باعت خاتمَي زواجها من أجل ابنها.. وبعد 10 سنوات عاد مليونيرًا وتظاهر بأنه لا يعرفها!

لمحة نيوز

نظر الرجل أولًا إلى أمينة.
ثم إلى ركبتيها المغطيتين بالطين.
ثم إلى القميص الأبيض الملطخ بالوحل داخل عربتها.
وأخيرًا نظر إلى غيث.
السيد السامرائي؟
استعاد غيث فورًا ابتسامته الرسمية التي اعتاد استخدامها في اجتماعات العمل.
أستاذ حيدر. أهلًا وسهلًا. لم أتوقع أن تصل بهذه السرعة.
مد يده لمصافحته.
لكن الرجل لم يمد يده.
وقال
أما أنا، فقد كنت أتوقع أن أجدك. لكن ليس بهذه الطريقة.
أنزل غيث ذراعه ببطء.
وتبادل المستثمرون النظرات فيما بينهم.
هل هناك مشكلة؟
فتح الرجل حقيبة الأوراق السوداء.
هذا يعتمد على شيء واحد. هل قلت للتو إن هذه السيدة ليست أمك؟
تغير لون وجه غيث.
هذه مسألة شخصية.
سألتك سؤالًا.
أستاذ حيدر، مع كامل احترامي...
استدار الرجل نحو أمينة.
الحاجة أمينة السامرائي.
توقفت أمينة.
نعم؟
اسمي حيدر الكرخي. كنت محامي المرحوم جاسم السامرائي.
اتسعت عينا أمينة.
محامي جاسم؟
نعم.
عقد غيث حاجبيه.
أبي توفي عندما كان عمري اثني عشر عامًا.
أعرف ذلك جيدًا.
أخرج حيدر ملفًا أصفر.
وقبل وفاته، ترك شيئًا لم يتمكن من تسليمه لكِ.
أمسكت أمينة بمقبض عربتها بقوة.
ما هو؟
نظر حيدر إلى غيث.
قرار.
أطلق غيث ضحكة مرتبكة.
لا أفهم ما علاقة هذا الأمر بي.
له كل العلاقة بك.
فتح حيدر الملف.
ورث المرحوم جاسم عن والده عدة هكتارات من الأراضي المحيطة بهذه المنطقة من ديالى. وعلى مدى عقود، لم تكن تلك الأراضي تساوي شيئًا تقريبًا. ولهذا لم تتحدث عنها الحاجة أمينة، وربما لم تكن تعرف أصلًا أنها ما زالت مسجلة قانونيًا باسم العائلة.
هزت أمينة رأسها ببطء.
جاسم أخبرني أنها مجرد أراضٍ مهملة.
وكانت كذلك.
توقف حيدر لحظة.
ثم قال
حتى قبل ثلاث سنوات.
رفع أحد المستثمرين القادمين من بغداد رأسه.
أين تقع هذه الأراضي؟
أشار حيدر نحو التلال الممتدة خلف القرية.
في

المكان نفسه الذي يريد السيد غيث السامرائي إقامة مجمعه السياحي والاستثماري عليه.
ساد الصمت فورًا.
اختفت الابتسامة عن وجه غيث.
هذا غير ممكن.
بل ممكن، وهذه هي الحقيقة.
الأراضي موزعة بين عدد من المالكين.
جزء منها فقط.
أخرج حيدر عدة مستندات.
لكن المدخل الرئيسي، ومصادر المياه، وما يقارب أربعين هكتارًا من المنطقة الأعلى قيمة، كلها تعود ملكيتها إلى شخص واحد.
ابتلع غيث ريقه.
إلى من؟
أشار حيدر إلى المرأة التي لا يزال الطين يغطي ملابسها.
إليها.
نظر الجميع إلى أمينة.
بدت المرأة العجوز وكأنها لم تفهم ما سمعته.
إليّ أنا؟
نعم، إليكِ.
تقدم غيث خطوة نحو المحامي.
هذا كلام غير منطقي.
تجاهله حيدر.
ترك المرحوم جاسم وصية. حصلت أنت على البيت وبعض الحقوق البسيطة، لكن الأراضي بقيت محفوظة قانونيًا لصالح زوجته.
سأل غيث
ولماذا لم يخبرها أحد طوال هذه السنوات؟
لأن هناك شرطًا.
شحب وجه غيث.
نظر إليه حيدر مباشرة.
كان يجب أن تبقى الملكية محمية ما دامت الحاجة أمينة تعيش بصورة مستقلة. ولا يحق لأحد بيعها أو رهنها أو إجبارها على توقيع أي شيء من دون حصولها على استشارة قانونية مستقلة.
عقد أكبر المستثمرين ذراعيه أمام صدره.
غيث، أنت أخبرتنا أن الاتفاق على الأراضي قد انتهى تقريبًا.
وقد انتهى.
أطلق حيدر ضحكة قصيرة.
لا.
أخرج ملفًا آخر.
في الحقيقة، لا يمكنكم البدء ببناء متر واحد من المشروع من دون موافقة الحاجة أمينة.
انتقلت عينا غيث فورًا إلى أمه.
قبل ثوانٍ فقط، كان يعاملها وكأنها لا تعني له شيئًا.
أما الآن، فقد أصبح ينظر إليها بطريقة مختلفة.
وأمينة لاحظت ذلك.
وهذا آلمها أكثر.
اقترب غيث منها.
أمي...
رفعت أمينة يدها.
لا.
توقف غيث.
قالت
قبل دقيقة واحدة فقط كنت تناديني سيدتي.
بدأ أهل القرية يتهامسون.
وخفض أحد الشركاء رأسه محاولًا إخفاء شعوره بالحرج.

أخذ غيث نفسًا عميقًا.
لقد أخطأت.
راقبته أمينة.
في ماذا؟
كنت متوترًا.
في ماذا أخطأت؟
في...
نظر إلى شركائه.
ثم إلى المحامي.
في إنكار أنك أمي.
ضغطت أمينة شفتيها.
ولو لم تكن هذه الأراضي ملكي؟
لم يجب غيث.
هل كنت ستعتبر ما فعلته خطأ أيضًا؟
ساد الصمت.
هزت المرأة العجوز رأسها ببطء.
هذا ما ظننته.
اقترب حيدر منها.
حاجة أمينة، علينا أن نتحدث.
أنا لا أريد أن آخذ شيئًا من أحد.
الأمر لا يتعلق بأخذ شيء.
ابني عمل كثيرًا.
نظر حيدر إلى غيث بصرامة.
ابنك حاول تنفيذ مشروع باستخدام أراضٍ كان يعرف من يملكها فعلًا.
تجمدت أمينة في مكانها.
وتدخل غيث بسرعة
هذا كذب.
هل أنت متأكد؟
أخرج حيدر نسخة مطبوعة من رسالة إلكترونية.
قبل ثمانية أشهر، طلب فريقك معلومات تسجيل الملكية الخاصة بكل هذه المنطقة. وتسلّم مدير القسم القانوني في شركتك المستندات التي توضح وضع هذه الأراضي وحقوق ملكيتها.
أخذ أحد المستثمرين الورقة.
قرأها.
ثم رفع عينيه نحو غيث.
كنت تعرف؟
ليس تمامًا.
رفع الرجل الورقة.
هنا رسالة منك تقول فيها سأتولى شخصيًا حل موضوع مالكة الأرض.
أصبح وجه غيث أبيض.
نظرت إليه أمينة وكأنها تتعرف إلى ابنها من جديد.
كنت تعرف أنها أرضي؟
أمي، دعيني أشرح.
منذ متى؟
لم أكن أعرف كل التفاصيل.
منذ متى يا غيث؟
خفض صوته.
منذ بضعة أشهر.
شعرت أمينة وكأن الأرض تتحرك تحت قدميها مرة أخرى.
إذن لهذا عدت.
هز غيث رأسه.
لا.
عشر سنوات لم تأتِ فيها.
كنت مشغولًا.
عشر سنوات لم تجلس فيها لتتناول الطعام معي.
كنت أبني مستقبلي.
عشر سنوات لم تسألني فيها إن كنت أملك ثمن دوائي.
أغمض غيث عينيه.
أمي...
ثم عدت في اللحظة التي احتجت فيها إلى توقيعي.
لم يقل أحد شيئًا.
واستمر المطر في الهطول.
نظرت أمينة إلى يديها.
هاتان اليدان غسلتا ملابس الآخرين.
وأعدتا
الطعام لبيعه.

وجمعتا القناني.
وزرعتا الأرض.
وخاطتا الملابس.
كل
ذلك حتى ترسل المال إلى بغداد.
قالت
عندما نقصك مبلغ لإكمال تسجيلك في الفصل الدراسي الثالث، بعت البقرة المرقطة.
نظر غيث إلى الجهة الأخرى.
وعندما طلبت الجامعة منك جهاز حاسوب، رهنت البيت.
قال غيث
أنا لم أجبرك.
كانت تلك العبارة أشد عليها من سقوطها في الوحل.
رفعت أمينة عينيها إليه.
لا.
كان صوتها هادئًا.
لم تجبرني أبدًا.
اقتربت منه.
فعلت ذلك لأنك ابني.
ابتلع غيث ريقه.
وعندما بعت خاتمَي زواجي، لم تجبرني أيضًا.
أخرجت من جيبها المنديل الذي كانت قد احتفظت فيه بالخاتمين سنوات طويلة.
كانا آخر ما بقي لدي من والدك.
شد غيث فكه.
لم أكن أعرف أنك بعت الخاتمين.
لأنك لم تسأل يومًا من أين كان يأتي المال.
أطلق أحد المستثمرين زفيرًا طويلًا.
حاول غيث استعادة سيطرته على الموقف.
لا داعي لأن يتحول هذا إلى مشهد أمام الجميع.
نظر إليه حيدر.
أنت من حولته إلى مشهد عندما دفعت أمك فسقطت في الوحل.
كان حادثًا.
قالت إحدى الجارات
كلنا رأينا ما حدث.
وأضاف رجل آخر
أنت دفعتها.
نظر غيث حوله.
للمرة الأولى، بدا وكأنه أدرك أن أهل القرية جميعًا شاهدوا ما حدث.
وشركاؤه شاهدوه أيضًا.
مشروعه.
سمعته.
كل شيء يمكن أن ينهار.
عندها غير أسلوبه.
اقترب من أمينة.
أمي، لنذهب ونتحدث في مكان آخر.
أنا بخير هنا.
أستطيع أن أشرح لك.
اشرح.
أنا...
نظر غيث إلى الموجودين.
ثم قال
شعرت بالخجل.
وقعت الكلمة عليها بثقل.
لم ترمش أمينة.
مني؟
أغمض غيث عينيه.
نعم.
تصاعدت همهمات غاضبة بين بعض أهل القرية.
قال غيث
ظننت أن شركائي سيحكمون عليّ.
نظرت أمينة إلى عربتها الصدئة.
ثم إلى فستانها.
لأن لديك أمًا فقيرة؟
لم يكن الأمر هكذا.
إذن كيف كان؟
تأخر غيث قبل أن يجيب.
أردت أن يروا أمامهم
شخصًا ناجحًا.

ابتسمت أمينة بحزن.
وأنا كنت أفسد الصورة.
لم يستطع غيث الرد.
اقترب أحد المستثمرين.
سيد غيث، أنا نشأت وأنا أبيع الفاكهة مع أبي في السوق.
رفع غيث رأسه.
رامي...
قال رامي
وأمي كانت تنظف المكاتب.
وأشار إلى أمينة.
ولو ظهرت أمي الآن وهي تدفع عربة مثل هذه، لأجلستها بجانبي في أي اجتماع أدخله.
وتحدث شريك آخر
الفقر ليس عيبًا.
ثم نظر إلى غيث.
أما نكران الجميل فهو العيب.
خفض غيث عينيه.
وأخيرًا بدأت أمينة تبكي.
لكنها لم تكن تبكي بسبب الأراضي.
ولا بسبب المشروع.
كانت تبكي بسبب ذلك الطفل الذي كان ينام يومًا وهو يحتضن ذراعها عندما تشتد العواصف.
سألته
هل تعرف ما الشيء الذي انتظرته أكثر من أي شيء طوال هذه السنوات العشر؟
هز غيث رأسه.
أن تصل إلى باب البيت وتقول أمي، لقد عدت.
مسحت دموعها.
لا سيارات. ولا مال.
تم نسخ الرابط