اليورو الأخير محمد نور

لمحة نيوز

ما تبقى في مكان آمن.
لكن أحمد اكتشف الملفات الناقصة وواجهها ليلة اختفائها. خد موبايلها وأجبرها تروح معاه للمصنع، واحتجزها عشان يعرف مكان الأدلة.
بعدها نقلها للبيت الريفي.
وقبل ما ينقلها، قدرت تخبي ورقة فيها بيانات العقار تحت المرتبة، لأنها كانت عارفة إن الشرطة ممكن تربط بين المكانين.
أحمد كان ناوي يفضل حابسها لحد ما يسترجع الفلاشة.
ولتبرير اختفائها، بدأ يألف روايات مختلفة. الأول بلّغ عن اختفائها، وبعدها اخترع حكاية إنه تم العثور على جثتها.
ولما عرف إني بلغت الشرطة، حاول يصورني أنا ونسرين على إننا متورطين في سړقة معلومات من شركته.
لكن نسرين كانت مجهزة أدلة ضده من شهور، وأنا كنت محتفظة بالتحويلات.
التحقيق جمع أدلة على اختطافها وټهديدها وجرائم تانية، والمخالفات المالية فتحت تحقيق منفصل.
أحمد فضل تحت التحفظ بقرار قضائي، والإجراءات القانونية كملت.
ما كانش كل شيء اتحل، لكن نسرين كانت عايشة، وده كان أهم خبر بالنسبة لي.
بعد أسبوع، الحاجة نادية اتصلت بيا وقالت
نسرين عايزة تشوفك.
خفت، وما كنتش عارفة هواجهها إزاي بعد ما فضلت أشتمها 3 سنين.
لكن رحت.
كانت قاعدة جنب شباك أوضة المستشفى، شعرها مرفوع وعلى رسغ إيدها الشمال ضمادة.
أول ما دخلت ابتسمت وقالت
أهلًا يا مريم.
كانت أول مرة أسمع صوتها وهي بتكلمني مباشرة.
أشارت للكرسي
اتفضلي اقعدي.
بعد شوية صمت قلت
أنا قريت جوابك.
قالت
كنت متوقعة.
مش عارفة أقول لك إيه.
مش لازم تقولي حاجة.
هزيت راسي.
لأ، لازم. أنا شتمتك واتهمتك بحاجات ما عملتيهاش، وعاملتك كأنك عدوتي.
قالت
وأنا كمان ما تصرفتش صح في البداية.
سألتها
تقصدي إيه؟
قالت
أول تحويل كان بفكرة من أحمد، وأنا شاركت فيها. كنت عارفة إن ده هيضايقك.
اتجمدت مكاني.
كملت
كان كدب عليّا كتير بخصوصك لدرجة إني صدقته، وكنت فاكرة إنك ست قاسېة حاولت تدمّر حياته.
نزلت دمعة على خدها.
لما فهمت حقيقته، حسيت بالخجل.
سألتها
ليه ما بعتّيش لي رسالة وشرحتي؟
قالت
حاولت في بداية السنة التانية. كتبت لك رسالة طويلة عشان أعتذر وأقول لك إني محتاجة مساعدة.
بس الرسالة ما وصلتش لي.
أحمد دخل الأوضة قبل ما أبعتها، وخد الموبايل وقرأها، وحذرني إنه لو حاولت أكلمك ھيأذيكي إنتِ كمان.
حسيت بقشعريرة.
وبرضه فضلتي تبعتي

الفلوس؟
أيوه. لأنه كان فاكر إن الموضوع لعبته، وكان بيضحك لما يشوف اسمك في سجل التحويلات. عمره ما تخيل إن اليورو ده معناه حاجة تانية.
قلت
كان ممكن تختاري مامتك.
ردت
أمي كانت بتكلمني وبتزورني، وأحمد كان بيتحكم في وقت كلامنا. لو اختفيت، كان ممكن يخترع لها أي حكاية. لكن إنتِ ما كنتيش بتكلميه ولا معتمدة عليه، كنتِ بره دايرته.
وبعدين أضافت
وكمان كنتِ عارفة جزء من شخصيته محدش تاني كان عايز يشوفه.
قلت وسط دموعي
لما اليورو ما وصلش، افتكرت إنك زهقتي مني.
قالت
كنت بتمنى العادة تبقى غريبة وثابتة لدرجة إنك لما تختفي، تحسي إن فيه حاجة غلط.
ونجحتي.
هزت راسها.
وبعدين قالت جملة عمري ما هنساها
مريم، أول ما الضباط دخلوا الأوضة اللي كنت محپوسة فيها، أول حاجة فكرت فيها كانت إن فيه حد لاحظ غيابي.
اڼفجرت في العياط، وهي كمان عيطت.
ولأول مرة من يوم ما أحمد دخل حياتنا، ما اضطرتش أي واحدة فينا تخجل من دموعها.
9 آخر يورو
الشهور اللي بعد كده ما كانتش سهلة.
نسرين احتاجت رعاية طبية ودعم نفسي ووقت عشان تبني حياتها من جديد بعد ما أحمد حوّلها لسلسلة من الأوامر والتهديدات والخۏف.
وأنا كمان رجعت للعلاج النفسي.
سنين كنت بقول إن جوازي القديم بقى من الماضي، لكن لما سمعت صوت أحمد تاني وقابلت نسرين، فهمت إن خروجي من البيت ما كانش معناه إن كل اللي عشته اختفى.
ساعات الإنسان بيسيب البيت، لكنه بيفضل شايل جواه الخۏف اللي اتعلمه فيه.
نسرين انتقلت تعيش قريب من والدتها، ورجعت لشغلها لما بقت مستعدة، وإحنا فضلنا على تواصل.
في البداية كانت رسايلنا بسيطة
إزيك؟
نمتي كويس؟
تحبي نخرج نشرب قهوة؟
كانت محادثات عادية، مالهاش علاقة بسنين الصمت اللي فاتت.
القضية كملت، وأحمد بقى ممنوع يقرب من أي واحدة فينا طبقًا لإجراءات الحماية.
بعد حوالي سنة من إنقاذ نسرين، عزمتني نشرب قهوة في كافيه صغير جنب مكتبة.
كان الجو ربيع.
وصلت نسرين بفستان أزرق وشعر سايباه على كتفها، وكانت بتبتسم من غير ما تفضل تبص حواليها أو تتخض كل ما موبايل يرن.
قعدنا واتكلمنا ساعتين عن شغلها الجديد وكورس التصوير اللي اشتركت فيه والنباتات اللي كانت بتحاول تزرعها رغم إن معظمها كان بېموت.
ضحكنا ضحكة طبيعية، من النوع اللي صاحبه مش محتاج يستأذن عشان يضحك.
ولما كنا قربنا نمشي، طلعت موبايلها وقالت
فيه حاجة لسه مديونالك بيها.
سألتها
إيه هي؟
دست على الموبايل كام ثانية.
وفجأة موبايلي اهتز.
إشعار تحويل
نسرين ماهر بعتت لك 1 يورو.
حسيت إن قلبي اتقبض.
الساعة كانت 305 بالظبط.
رفعت عيني وقلت
نسرين...
ابتسمت
ما تخافيش، المرة دي أقدر أشرح لك.
دمعة نزلت على خدي.
ليه؟
عشان النهارده بقاله سنة كاملة من يوم ما خرجت من البيت ده.
بصيت للإشعار.
على مدار 3 سنين، الرقم الصغير ده كان بيعبر عن الخۏف والوحدة والصمود والأمل إن حد يلاحظ إن فيه حاجة غلط.
نسرين مدت إيدها وقالت
زمان كنت ببعت لك يورو عشان أقول لك إني لسه عايشة.
ومسكت صوابعي
النهارده ببعت لك عشان أقول لك إني أخيرًا بقيت بعيش حياتي بجد.
ضغطت على إيدها، وفتحت موبايلي وبعتّ لها يورو أنا كمان.
بصت للشاشة باستغراب
وإيه ده؟
ابتسمت وسط دموعي
عشان تعرفي إنك مش مضطرة تعملي أي حاجة لوحدك تاني.
حضنّا بعض في نص الكافيه، والناس فضلت ماشية حوالينا من غير ما يعرفوا اليوروين دول معناهم إيه.
ومحدش كان محتاج يعرف.
بالليل، فتحت التطبيق وراجعت التحويلات القديمة.
أكتر من ألف إشارة صغيرة.
طول الوقت كنت فاكرة إن كل تحويل وسيلة عشان تفكرني بطليقي، لكن دلوقتي فهمت الحقيقة.
كل يورو كان خطوة صغيرة من
خطوات مقاومتها ليه.
وافتكرت حاجة نسرين حكتها لي في المستشفى.
أول مرة أحمد أجبرها تبعت لي فلوس، ضحك وقال لها
ابعتي لها كل يوم لو عايزة. كده عمرها ما هتنسى إنك خدتي مكانها.
أحمد كان فاكر إن ده استعراض للقوة والسيطرة.
ما تخيلش إن نسرين هتحوّل قسوته لنظام إنذار، وهو بنفسه سمح له يفضل شغال 3 سنين.
قفلت الشاشة وفهمت المفارقة أخيرًا.
أحمد استخدم يورو واحد عشان يحاول يخلّي ستين يكرهوا بعض.
لكن نسرين استخدمت نفس اليورو عشان تخلي واحدة تنقذ التانية.
ومن يومها، في يوم 15 مايو من كل سنة، أنا ونسرين بنتقابل نشرب قهوة.
ما بقيناش نبعت فلوس لبعض كل يوم، مش محتاجين.
لكن الساعة 305 بالظبط، موبايلاتنا بتهتز.
يورو منها، ويورو مني.
وكلمتين بقوا دايمًا مع كل تحويل
أنا هنا.
لأن ساعات الحاجة اللي شكلها استفزاز بتكون في الحقيقة طلب مساعدة.
وساعات إنقاذ حياة إنسان مش محتاج بطولة خارقة ولا وعود مستحيلة.
ساعات كل اللي محتاجه إن فيه حد يلاحظ، في الوقت المناسب، إن الحاجة اللي كانت موجودة كل يوم... النهارده اختفت.

تم نسخ الرابط