اشتريت لأمي بيتًا كبيرًا حتى أعوّضها عن العمر الذي ضحّت به من أجلي.
المحتويات
صعبًا عليها. كانت تمشي في بيتي كأنها ضيفة، تطلب الإذن لاستخدام الغسالة، وفتح الثلاجة، وتغيير قناة التلفزيون.
كنت أقول لها
أمي، هذا بيتك أيضًا.
فترد
نعم يا ابني، لكنني لا أريد أن أكون مزعجة.
تلك الكلمة مزعجة.
أمي عاشت عمرها كله وهي تحاول ألا تزعج أحدًا.
في إحدى الأمسيات وجدتها تضع الطعام في علبة صغيرة.
سألتها
ماذا تفعلين؟
قالت
أتركه للغد. حتى لا تضطر أن تطبخ.
قلت
أمي، لدينا طعام.
قالت
نعم، لكن لا يجوز أن نرمي النعمة.
جلست أمامها.
قلت لها
اسمعيني جيدًا. أنتِ لم تعودي مضطرة لأن تعيشي فقط من أجل النجاة. من حقك أن تعيشي مرتاحة.
نظرت إلي كأنها لا تفهم الفرق.
وهناك فهمت أن شراء بيت لها لا يمحو أربعين عامًا من الخوف.
لذلك بدأت ببطء.
أيام الأحد كنا نفطر معًا. كانت تحضر خبزًا حارًا وقيمرًا وشايًا، وتغني بصوت منخفض أغاني قديمة لناظم الغزالي. كنت أعد القهوة وأقطع الفاكهة. في البداية كانت تريد غسل كل الصحون. ثم قبلت أن تتركني أغسل بعضها.
اشتريت لها أصص زرع كثيرة. ورد جوري، وريحان، ونباتات صغيرة، وشتلات ملونة. كانت تستيقظ مبكرًا لتسقيها، وشيئًا فشيئًا بدأ البيت يشبهها، تفوح منه رائحة التراب المبلل والخبز المحمص.
في يوم من الأيام سمعتها تضحك في الهاتف مع إحدى الجارات.
كان قد مر وقت
وفي يوم آخر طلبت مني أن آخذها لشراء ستائر.
سألتها
أي لون تريدين؟
قالت
أصفر. حتى تدخل الفرحة.
في ذلك اليوم بكيت في موقف السيارات، وحدي، من دون أن تراني.
بعنا البيت الكبير بعد سنة.
وقّعت أمي أوراق البيع بهدوء غريب. لم تبدُ حزينة.
سألتها
هل أنتِ متأكدة؟
قالت
نعم يا ابني. كان جميلًا، لكنه ذكّرني بأشياء مؤلمة.
وبذلك المال افتتحنا مطبخًا شعبيًا صغيرًا باسمها.
ليس لأنها كانت تحتاج إلى العمل، بل لأنها أرادت أن تشعر بأنها مفيدة. سميناه بركة أم علي. كان فيه أربع طاولات، وأغطية بسيطة بنقوش مربعة، وواجهة زجاجية فيها حلوى منزلية، وإبريق شاي عراقي تفوح رائحته في الشارع كله.
كانت أمي تطبخ لأنها تحب ذلك فقط. وظفنا امرأتين من المنطقة، كلتاهما أمّان بلا معيل، وكانت أمي تدفع لهما أجرًا جيدًا.
قالت لي
حتى لا تضطر واحدة منهما أن تختار بين أن تأكل هي أو تطعم أطفالها.
هكذا كانت أمي.
الحياة ضربتها كثيرًا، وهي كانت ترد على الضربات بأطباق طعام دافئة.
في عصر أحد أيام السبت، ظهرت نور في المطبخ.
كنت جالسًا على طاولة أراجع الفواتير. خرجت أمي من المطبخ وهي ترتدي مريلة مزهرة. عندما رأتها، توقفت في مكانها.
كانت نور تبدو مختلفة. أنحف، من دون مكياج، وشعرها مربوط إلى الخلف.
قالت
خالتي فاطمة... هل أستطيع أن أتحدث معك؟
وقفت أنا.
قلت
لا يجب أن تفعلي ذلك يا أمي.
لمست أمي ذراعي.
لا بأس.
أخذت نور نفسًا عميقًا.
قالت
جئت لأطلب منك السماح. لا أتوقع أن تسامحيني. فقط أردت أن أقول لك إن ما فعلته كان بشعًا. تعاملت معك كأنك عائق، ولم تكوني كذلك. لم تكوني كذلك أبدًا.
نظرت إليها أمي طويلًا.
ثم قالت
أنا أسامحك.
بدأت نور تبكي.
رفعت أمي يدها.
لكن لا تقتربي من ابني مرة أخرى لتؤذيه. المسامحة لا تعني أن ننسى أين يوجد الباب.
هزت نور رأسها وهي مكسورة.
قالت
أفهم.
ثم غادرت.
نظرت إلى أمي بدهشة.
سألتها
هل سامحتِها فعلًا؟
قالت
نعم.
كيف تستطيعين؟
خلعت المريلة ببطء.
قالت
لأنني إن لم أسامحها، سأحملها داخلي. وأنا حملت ما يكفي في هذه الحياة.
بقيت تلك الجملة محفورة في داخلي.
اليوم مرّت ثلاث سنوات.
انتهى طلاقي. اختفت نور من حياتي، إلا في بعض الأوراق وذكريات لم تعد تؤلم بالطريقة نفسها. عرفت أنها انتقلت إلى مدينة أخرى. لا أتمنى لها الشر. ولا أتمنى قربها.
أمي ما زالت تعيش معي، رغم أنها تقول إنني أنا من أعيش معها، لأنها استولت على المطبخ، والحديقة، والكرسي القريب من النافذة.
كل صباح أجدها تسقي نباتاتها. أحيانًا تغني. وأحيانًا تتحدث مع الزهور كأنها
تقول
لا تنظر إلي هكذا يا علي. النباتات تسمع أيضًا.
المطبخ الشعبي يسير بشكل جيد. لم يجعلنا أغنياء، لكنه جعلها سعيدة. أهل المنطقة يحبونها. بعضهم يأتي لرؤيتها أكثر مما يأتي للطعام. تسألهم عن أولادهم، وتترك لهم صحنًا إضافيًا، وتؤجل الدفع لمن لا يملك المال، لأنها تقول إن الجوع لا ينتظر يوم الراتب.
أنا لم أعد أعمل ساعات طويلة كما كنت من قبل.
سابقًا كنت أظن أن عليّ أن أُنتج، وأبني، وأشتري، وأثبت نفسي. الآن أغلق المكتب مبكرًا كل يوم أربعاء، وآخذ أمي إلى السينما، رغم أنها غالبًا تنام في منتصف الفيلم.
أحيانًا نمر أمام بيوت كبيرة، بنوافذ واسعة وجميلة، فتقول
انظر إلى هذا الضوء الجميل.
أبتسم وأسألها
هل تريدين بيتًا مثله؟
تنظر إلي كأنني قلت شيئًا غريبًا.
لا يا ابني. الضوء ليس في النوافذ.
وكانت محقة.
لفترة طويلة ظننت أن رد الجميل يعني أن أشتري لها بيتًا.
ظننت أن سند ملكية يمكن أن يسدد سهرها، وأن حديقة صغيرة يمكن أن تعوّض ركبتيها المتعبتين، وأن مجموعة مفاتيح يمكن أن تمحو كل مرة ادعت فيها أنها ليست جائعة.
لكن أمي لم تكن تحتاج إلى بيت ضخم.
كانت تحتاج أن تعرف أنه إذا دفعها العالم إلى الرصيف، فإن ابنها لن يمر من أمامها دون أن يراها.
كانت تحتاج أن تعرف أنها
وأنها ليست إزعاجًا.
وأنها ليست شيئًا قديمًا يمكن نقله من مكانه من أجل المال.
تلك
متابعة القراءة