في أول يوم لها كمديرة مدرسة، أشار إليها طفل أمام الفصل وقال: «صورتك في بيتنا… لكن أمي تقول إنكِ توفيتِ قبل أن أولد!»
مع هناء.
لم تكن تريد أسرارًا جديدة.
قالت لها منذ البداية
لا أريد منك تجميل أبي.
لن أفعل.
ولا أريد أن تجعلي أمي الوحيدة المخطئة.
لن أفعل.
قالت هناء
أخي أخطأ أيضًا.
كيف؟
كان بإمكانه أن يقاتل أكثر ليصل إليك.
توقفت مريم.
هذه الإجابة لم تتوقعها.
قالت هناء
أحب أخي، لكنني لن أحوله إلى بطل لأنه توفي. كانت أمامه سنوات. أحيانًا حاول، وأحيانًا استسلم.
أعجبت مريم بصراحتها.
الحقيقة لم تكن قصة شخص طيب وآخر شرير.
كانت مجموعة قرارات سيئة اتخذها بالغون
ودفعت طفلة ثمنها.
بدأت مريم تتعرف إلى عائلة أبيها.
إلى عماتها.
وأبناء عمومتها.
وإلى آدم.
الطفل الذي بدأ كل شيء بجملة واحدة داخل الفصل.
في أحد الأيام، كان آدم في مكتبها.
قال
هل أنتِ غاضبة مني؟
ابتسمت.
لماذا؟
لأنني
ضحكت مريم للمرة الأولى على الأمر.
قليلًا.
فتح عينيه.
ثم ضحكت.
أمزح.
قال
أمي قالت إنني فعلت شيئًا جيدًا.
فكرت مريم.
ثم قالت
فعلت شيئًا كان يجب على الكبار فعله منذ زمن.
بعد عدة أشهر، ذهبت مريم إلى قبر والدها للمرة الأولى.
وقفت أمام الاسم.
عبدالرحمن.
الرجل الذي اعتقدت طوال حياتها أنه مات قبل أن تراها عيناه.
ثم اكتشفت أنه رآها.
وتحدث معها.
والتقط صورة بجانبها.
وعاش سنوات بعدها.
جلست.
وضعت الصورة أمامها.
قالت
أتذكرك الآن.
تذكرت المناسبة.
الرجل الذي سألها ماذا تريد أن تصبح.
معلمة.
وقد أصبحت أكثر من ذلك.
أصبحت مديرة مدرسة.
ابتسمت وسط دموعها.
كنت محقًا أحببت التعليم.
بقيت قليلًا.
ثم وقفت.
لم تقل له إنها سامحته.
ولم تكن تعرف أصلًا
بعض المشاعر تحتاج وقتًا.
أما والدتها، فعادت مريم للتحدث معها تدريجيًا.
لم تنسَ ما حدث.
ولم تتصرف وكأن الاعتذار يمحو ثلاثين عامًا.
لكنها أرادت أن تفهم.
وفي إحدى الليالي قالت لها أمها
أعرف أنك لن تثقي بي بالطريقة نفسها.
قالت مريم
ربما.
هل ستسامحينني؟
فكرت.
ثم قالت
لا أعرف بعد.
كانت تلك أصدق إجابة تستطيع تقديمها.
أمسكت الأم يدها.
ولم تطلب أكثر.
مر عام.
وفي أول يوم دراسي من العام التالي، كانت مريم تمر على الفصول.
دخلت الصف نفسه.
كان آدم قد انتقل إلى صف أعلى.
لكن عندما رآها في الممر، ركض نحوها.
قال
أستاذة مريم!
توقفت.
نعم؟
ابتسم وقال
ماما تقول إنك ستأتين عندنا الجمعة.
صحيح.
يعني صرتِ من العائلة رسميًا؟
ضحكت.
كنت من العائلة
فكر قليلًا.
ثم قال
لكنك لم تكوني تعرفين.
توقفت عند الجملة.
ابتسمت.
بالضبط.
ركض عائدًا إلى أصدقائه.
أما مريم فبقيت تنظر إليه.
قبل عام، دخلت المدرسة وهي تعتقد أن أول يوم لها كمديرة سيكون أهم ما يحدث في حياتها المهنية.
لم تكن تعرف أن طفلًا في الصف الرابع سيقف أمام الجميع ويخبرها أن صورتها موجودة في منزله.
ولا أن صورة واحدة ستعيد إليها نصف عائلة لم تكن تعرف أنها موجودة.
أكملت سيرها في الممر.
وفي مكتبها، وضعت الصورة القديمة داخل إطار صغير.
هي في السابعة عشرة.
ووالدها بجوارها.
لم تعد الصورة لغزًا.
ولم تعد دليلًا على كذبة فقط.
أصبحت تذكيرًا بشيء تعلمته متأخرة
أحيانًا لا يغيّر الماضي ما حدث فيه لكنه يغيّر تمامًا ما كنا نظن أننا نعرفه عنه.
أما
فكلما مر أمام مكتبها، كان ينظر إلى الصورة ويبتسم.
لأنه كان الطفل الذي عرف الحقيقة قبل المديرة نفسها.
تمت.