استفاقت من الغيبوبة لتكتشف أن أقرب الناس إليها كانوا ينتظرون وفاتها
أمسك سيف كتف حسن بقوة.
ماذا قلت؟
ابتلع حسن ريقه، لكنه لم يُنزل عينيه.
قلت إنني أريد أمي أن تستيقظ.
اقتربت سارة، وعيناها مثبتتان على الطفل.
بمن اتصلت يا حسن؟
لم أتصل بأحد.
لكنك ذكرت اسم هناء.
تردد قليلًا، ثم قال
إنها معلمة في المدرسة.
كانت كذبة ضعيفة.
لكنها خرجت بشجاعة.
شدّ سيف أصابعه على كتف حسن بقسوة أكبر.
ستخبرني حالًا بما فعلته.
اتركني.
ملأ صوت الطفل الغرفة.
أرادت ريم أن تصرخ.
أرادت أن تنهض.
أرادت أن تنتزع ابنها من بين يدي ذلك الرجل.
وفي تلك اللحظة، وبقوة ولّدها الخوف، تمكنت من أن تطبق أصابعها قليلًا على كف حسن.
شعر بها فورًا.
فسارع إلى تغطية يدها بيده، وأخفى الحركة بسرعة.
لم ينتبه سيف إلى ما حدث.
أما سارة...
فقد رأته.
تجمدت في مكانها.
ثم انحنت فوق ريم، ولمست جفنها برفق.
ريم؟
وقبل أن ترفع جفنها، دوّى طرق على الباب.
لماذا باب الغرفة مغلق؟ سأل صوت ممرضة من الخارج.
ترك سيف حسن، واتجه لفتح الباب.
دخلت الممرضة إلهام.
امرأة في منتصف الأربعينيات من عمرها، تبدو عليها علامات الإرهاق، لكنها كانت تملك نظرة حادة لا تنطلي عليها الأكاذيب.
نظرت أولًا إلى حسن.
فرأت الأثر الأحمر الواضح على كتفه.
ثم التفتت إلى مضخة المهدئ.
وتغيرت ملامحها.
من الذي غيّر الجرعة؟
ساد الصمت.
اقتربت أكثر وهي تتفحص الجهاز.
كانت الجرعة أربعة مليغرامات في الساعة... والآن أصبحت سبعة.
شعرت ريم وكأن
لم يكونوا ينتظرون وفاتها فقط.
بل كانوا يتعمدون إبقاءها سجينة داخل جسدها.
قال سيف بنبرة حادة
الطبيب هو من أمر بذلك.
أجابت إلهام وهي تنظر إلى شاشة الجهاز
لا يوجد أي تسجيل لهذا التعديل في النظام.
وفي تلك اللحظة دخل الدكتور هشام الراوي، يرافقه رجل يرتدي بدلة رمادية ويحمل حقيبة جلدية.
كان كاتب العدل.
وقفت إلهام أمام السرير مباشرة.
وقالت للطبيب
دكتور... تم تغيير جرعة المهدئ.
لم يبدُ على الدكتور أي اندهاش.
بل قال بهدوء
أنا من عدّلها.
لكن ذلك غير مسجل في النظام.
سأضيفه لاحقًا.
رمقته إلهام بنظرة غاضبة.
هل ضاعفت جرعة مريضة في غيبوبة دون إصدار أمر طبي رسمي؟
بدأ كاتب العدل يجمع أوراقه بسرعة.
وقال بتردد
أعتقد أنني سأعود في وقت آخر.
لكن سيف قال بحدة
لا... سيتم التوقيع اليوم.
ثم أخرج من حقيبته مجموعة أوراق.
وكالة عامة.
صلاحيات لإدارة الحسابات.
طلبات لنقل الشركات.
والعقارات.
والصناديق الاستثمارية.
وجميع الممتلكات الشخصية.
كانت الأوراق نفسها التي رفضت ريم توقيعها قبل الحادث.
قالت إلهام بحزم
لا يمكنها التوقيع.
ابتسم سيف ابتسامة باردة.
ليست بحاجة إلى التوقيع... بصمتها تكفي.
تغير لون وجه كاتب العدل.
وقال بدهشة
لقد أخبرتني أن السيدة واعية.
ابتسم سيف دون أي دفء.
إذن... لنتأكد بأنها ليست كذلك.
أخرج الدكتور هشام مصباحًا صغيرًا، ورفع جفن ريم.
شعرت بأن الضوء يحرق
لكنها أجبرت نفسها على البقاء ساكنة.
قال الطبيب
استجابة بسيطة جدًا.
اقتربت إلهام أكثر.
وقالت
حدقتها تبعت الضوء.
رد الطبيب سريعًا
مجرد انعكاس طبيعي.
قالت
كما أنها تبعت حركة يدك.
ارتفع صوته بانزعاج
قلت إنه انعكاس لا أكثر.
تقدم حسن خطوة إلى الأمام.
وقال بثبات
اسألوها شيئًا لا يعرفه غيرها.
زمجر سيف
اصمت.
في تلك اللحظة، أمسك الدكتور هشام بحقنة شفافة.
فهمت ريم فورًا.
كان يريد أن يغرقها في الغيبوبة مرة أخرى.
وربما...
إلى الأبد.
وفي تلك اللحظة، عادت إلى ذهن ريم صورٌ لم تستطع نسيانها.
تذكرت حسن وهو رضيع ينام فوق صدرها.
وتذكرت حقيبته المدرسية الصغيرة التي كانت تجهزها له كل صباح.
وتذكرت مبارياته في كرة القدم.
ورسوماته المعلقة على باب الثلاجة.
وتذكرت أيضًا أن ذلك الطفل يقف الآن وحيدًا في مواجهة ثلاثة بالغين، قادرين على إخفائه عن العالم كله.
لم يكن بإمكانها أن تتركه.
وعندما قرّب الدكتور هشام الحقنة من الأنبوب، أطبقت ريم يدها.
هذه المرة...
لم تكن مجرد رعشة.
بل كانت قبضة حقيقية.
أطلق حسن شهقة امتزجت بالبكاء.
ورأت الممرضة إلهام كل شيء.
قالت بصوت حازم
سيدة ريم... إذا كنتِ تسمعينني، فاضغطي مرة أخرى على يد ابنك.
ضغطت ريم يد حسن مرة ثانية.
سقطت الأوراق من يد كاتب العدل.
وتمتم مذهولًا
يا إلهي...
أخذت إلهام نفسًا عميقًا، ثم قالت
ارمشي مرة واحدة إذا كنتِ تفهمين ما أقوله.
أغمضت ريم عينيها وفتحتهما مرة واحدة.
قالت إلهام مباشرة
ارمشي مرتين إذا كان أحد الموجودين في هذه الغرفة قد تسبب في إيذائك.
تقدم سيف خطوة نحو السرير.
وفي اللحظة نفسها...
رمشت ريم مرتين.
ضرب حسن الحقنة من يد الدكتور هشام بكل ما يملك من قوة.
سقطت على الأرض، وتدحرجت تحت أحد الكراسي.
ضغطت إلهام زر إنذار الطوارئ.
وفجأة امتلأت الغرفة بأصوات الإنذار.
دخل اثنان من أفراد أمن المستشفى مسرعين.
ودخلت خلفهما امرأة ترتدي بدلة كحلية، وبرفقتها ضابط برتبة مقدم من جهاز التحقيقات الجنائية في بغداد.
كانت المحامية هناء العبيدي.
انهار حسن بالبكاء وهو يقول
قلت لكم إن أمي مستيقظة!
وقفت هناء بين سيف وسرير ريم.
وقالت بحزم
لا أحد يلمس ريم.
رفع سيف يديه وقال
هذه مسألة عائلية.
لكن الضابط قال ببرود
لم تعد كذلك.
ثم أخرج هاتفه المحمول.
وقال
ابنها اتصل بالمحامية قبل ثلاث وعشرين دقيقة، وبقي الخط مفتوحًا. سمعنا التهديدات، ووجود كاتب العدل، ومحاولة الاستيلاء على الممتلكات، والحديث عن نقل طفل قسرًا من والدته.
حاولت سارة التسلل إلى الخارج.
لكن أحد أفراد الأمن وقف في طريقها.
انحنت هناء، والتقطت الأوراق من الأرض.
ثم قالت وهي تتصفحها
أمر غريب... هذه الأوراق تكاد تكون مطابقة تمامًا لتلك التي رفضت ريم توقيعها ليلة الحادث.
اختفى اللون من وجه سيف.
وقال
أنتِ لا تعرفين شيئًا عن حياتي الزوجية.
نظرت إليه
أعرف أكثر مما تتصور.
ثم أخرجت ملفًا من حقيبتها.
وقالت
قبل أسبوعين من الحادث، عدّلت ريم وصيتها رسميًا. وإذا توفيت، أو أصبحت عاجزة في ظروف تثير الشبهات، فإن