، ووشها منور.
وقالت
عندي ليكي خبر حلو!
دخلت وهي بتضحك، وطلعت من شنطتها صورة تحليل حمل.
فضلت أبص للصورة
مبروك يا سارة!
أحمد كان واقف وراها، ووشه كله فرحة.
ماما لما عرفت، فضلت تزغرد وتضحك، والحاج جابر كان موجود وقتها.
قرب من أحمد وبارك له، وبعدها بص لسارة وقال
ربنا يقومك بالسلامة يا بنتي.
سارة ابتسمت وردت
الله يسلم حضرتك.
بعدها بشهرين، كنت عندها في الشقة، وبنرتب أوضة البيبي.
كانت مجهزة سرير صغير، وستاير بيضا، وعلقت على الحيطة رسمة لطيفة فيها نجوم وقمر.
سألتها
فاكرة أول يوم جيتي فيه البيت عندنا؟
ضحكت وقالت
أنساه إزاي؟
قلت لها
أنا وقتها كنت فاكرة إنك غريبة الأطوار، وكنت مستغربة إزاي بتصممي تنامي بيني وبين محمود كل ليلة.
ضحكت أكتر، وبعدها قالت
أنا نفسي مش قادرة أصدق إني كنت بخاف للدرجة دي. كنت كل ليلة بقول يمكن بكرة الأمور تتغير، ويمكن ألاقي مكان أحس فيه بالأمان.
سكتت شوية، وبعدها كملت
بس عارفة إيه اللي فرق معايا؟
إيه؟
إنك في الآخر صدقتيني وسمعتيني. ساعات الواحد مش بيكون محتاج حد يحل له كل مشاكله، قد ما بيكون محتاج حد يصدقه لما يحكي إنه خاېف.
الكلام ده فضل في دماغي فترة طويلة.
لأننا أحيانًا بنحكم على تصرفات الناس من غير ما نعرف إيه اللي وراها.
ممكن نفتكر إن حد بيتدخل في حياتنا، أو بيبالغ، أو بيتصرف بطريقة غريبة، بينما هو في الحقيقة بيحاول ينجو من حاجة إحنا مش شايفينها.
أما أنا، فتعلمت درس عمري ما نسيته.
مش كل شخص بيطلب الأمان بيكون ضعيف، ومش كل شخص بيبتسم طول النهار بيكون مرتاح بالليل.
وبالنسبة لسارة، فهي عمرها ما نامت في نص سريري تاني.
مش لأنها بطلت تحتاج الأمان...
لكن لأنها أخيرًا لقت بيت تقدر تنام فيه وهي مطمنة.
وفي يوم ولادتها، جابت بنت جميلة سمّوها ليلى.
ولما روحت أزورها في المستشفى، لقيتها حاضنة بنتها وبتبص لها بحب.
قربت منها وقلت
خلاص يا سارة، من النهارده مفيش حد هيخوفك، ولا هيخليكي تحسي إنك غريبة.
ابتسمت وقالت
أنا مش عايزة بنتي تكبر وهي خاېفة من حد، ولا تحس إنها مضطرة تسكت علشان ترضي الناس.
وبوست رأس الصغيرة.
وساعتها افتكرت الليلة السابعة عشرة، والباب اللي كان بيتفتح ببطء، والخطوات اللي كانت بتتحرك في الطرقة، وإيد سارة اللي كانت بتترعش وهي ماسكة إيدي.
الحمد لله إن الليلة دي كانت بداية الحقيقة، مش نهاية حكايتنا.
لأن سارة مكنتش محتاجة سرير أكبر، ولا أوضة أوسع، ولا عيلة مثالية...
كانت محتاجة بس ناس تسمعها وتصدقها وتحترم حقها في الأمان.
ومن يومها، فهمت إن البيت مش مجرد سقف وأربع حيطان... البيت الحقيقي هو المكان اللي تقدر تقفل عينيك فيه من غير ما تخاف تفتحهم على أذى.