نزعتُ الأصفاد عن متهم عجوز... فاعترف لي بسرّ أخفاه عن والدي 55 عامًا!
نطق العجوز ذلك الاسم، فشعرت أن قلبي توقف لحظة.
كنت أعرفه.
ليس من الصورة.
بل من أمي.
من أيام طفولتي، حين كانت في بعض الليالي تقول كأنها لا تخاطب أحدًا
الأشقر... مسكين الأشقر.
لم تشرح لي يومًا من يكون.
كنت أظنه رفيقًا قديمًا مات، واحدًا آخر من الذين ابتلعتهم الحرب.
وهناك، في قلب المحكمة، كان ذلك العجوز المتهم يخبرني أن الدواء الذي سرقه من الصيدلية كان من أجل الأشقر.
الأشقر.
الشاب الواقف بجانب أبي في الصورة.
كان القاضي ما يزال ينتظر.
قال
أيتها الموظفة... هل لديكِ ما تقولينه؟
كان فمي مفتوحًا، لكن صوتي لم يخرج.
وفي تلك اللحظة فعل العجوز شيئًا لم أتوقعه.
ضغط على يدي، تلك التي كنت ما أزال أمسكه بها فوق الحاجز الحديدي، وقال بصوت منخفض وسريع، كمن يحاول أن يغطي قدرًا قبل أن يفور
لا يا بنتي... لا تقولي شيئًا. اتركي الأمر كما هو. ليحكموا عليّ وانتهى.
نظرت إليه دون أن أفهم.
رجل كان على وشك أن يدخل السجن، يتوسل إليّ ألا أساعده.
سألته
لماذا؟
فنظر إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع، وقال جملة احتجت وقتًا طويلًا لأفهمها
لأنني إذا تكلمت، أبوك لن يبقى كما تعتقدين أنه كان.
لم يكن القاضي غبيًا.
رأى أن ما يحدث أمامه أكبر بكثير من سرقة دواء.
طلب استراحة لمدة خمس عشرة دقيقة، وأرسلني أنا والعجوز إلى غرفة
وما إن أُغلق الباب حتى ألقيت عليه كل الأسئلة دفعة واحدة.
من هو الأشقر؟
ولماذا الدواء؟
ولماذا يعرفني؟
جلس العجوز ببطء، كأن خمسة وخمسين عامًا هبطت فوق كتفيه في لحظة واحدة.
قال
الأشقر كان معنا في ذلك المرتفع. كان عمره تسعة عشر عامًا. أصغر واحد بيننا نحن الأربعة. أبوك كان يهتم به مثل أخيه الصغير.
تنفس بصعوبة.
ثم قال
الأشقر لم يمت يا بنتي. خرج من هناك. لكنه خرج... نصف إنسان.
شرح لي.
الأشقر قضى أربعين سنة على كرسي متحرك.
لا يمشي.
وعقله يتعب شيئًا فشيئًا.
بلا زوجة.
بلا أولاد.
وبلا راتب يكفيه.
وكان هناك رجل واحد فقط يأخذ له الدواء، يبدل له ملابسه، يمسح لعابه حين لم يعد قادرًا حتى على الكلام.
ذلك الرجل كان العجوز الجالس أمامي.
قال، دون فخر، بل كأنه يشعر بالخجل
خمسون سنة يا بنتي. ليس لأنني طيب. بل لأنني مدين.
وهنا فهمت أول شيء جعلني أخجل من نفسي.
هذا الرجل الذي كانت رائحته تشبه الشارع، والذي كانوا سيحكمون عليه كسارق، كان منذ نصف قرن الشيء الوحيد الذي يبقي الأشقر حيًا.
سرق الدواء لأن الأشقر لم يعد يملك ثمن الدواء.
شعرت بشيء غريب.
راحة.
راحة لأن المجرم لم يكن مجرمًا فعلًا، بل رجلًا يشبه القديسين.
وكأن هذا كان سيصلح شيئًا داخلي.
لكن العجوز قطع
قال
لا تنظري إليّ هكذا. أنا لست جيدًا. أنا واحد من الذين جعلوا الأشقر على ذلك الكرسي.
سألته
كيف يعني أنت؟
قال
في ذلك الصباح، فوق المرتفع، تحرك أحدنا قبل الوقت. أحدث صوتًا في المكان الخطأ. والرشاش أمسك بنا نحن الأربعة.
نظر إلى يديه.
ثم أكمل
منذ خمسة وخمسين عامًا وأنا أدفع للأشقر ثمن ذلك الصوت.
لم يقل من الذي أحدث الصوت.
ليس بعد.
لكنه ترك داخلي شوكة مؤلمة.
الأشقر لم يصبح هكذا بسبب الحرب فقط.
بل بسبب واحد منهم.
واحد من الأربعة الذين يضحكون في صورتي.
طلبت منه أن يتوقف قليلًا.
ليس من أجله.
بل من أجلي.
أخرجت هاتفي، وبحثت عن الصورة التي التقطتها قبل سنوات لصورة غرفة الجلوس، تلك التي تمسح أمي غبارها كل يوم جمعة.
أربعة شباب متعانقون، يضحكون، قبل الرحيل.
طوال حياتي كنت أرى تلك الصورة كأنها مقام مقدس.
أربعة أبطال.
أبي في أقصى اليمين، الأطول بينهم.
وضعت الهاتف أمام العجوز.
قلت
قل لي من هو كل واحد منهم.
مرر العجوز إصبعه المرتجف على الشاشة.
قال
هذا هو الأشقر... الواقف بجانب أبيك، القصير الذي يضحك بكل أسنانه. وهذا، في الطرف الآخر، اسمه لؤي. لؤي بقي في ذلك المرتفع. حتى جسده لم نستطع إنزاله كاملًا.
اسم آخر لقبر لم أكن أعرفه.
ثم قال، وتوقف عند شاب نحيف وجاد، الوحيد الذي لا يضحك
وهذا... أنا.
بقيت أنظر إلى ذلك الشاب الجاد.
كم مرة وأنا طفلة كنت أغطي الصورة بإصبعي وألعب لعبة تخمين من كان الأشجع بينهم.
لم أختر الجاد يومًا.
كان لا يعجبني دون أن أعرف السبب.
والجاد كان الوحيد الذي بقي حيًا.
الوحيد الذي حمل الجميع على ظهره.
وهنا يأتي الشيء الذي لم أخبر به أحدًا، ولا حتى زوجي.
بينما كان العجوز يتكلم، لم أكن حزينة.
كنت... متحمسة.
لأول مرة منذ ثمانية وأربعين عامًا، كان هناك شخص يعطيني أبًا من لحم ودم، لا تمثالًا من برونز.
وكان هناك جزء قبيح داخلي لا يريد منه أن يصمت.
لم يكن يهمني الأشقر على كرسيه.
ولا لؤي في قبره.
كنت أريد المزيد عن أبي أنا.
أريده لي.
ابنة قضت عمرها كله تدعو أمام صورة، ثم تكتشف أن أكثر ما تريده ليس أن يرتاح أبوها بسلام.
بل أن تحصل عليه.
حتى لو كان مكسورًا.
تذكرت وشم العجوز.
3187 الباهت على ذراعه، مثل الشعار نفسه الذي تحتفظ به أمي داخل برواز تحت صورة أبي.
الشعار نفسه في مكانين.
على جدار، تحوّل إلى مقام.
وعلى ذراع، تحوّل إلى عقوبة.
الرقم نفسه.
عائلة تدعو له.
ورجل يحمله كحمل ثقيل.
أمي منذ ثمانية وأربعين عامًا تمسح زجاج ذلك البرواز كل يوم جمعة.
أبوك كان بطلًا يا بنتي... استشهد وهو ينقذ رفاقه.
كبرت وأنا واقفة فوق هذه الجملة.
صرت موظفة أمن
ولأول مرة خطرت في رأسي فكرة مخيفة
ماذا لو كانت أمي تحتاج هذه الجملة أكثر من حاجتها إلى الحقيقة؟
وماذا