ظننت أن الكلب اختارني صدفة... حتى كشف لي صاحبه سرًا أخفاه سنوات

لمحة نيوز

والله ما توقعت يعيش عندكم يومين.
انحنى بيكاس خلف ساقي وكأنه فهم أنها تتحدث عنه.
ضحكنا جميعًا.
لكن دانتي لم يضحك بطريقته المعتادة.
ظل يشم الأرض، ويتحرك ببطء نحو الممر الخلفي.
قالت أم زينب
غريب... دانتي دائمًا يروح لنفس المكان.
سألها ألونسو
أي مكان؟
أشارت إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر.
غرفة الملفات القديمة.
تغير وجه ألونسو.
ملفات شنو؟
قالت
ملفات الحيوانات اللي دخلت الملجأ قبل سنوات. بعضها قديم جدًا. كنا نرتبها الأسبوع الماضي، ودانتي ظل واقف هناك وما قبل يتحرك.
شعرت أن شيئًا غير عادي بدأ يحدث.
تبعنا دانتي إلى الغرفة.
كانت غرفة ضيقة، فيها رفوف معدنية وعلب كرتون وأوراق قديمة.
دخل دانتي مباشرة إلى زاوية محددة.
وقف أمام صندوق بني اللون.
ثم جلس.
لم يلمسه.
لم يخربشه.
فقط جلس أمامه ونظر إلى ألونسو.
قالت أم زينب
هذا الصندوق من أرشيف قديم. يمكن من أيام قبل ما أشتغل هنا.
اقترب ألونسو ببطء.
فتح الصندوق.
كانت داخله ملفات صفراء، صور، أوراق تبنّي قديمة، وبعض الأساور البلاستيكية التي كانت توضع على أقفاص الحيوانات.
بدأ يقلب الأوراق دون اهتمام واضح، لكن يده توقفت فجأة عند ملف صغير.
كان الملف يحمل اسمًا مكتوبًا بخط يدوي
جراء شارع الرشيد تم الإنقاذ بواسطة متطوع شاب.
لم يكن في الاسم شيء غريب.
لكن الصورة المرفقة جعلت ألونسو يتراجع خطوة إلى الخلف.
مددت يدي بسرعة خوفًا أن يقع.
قلت
ألونسو، شنو صار؟
لم يتكلم.
كان يحدق في الصورة.
نظرت إليها.
كانت صورة قديمة لمجموعة جراء صغيرة داخل صندوق خشبي.
وبجانب الصندوق، ظهرت يد شاب تمسك بوعاء ماء.
لم يظهر وجه الشاب.
لكن على معصمه كان هناك سوار قماشي أسود، مكتوب عليه بخيط أبيض
سامر.
شهق ألونسو كأن الهواء خرج من صدره دفعة واحدة.
أم زينب وضعت يدها على فمها.
أما دانتي، فاقترب
من ألونسو ووضع رأسه على قدمه.
قال ألونسو بصوت لا يكاد يسمع
هذا سوار ابني.
ساد صمت ثقيل.
حتى أصوات الكلاب خارج الغرفة بدت بعيدة فجأة.
أخذ ألونسو الملف بيدين مرتجفتين.
فتح الصفحة التالية.
كان هناك تقرير بسيط مكتوب قبل سنوات.
شاب في بداية العشرينات أحضر خمسة جراء عثر عليهم قرب شارع الرشيد بعد ليلة مطر شديدة. رفض ذكر اسمه كاملًا، وقال فقط إن اسمه سامر، وطلب الاعتناء بهم حتى يجدوا بيتًا آمنًا.
قرأ ألونسو الكلمات مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم جلس على أقرب كرسي كأن قدميه لم تعودا تحملانه.
قال
سامر كان هنا.
لم تكن الجملة سؤالًا.
كانت صدمة.
كان ابنه قد دخل هذا المكان.
المكان نفسه الذي دخل منه دانتي إلى حياة ألونسو لاحقًا.
المكان نفسه الذي أخذتُ منه بيكاس.
المكان نفسه الذي كان دانتي يشدنا إليه كأنه يعرف أن وراء الباب قطعة ناقصة من الحقيقة.
قالت أم زينب وهي تبحث في الأوراق
انتظروا... أكو صفحة ثانية.
أخرجت ورقة صغيرة مطوية داخل الملف.
كانت مختلفة عن بقية الأوراق.
ليست تقريرًا رسميًا.
ولا استمارة.
كانت رسالة قصيرة مكتوبة بخط شاب.
مدتها لألونسو.
لكنه لم يستطع فتحها.
ناولني إياها بصمت.
فهمت من نظراته أنه يريدني أن أقرأها.
فتحت الورقة بحذر.
كان الخط واضحًا، لكنه متعب قليلًا.
قرأت بصوت منخفض
إلى من يجد هذه الجراء...
لا أعرف إن كنت سأستطيع العودة للاطمئنان عليها، لكن أرجوكم لا تتركوها وحدها. هي لا ذنب لها في قسوة الشارع.
أحيانًا أظن أن الحيوانات أوفى منا نحن البشر، لأنها لا تسأل كثيرًا، ولا تحرجك بكلام، لكنها تبقى قربك حين تشعر أن العالم كله ابتعد.
إذا جاء أبي يومًا إلى هنا، أخبروه أنني لم أكن غاضبًا منه.
كنت فقط متعبًا، ولم أعرف كيف أشرح له.
أخبروه أنه كان يحبني بطريقته، حتى لو لم يفهم وجعي.
وأخبروه أنني
سامحته قبل أن يطلب السماح.
لم أستطع إكمال القراءة بسهولة.
الصوت انكسر في حلقي.
أما ألونسو، فقد غطى وجهه بيديه.
لم يبكِ بصوت عالٍ.
لكنه بكى بطريقة تجعل القلب يتعب وهو يراه.
دانتي بقي ملاصقًا له.
وبيكاس جلس قرب قدميّ ساكنًا، لأول مرة منذ عرفته.
أعاد ألونسو الورقة إلى صدره كأنها ليست ورقة، بل آخر مرة يستطيع فيها أن يعانق ابنه.
قال وهو يهمس
سامحني... سامحني يا ابني.
لم يقل أحد شيئًا.
لأن بعض اللحظات لا تحتاج إلى مواساة.
أي كلمة فيها تكون صغيرة جدًا.
بعد دقائق طويلة، قالت أم زينب
أبو سامر... أكو شيء لازم تعرفه.
رفع رأسه ببطء.
قالت وهي تنظر إلى الملف
الجراء الخمسة اللي جابهم سامر... أربعة منهم تبنتهم عوائل. لكن الخامس بقي فترة طويلة، لأنه كان مريضًا وخايفًا من الناس.
توقف قلبي لسبب لم أفهمه.
قال ألونسو
الخامس؟
نظرت أم زينب إلى دانتي.
ثم قالت
دانتي مو من نفس الجراء، هو أكبر بالعمر. لكن حسب الورق... الجرو الخامس بقي هنا سنوات، وبعدها اختفى ملفه بسبب نقل الأرشيف. ما نعرف وين راح.
ثم قلبت الأوراق بسرعة.
اسمه كان...
سكتت.
رفعت عينيها نحوي.
لم أفهم لماذا نظرت إليّ أنا.
قالت بصوت مدهوش
اسمه في الملف... بيكاس.
نظرت إلى الجرو الصغير عند قدمي.
بيكاس؟
لكن بيكاس كان صغيرًا.
أصغر من أن يكون من تلك الجراء القديمة.
قالت أم زينب بسرعة، وكأنها فهمت ارتباكي
لا، لا... مو نفس الكلب. الاسم كان مكتوب على أول جرو. واللي عندك أنت سميناه بيكاس لأن العلامات على وجهه تشبهه. يمكن صدفة.
لكن ألونسو لم يبدُ مقتنعًا بأنها صدفة.
ولا أنا.
ليس لأننا نؤمن بالخرافات.
بل لأن بعض الصدف تأتي مرتبة بطريقة تجعل القلب يتوقف أمامها.
دانتي وجدني في القطار.
ثم قادنا إلى الحديقة.
ثم إلى الملجأ.
ثم إلى صندوق قديم.
ثم إلى رسالة سامر.
والآن
يظهر اسم بيكاس، الاسم نفسه الذي يحمله الجرو الذي أنقذته أنا.
قال ألونسو
سامر كان يترك إشاراته في أماكن كثيرة... وأنا كنت أعمى عنها.
وضعت يدي على كتفه.
لم أعرف ماذا أقول.
لكنه نظر إليّ هذه المرة وقال
يمكن لذلك دانتي جاء إليك تلك الليلة.
قلت
تقصد شنو؟
قال
لا أعرف. لكن يمكن لأنه شعر فيك بالوجع نفسه الذي لم أفهمه في سامر. ويمكن الله أرسل لي فرصة ثانية... مو حتى أرجع ابني، بل حتى ما أترك ابنًا آخر يسقط في الصمت.
لم أستطع منع دموعي.
ليس لأنها دموع حزن فقط.
بل لأنها كانت دموع فهم.
لأول مرة شعرت أنني لم أكن مجرد شخص صادف رجلًا وكلبًا في قطار.
كنت جزءًا من سلسلة طويلة من الرحمة.
بدأت بشاب اسمه سامر أنقذ جراء من شارع مبلل بالمطر.
ثم بكلب اسمه دانتي أنقذ رجلًا من وحدته.
ثم برجل اسمه ألونسو مد يده لشاب غريب في قطار.
ثم بجرو صغير اسمه بيكاس أعادنا جميعًا إلى بداية الحكاية.
في طريق عودتنا، لم يتكلم ألونسو كثيرًا.
كان يحمل رسالة سامر داخل جيبه الداخلي، قريبًا من قلبه.
أما دانتي، فكان يمشي ببطء كأنه أدى مهمة انتظرها سنوات.
وعند باب البيت، توقف ألونسو فجأة.
قال
أريد أريك شيئًا.
دخلنا إلى بيته.
كان بيتًا قديمًا في حي هادئ من أحياء بغداد.
الأثاث بسيط.
الصور قليلة.
والصمت فيه واضح، لكنه لم يعد مخيفًا كما كان في أول مرة زرته فيها.
قادني إلى غرفة صغيرة في آخر الممر.
فتح الباب.
كانت الغرفة مرتبة بعناية، لكنها تحمل رائحة زمن لم يلمسه أحد منذ سنوات.
سرير مفرد.
مكتب خشبي.
رف كتب.
وكرة قدم قديمة في الزاوية.
قال
غرفة سامر.
دخلت بحذر، كأنني أدخل مكانًا مقدسًا.
على الجدار كانت هناك صور كثيرة.
سامر في المدرسة.
سامر مع أصدقائه.
سامر يحمل قطة صغيرة.
سامر يضحك وهو يطعم كلبًا في الشارع.
لكن صورة واحدة شدتني.
كانت صورة
لسامر في محطة قطار.
نفس المحطة التي نزلنا منها أنا وألونسو تلك الليلة.
خلفه، يظهر بوضوح كشك صغير.
كشك الشاي نفسه.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قلت
هذا الكشك...
قال ألونسو
نعم. كان سامر
تم نسخ الرابط