ظننت أن الكلب اختارني صدفة... حتى كشف لي صاحبه سرًا أخفاه سنوات

لمحة نيوز

في ذلك الصباح، كنت أمشي في الحديقة وأنا أراقب دانتي وهو يركض أمامنا كأنه يعرف الطريق أكثر منا.
كان ألونسو يسير إلى جانبي بصمت.
أما بيكاس، ذلك الجرو الصغير الأشعث، فكان يلتصق بقدمي كأنه يخاف أن يضيع مني لو سبقني بخطوة واحدة.
لم يكن الجو يشبه ذلك الليل أبدًا.
لا مطر.
لا قطار.
لا عربة شبه فارغة.
ولا ذلك البرد الثقيل الذي كان يسكن صدري.
لكن شيئًا واحدًا بقي كما هو.
نظرة دانتي.
كانت النظرة نفسها التي رأيتها أول مرة في القطار.
نظرة كلب لا يرى وجهك فقط، بل يرى ما تحاول إخفاءه خلف وجهك.
توقف دانتي فجأة قرب شجرة سدر قديمة في طرف الحديقة.
لم ينبح.
لم يركض.
فقط وقف مكانه، وأنزل رأسه قليلًا، ثم نظر إلى ألونسو.
رأيت وجه ألونسو يتغير.
تلك الملامح الصارمة التي اعتدت عليها ارتخت فجأة، وكأن ذكرى قديمة مرت أمامه دون استئذان.
قلت له بهدوء
شنو بيه دانتي؟
لم يجب مباشرة.
ظل ينظر إلى الشجرة، ثم قال بصوت منخفض
هنا كان ابني يحب يجلس.
توقفتُ.
لم أكن أعرف أن الحديقة نفسها تحمل جزءًا من حكايته.
كنت أظن أن قصة ابنه انتهت عند تلك المحطة، عند ذلك المكان القديم الذي حدثني عنه في القطار، لكنني اكتشفت لاحقًا أن بعض القصص لا تنتهي في مكان واحد.
بعض القصص تترك آثارها في كل شارع.
في كل مقعد.
في كل كوب شاي.
وفي كل كلب يعرف صاحبه أكثر مما يعرف الناس بعضهم.
جلس ألونسو على المقعد القريب من الشجرة، ومسح بيده على رأس دانتي.
قال
اسمه كان سامر.
كانت هذه أول مرة ينطق فيها اسم ابنه أمامي.
منذ ستة أشهر، كان يقول دائمًا ابني.
لم يقل اسمه.
ولا مرة.
كأن الاسم نفسه كان بابًا مغلقًا، يخاف إن فتحه أن يدخل منه الماضي كله.
اقترب بيكاس من دانتي، وجلس بجانبه بهدوء غريب.
وكأن الجرو الصغير فهم

أن هذه اللحظة لا تحتمل اللعب.
جلست قرب ألونسو.
لم أسأله شيئًا.
تعلمت منه أن بعض الناس لا يحتاجون إلى الأسئلة بقدر ما يحتاجون إلى وجود صامت بجانبهم.
بعد دقائق، أخرج من جيب معطفه صورة قديمة.
كانت الصورة مطوية من أطرافها، باهتة قليلًا، لكنها محفوظة بعناية.
مدها لي.
نظرت إليها.
شاب في أوائل العشرينات، يبتسم ابتسامة واسعة، يقف بجانب ألونسو أمام بيت عراقي بسيط بباب حديد أزرق.
كان الشاب يشبهه كثيرًا.
نفس العينين.
نفس طريقة الوقوف.
لكن وجهه كان ألين.
كأنه يحمل في داخله نورًا لم تطفئه الحياة بعد.
قال ألونسو
هذا سامر.
بقيت أنظر إلى الصورة دون أن أعرف ماذا أقول.
ثم قال
كان يحب الحيوانات. أكثر مني. يمكن أكثر من الناس كلهم.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها انكسرت قبل أن تكتمل.
كان يقول لي دائمًا بابا، الإنسان اللي ما يحن على حيوان ضعيف، صعب تصدق أنه يحن على إنسان.
رفع دانتي رأسه عند سماع الاسم، كأنه يعرف أن الحديث عنه أيضًا.
سألت بهدوء
دانتي كان يعرف سامر؟
هنا سكت ألونسو.
طال صمته لدرجة أنني ندمت على السؤال.
لكنه بعد لحظات قال
لا. دانتي دخل حياتي بعد سامر.
ثم نظر إليّ.
لكن أحيانًا أحس أنه يعرفه أكثر مني.
لم أفهم قصده.
ولم أطلب منه أن يشرح.
لكنه شرح.
قال إن سامر لم يكن شابًا سيئًا ولا ضعيفًا، لكنه كان من النوع الذي يبتسم كثيرًا حتى لا يزعج أحدًا.
كان يضحك في البيت.
يساعد الجيران.
يطعم القطط في الزقاق.
وإذا رأى طفلًا يبكي، كان يشتري له عصيرًا من أقرب دكان.
لكن خلف تلك الطيبة كلها، كان يخفي تعبًا لا يعرفه أحد.
حتى ألونسو نفسه لم يعرفه.
قال بصوت مخنوق
كنت أظنه قويًا لأنه ما يشتكي. وطلعت غلطان.
ثم أطرق رأسه.
أحيانًا أكثر الناس وجعًا هم الذين لا يريدون أن يتعبوا
غيرهم.
شعرت أن الجملة دخلت قلبي مباشرة.
لأنني كنت أعرف هذا الشعور.
كنت أعرف كيف يمكن للإنسان أن يبتسم فقط حتى لا يفتح باب الأسئلة.
وكيف يمكن أن يقول أنا بخير وهو لا يعرف حتى كيف وصل إلى آخر اليوم.
لم يقل ألونسو تفاصيل كثيرة.
ولم يحتج أن يقول.
كان واضحًا أن سامر مرّ بأيام قاسية، وأن والده لم ينتبه إلا بعد فوات الأوان.
قال
بعد غيابه، بقيت سنوات أعيش كأني نصف إنسان. أروح للشغل، أرجع للبيت، آكل بدون طعم، أنام بدون نوم، وأصحى كأنني لم أرتح دقيقة واحدة.
تنهد.
الناس كانت تقول لي الزمن يداوي. لكن الزمن لا يداوي وحده. الزمن فقط يمر. وإذا بقي الجرح مخفيًا، يمر الزمن فوقه ويجعله أعمق.
لم أعرف لماذا، لكنني في تلك اللحظة وضعت يدي على ظهر دانتي.
كان دافئًا.
ثابتًا.
كأنه الجسر الهادئ بيني وبين هذا الرجل الذي حمل وجعه بصمت سنوات طويلة.
قال ألونسو
في يوم من الأيام، ذهبت إلى الملجأ فقط لأوصل أكياس طعام. لم أكن أريد كلبًا. لم أكن أريد أي شيء أصلًا.
ثم ابتسم وهو ينظر إلى دانتي.
لكنه اختارني.
سألته
مثل ما اختارني في القطار؟
هز رأسه.
بالضبط.
حكى لي أن دانتي كان في قفص بعيد عن باقي الكلاب.
ليس لأنه شرس، بل لأن الناس كانت تخاف من شكله.
كل من دخل الملجأ مرّ أمامه ثم ابتعد.
رأس ضخم.
جسد قوي.
عينان ثابتتان.
وفصيلة يخاف منها كثيرون.
قال ألونسو
الموظفة قالت لي هذا محد يريده. كلهم يسألون عن الكلاب الصغيرة واللطيفة. أما دانتي، فينظرون إليه كأنه خطر قبل أن يعرفوا قلبه.
اقترب ألونسو يومها من القفص.
دانتي لم ينبح.
لم يهجم.
لم يتحرك أصلًا.
فقط وقف، ووضع رأسه على الحديد، ونظر إليه.
قال ألونسو
نفس نظرته لك في القطار.
ثم سكت قليلًا.
وقتها شعرت بشيء غريب. كأنه يقول لي أنا
أيضًا لا أحد يفهمني.
أخذه في اليوم نفسه.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد البيت فارغًا بالكامل.
لم يصبح الحزن خفيفًا فجأة.
ولم يرجع سامر.
لكن صار هناك مخلوق ينتظر ألونسو عند الباب.
يسمع خطوته.
يفرح به.
يجبره أن يخرج صباحًا.
يجلس بجانبه في الليل.
ويضع رأسه على ركبته كلما طالت ساعات الصمت.
قال ألونسو
دانتي لم ينقذني بكلام. أنقذني لأنه بقي.
هذه الكلمة علقت في داخلي.
بقي.
كم مرة يحتاج الإنسان فقط إلى شخص يبقى؟
لا يحكم.
لا يلوم.
لا يقول كلامًا كثيرًا.
فقط يبقى.
في تلك اللحظة، ركض بيكاس فجأة خلف ورقة يابسة طارت مع الهواء.
تعثر قليلًا، ثم وقف وكأن شيئًا لم يحدث.
ضحكت من قلبي.
ضحكة قصيرة، لكنها حقيقية.
نظر إليّ ألونسو وابتسم.
قال
أول مرة أسمعك تضحك بهذه الطريقة.
شعرت بالخجل.
قلت
يمكن لأن بيكاس لا يعرف كيف يكون كلبًا محترمًا.
قال ألونسو
لا. لأنه يشبهك.
استغربت.
يشبهني؟
قال
نعم. خائف، لكنه يحاول. صغير، لكنه يصر أن يمشي. لا يعرف الطريق، لكنه يثق بمن يمشي معه.
لم أجب.
لأنني شعرت أن كلامه أكبر من مزحة عابرة.
في طريق العودة من الحديقة، مررنا قرب الملجأ الذي أخذت منه بيكاس.
كان مبنى قديمًا في أحد أطراف بغداد، جدرانه متعبة، وبابه الحديدي يصدر صوتًا مزعجًا كلما فُتح.
توقف دانتي أمام الباب.
شد المقود قليلًا.
ثم نظر إلى الداخل.
قال ألونسو
ندخل؟
لم أكن أنوي الدخول ذلك اليوم.
لكن دانتي كان مصممًا.
دخلنا.
استقبلتنا رائحة الطعام الجاف، وأصوات الكلاب، وبعض القطط التي كانت تتحرك بين الأقفاص كأنها تعرف المكان أكثر من العاملين فيه.
الموظفة هناك، أم زينب، عرفت ألونسو فورًا.
قالت وهي تبتسم
أبو سامر، اليوم جايب العائلة كلها؟
تجمدت عند الاسم.
أبو سامر.
هكذا كانوا ينادونه.
لم
يكن مجرد رجل اسمه ألونسو.
كان أبًا ما زال يحمل اسم ابنه في طريقة مناداة الناس له.
ابتسم ألونسو بتعب وقال
إي، واليوم بيكاس رجع زيارة مو إقامة.
نظرت أم زينب إلى بيكاس وقالت
هذا المشاكس؟
تم نسخ الرابط