سافرت إلى كوريا لأرى ابنتي بعد 12 عامًا من الغياب... وما وجدته داخل منزلها صدمني!
خرج صوتي مكسورًا في أرجاء الغرفة وكأن المنزل نفسه يرفض أن يعيد إليّ الصدى.
تقدمت خطوة.
ثم أخرى.
وكنت أشعر أن كل صرير يصدر من الأرضية أعلى من اللازم وسط ذلك الصمت المقلق.
زهراء... هل أنتِ هنا يا ابنتي؟
لا شيء.
بدأ قلبي يخفق بقوة.
ليس من شدة الشوق.
بل بسبب شعور مظلم أخذ يكبر داخلي شيئًا فشيئًا، كظل يتمدد مع اقتراب الغروب.
أغلقت الباب خلفي بحذر.
وكأنني أخشى أن أوقظ أحدًا...
أو شيئًا ما.
كانت الصالة شديدة الترتيب.
أقرب إلى متحف منها إلى منزل.
وفوق طاولة زجاجية موضوعة بعناية في المنتصف، رأيت مزهرية تحتوي على ورود.
اقتربت منها ببطء.
ولمّا لمستها تأكدت مما كنت أشك فيه.
كانت صناعية.
حتى الورود لم تكن حقيقية.
همست لنفسي
من يعيش بهذه الطريقة...؟
وأكملت طريقي.
في الجهة اليمنى وجدت مطبخًا عصريًا لامعًا، وكأنه خارج لتوّه من مجلة للديكور.
فتحت الثلاجة.
فارغة.
لا زجاجة ماء.
لا فاكهة.
لا شيء على الإطلاق.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
صعدت الدرج بصعوبة، مستندة إلى الدرابزين.
كان كل درج أجتازه خليطًا من الأمل والخوف.
ربما كانت
ربما ستدخل بعد قليل وتفاجئني.
ربما ستعانقني.
وربما يكون كل ما أراه الآن مجرد سوء فهم.
لكن عندما وصلت إلى الطابق الثاني...
فهمت أن الأمر ليس كذلك.
كانت هناك ثلاث غرف.
فتحت الأولى.
فارغة.
لا أثاث.
لا ستائر.
لا شيء سوى جدران بيضاء.
فتحت الثانية.
كانت مثلها تمامًا.
أما الثالثة...
فهناك تغيّر كل شيء.
كانت الغرفة الوحيدة التي تحمل أثرًا للحياة.
سرير.
وطاولة صغيرة.
وفوق الطاولة حاسوب محمول يعمل.
اقتربت ببطء.
وكأنني أخشى أن يختفي كل ما أراه إذا اقتربت أكثر.
كانت الشاشة تعرض ملفًا مفتوحًا.
وتوقف قلبي لحظة عندما أدركت أن النص مكتوب باللغة العربية.
ارتجفت يداي وأنا أجلس على الكرسي.
ثم بدأت أقرأ.
أمي...
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنكِ قررتِ أخيرًا أن تأتي.
كنت أعلم ذلك.
وكنت أعرف دائمًا أن هذا اليوم سيأتي.
امتلأت عيناي بالدموع قبل أن أكمل القراءة.
وكان من الصعب عليّ أن أثبت يدي فوق لوحة المفاتيح.
سامحيني.
ليس لأنني لم أحبكِ.
فأنا لم أتوقف عن حبكِ يومًا واحدًا.
ولا حتى دقيقة واحدة.
لكن كان
الحقيقة أن الحياة التي يعتقد الجميع أنني أعيشها...
غير موجودة أصلًا.
شعرت بأن الهواء أصبح أثقل.
وأخذ التنفس يصبح أصعب.
مين جون ليس الرجل الذي يبدو عليه.
عندما تعرفت إليه ظننته رجل أعمال ناجحًا.
أنيقًا.
واثقًا من نفسه.
ووعدني بمستقبل رائع.
وأنا، بسبب صغر سني وسذاجتي، صدقت كل ما قاله.
لكن بعد الزواج اكتشفت الحقيقة.
لم يكن رجل أعمال عاديًا.
كان متورطًا في أمور...
خطيرة.
خطيرة جدًا.
سرت رجفة في كامل جسدي.
لا أستطيع كتابة التفاصيل.
فهذا أكثر أمانًا.
لكن أريدك أن تفهمي شيئًا يا أمي
أنا لم أبقَ هنا لأنني أردت ذلك.
بقيت لأنني لم أستطع المغادرة.
في البداية حاولت الهرب.
وحاولت العودة إليكِ.
لكنه كان يعرف كل شيء.
كل خطوة.
كل اتصال.
كل محاولة.
كان دائمًا يسبقني بخطوة.
ثم قال لي يومًا عبارة لن أنساها ما حييت
يمكنكِ الرحيل...
لكن أمكِ ستدفع الثمن.
في تلك اللحظة فهمت أنني أصبحت سجينة.
لا... مستحيل...
همست بذلك وأنا أضع يدي على فمي.
بينما كانت دموعي تنهمر بلا توقف.
المال الذي أرسله لكِ كل عام ليس هدية.
إنه طريقتي لحمايتكِ.
طالما يعتقد أنني مطيعة.
وأنني أقوم بما يُطلب مني.
فأنتِ بأمان.
لكن إذا شكّ في أنني أحاول الهرب...
أو أنني أخبرتكِ بالحقيقة...
فلا أريد حتى أن أتخيل ما الذي يمكن أن يحدث.
كنت أشعر أن قلبي يتحطم مع كل سطر أقرؤه.
لهذا لم أعد.
ولهذا كنت أقول دائمًا إنني بخير.
لأنكِ ما دمتِ تصدقين ذلك...
فأنتِ محمية.
وأنا...
أستطيع الاستمرار في الصمود.
أغمضت عيني.
وعجزت عن متابعة القراءة للحظات.
كل ما ظننته.
كل ما تخيلته.
كان كذبًا.
ابنتي لم تتخلَّ عني.
ابنتي كانت تحميني.
إذا وصلتِ إلى هنا، فهذا يعني أن شيئًا في داخلكِ كان يشك منذ زمن.
أنتِ أقوى مما تظنين يا أمي.
لكن الآن، بما أنكِ هنا، يجب أن أخبركِ بشيء مهم.
لا تبحثي عني.
ولا تحاولي إيجادي.
أنا لم أعد أعيش في هذا المنزل.
في الحقيقة...
أنا لم أعش هنا يومًا بشكل حقيقي.
فتحت عيني فجأة.
ماذا يعني هذا؟
هذا المنزل مجرد واجهة.
مكان يحافظ عليه ليبدو كل شيء طبيعيًا أمام الآخرين.
أما أنا فأتنقل باستمرار.
ليس لدي منزل ثابت.
ولا حياة خاصة بي.
أنا فقط...
أوجد
تحول الألم إلى شيء أعمق.
وأشد ظلمة.
لكن هناك أمر أحتاج منكِ أن تفعليه من أجلي.
أرجوكِ يا أمي.
عودي إلى العراق.
ولا تخبري أحدًا بما رأيتِه.
ولا تحاولي التواصل معي.
وفوق كل شيء...
لا تعودي إلى هنا مرة أخرى.
إذا اكتشف أنكِ أتيتِ دون علمه، فقد يبدأ بالشك.
وإذا شك...
توقفت الجملة هناك.
لكنها لم تكن بحاجة إلى إكمال.
أحبكِ.
وسأظل أحبكِ دائمًا.
وفي كل عيد ومناسبة، عندما كنتِ تضعين طبقًا إضافيًا على المائدة...
كنت أعرف ذلك.
لأنني، رغم