أخو جوزي جه عاش معانا بقلم نور محمد
المحتويات
أرجع.
لكن بالنسبة لي، الموضوع ما بقاش متعلق بمحمد لوحده.
المشكلة الحقيقية كانت أكبر بكتير.
المشكلة كانت في اللحظة اللي حسيت فيها إن حقي ممكن يبقى محل نقاش، وإن تعبي وفلوسي وحاجتي الخاصة ممكن حد يتصرف فيها، وبعدها يطلبوا مني أعدّي الموضوع علشان إحنا أهل.
كنت كل ما أقرأ رسالة من جوزي، أفتكر المواقف اللي سكت فيها. أفتكر كل مرة كنت مستنية منه كلمة واضحة تحط حد للموضوع، لكنه كان يختار الحل الأسهل إني أنا اللي أتنازل.
وفي الآخر، كان ردي واحد، لا اتغير ولا احتاج شرح طويل
اللي بيفرط في كرامة مراته عشان يرضي طمع أهله، ملوش مكان في حياتها.. والبيت اللي متبنيش على التقدير، يتهد أحسن.
بعد الرسالة دي، قفلت باب الكلام.
مش لأن القرار كان سهل.
بالعكس.
في أيام كتير كنت بصحى وأسأل نفسي هل كنت ممكن أدي فرصة تانية؟ هل كان ممكن الأمور تتصلح؟ هل كان المفروض أستنى شوية؟
لكن كل مرة كنت برجع لنفس السؤال
لو رجعت من غير ما يكون فيه تغيير حقيقي، إيه اللي يمنع إن نفس الحكاية تتكرر بعد شهر أو سنة؟
المرة دي كانت العربية.
المرة الجاية ممكن تبقى فلوسي.
وبعدها ممكن يبقى قراري.
وبعدها يمكن ألاقي نفسي فقدت حقي في إني أقول دي حاجتي وأنا صاحبة القرار فيها.
وساعتها فهمت حاجة مهمة جدًا أوقات كتير المشكلة مش في قيمة الحاجة اللي الناس اختلفت
العربية كانت مجرد بداية كشفت لي حاجات كتير كنت بتغاضى عنها.
الشهور اللي بعد القرار
مرت الأيام ببطء في البداية.
أول شهر كان أصعبهم.
كنت بحاول أرجع لحياتي الطبيعية، وأركز في شغلي، وأبعد نفسي عن كلام الناس والأسئلة اللي ملهاش آخر.
ليه وصلتم لكده؟
مش كان ممكن تتفاهموا؟
هو اعتذر، ليه مقبلتيش؟
يمكن أخوه هو السبب وهو ملوش ذنب.
كل واحد كان شايف جزء صغير من الحكاية، لكن محدش عاش التفاصيل مكاني.
وعلشان كده بطلت أبرر.
كنت بقول جملة واحدة
أنا خدت القرار اللي شايفاه مناسب لراحتي وكرامتي.
وخلاص.
مع الوقت، بدأت نورا تستعيد حياتها واحدة واحدة.
رجعت تركز في شغلها أكتر من الأول، وبقت تصحى الصبح وهي عارفة إن اليوم ملكها، وإن قراراتها مش محتاجة موافقة من حد.
العربية اللي كانت سبب المشكلة بقت بالنسبة لها رمز لحاجة مختلفة تمامًا.
بقت وسيلة تروح بيها شغلها، وتقضي طلباتها، وتخرج أمها، وتوصلها للدكتور أو السوق، وأحيانًا ياخدوا بعض ويروحوا يشربوا حاجة في مكان هادي بعيد عن ضغط الأيام.
وكانت أمها كل ما تركب جنبها تبصلها وتقول
ربنا يعوضك براحة البال.
وكانت نورا تبتسم.
لأنها اكتشفت إن راحة البال فعلًا مش حاجة صغيرة.
ممكن الإنسان يبقى عنده بيت كبير وأثاث جديد وعربية وفلوس، ومع ذلك يرجع آخر اليوم
وممكن يعيش حياة أبسط، لكنه عارف إن محدش بيقرر مكانه ولا بيتعامل مع حقه كأنه شيء متاح للجميع.
أما محمد...
محمد فضل زي ما هو تقريبًا.
لسه بيدور على شغل.
كل أسبوع عنده خطة جديدة.
مرة هيشتغل مع واحد صاحبه.
ومرة هيبدأ مشروع.
ومرة مستني وظيفة حد وعده بيها.
ومرة يقول إن الدنيا واقفة معاه وإن محدش مقدّر ظروفه.
لكن الشيء الوحيد اللي اتغير إنه بقى شايل جوزي مسؤولية اللي حصل.
كان يقول له
أنا دخلت القسم بسببك.
وكأن كل القرارات اللي أخدها قبلها ملهاش علاقة بالنتيجة.
وبدل ما المشكلة تقرب الأخوين من بعض، بدأت الخلافات تزيد بينهم.
كل واحد بقى شايف إن التاني السبب.
محمد شايف إن أخوه كان المفروض يقف معاه أكتر.
وجوزي بدأ يفهم، متأخر جدًا، إن كل مرة كان بيحاول يحل مشاكل أخوه على حساب بيته، كان في الحقيقة بيأجل المشكلة مش أكتر.
لحد ما المشاكل كلها اتجمعت مرة واحدة.
والشقة؟
الشقة اللي نورا كانت بتساهم في مصاريفها بقت حمل كبير على جوزها.
الإيجار أو الأقساط، الفواتير، المصاريف اليومية، والالتزامات اللي كانت نورا بتشيل جزء كبير منها... كلها ظهرت فجأة قدامه.
لأول مرة عرف قيمة الحاجات اللي كانت بتعملها من غير ما تتكلم عنها.
المبلغ اللي كانت بتحطه كل شهر.
المشتريات اللي كانت تجيبها وهي راجعة من الشغل.
الفواتير اللي كانت تدفعها.
الحاجات الصغيرة اللي محدش بياخد باله منها غير لما تختفي.
ونورا؟
مبقتش تدفع مليم.
مش انتقامًا.
لكن ببساطة لأنها مبقتش مسؤولة عن بيت قررت تخرج منه.
وبمرور الوقت، بدأ جوزها يغرق أكتر في التزاماته، خصوصًا إنه كان في نفس الوقت بيحاول يساعد أخوه.
وساعتها بدأ يستوعب إن الإنسان ممكن يخسر حاجة كبيرة جدًا وهو فاكر إنه بيحل مشكلة صغيرة.
لكن الفهم المتأخر مش دايمًا بيرجع الأمور زي الأول.
بعض الأبواب لما بتتقفل، مش بتتقفل بسبب موقف واحد، لكنها بتتقفل بسبب مواقف كتير اتجمعت لحد ما مفيش مساحة لبداية جديدة.
الدروس المستفادة
ونورا، بعد شهور من اللي حصل، كانت كل ما تفتكر القصة تقول لنفسها إنها اتعلمت منها أكتر من درس.
وأول درس كان
السكوت مش دايمًا صبر.
إحنا اتربينا إن الصبر فضيلة، وده صحيح، لكن فيه فرق كبير بين إنك تصبر على ظروف الحياة، وبين إنك تسكت عن تعدّي الناس على حدودك.
لأن السكوت أحيانًا بيتفهم غلط.
أنت ممكن تسكت علشان متكبرش المشكلة، والطرف التاني يفتكر إنك موافق.
تسكت مرة علشان العِشرة.
ومرة علشان العيلة.
ومرة علشان خلي المركب تمشي.
وفجأة تكتشف إن الحاجة اللي كانت استثناء بقت قاعدة.
وإن الناس اتعودت إنك في النهاية هتتنازل.
علشان كده، وضع الحدود مش معناه إن الإنسان قاسي.
أحيانًا كلمة
والدرس التاني
متابعة القراءة