دار المسنين حكايات زهرة
المحتويات
تروح مننا كده؟!.
حاولت أسند
نفسي وأقعد على الأرض، كل حتة في جسمي كانت بترتعش، ودموعي نزلت من غير ما أحس.. بصيت للورقة اللي كانت مرمية جمبي، ومديت إيدي خطفتها بسرعة قبل ما نهى تلمسها. نظرتي لنهى في اللحظة دي اتغيرت تماماً.. مكنتش شايف الست اللي عشت معاها سنين وبحبها، كنت شايف كائن غريب، كائن مرعب ومخيف.
نهى اتراجعت لورا خطوة لما شافت نظرة عيني، وقالت بتلعثم مالك يا أحمد؟ بتبصلي كده ليه؟ خضتني عليك والله!.
مسكت الورقة بإيد بتترعش، ودموعي مغرقة عيني، وبدأت أقرأ الكلام تاني في سري.. الكلام اللي كان مكتوب بخط إيد أمي.. خطها المتناسق والجميل اللي حافظه من صغري، الخط اللي مكنش فيه أي رعشة أو لغبطة تدل على إن اللي كاتباه ست مريضة زهايمر ومش دريانة بالدنيا!
نص الرسالة الصادمة
ابني حبيبي.. ضنايا ونور
عيني يا أحمد.
عارفة إنك لما تقرأ الكلام ده هتكون رجعت من المكان اللي سبتني فيه.. دار المسنين. وعارفة كمان إن قلبك مكسور وضميرك بيأنبك، بس أنا مسمحاك يا حبيبي، مسمحاك لأنك مكنتش تعرف الحقيقة، ولأنك كنت ضحية زيي بالظبط.
أحمد يا ابني.. أنا مكنش عندي زهايمر! أنا عقلي زي الفل وواعية لكل كلمة وكل حاجة بتحصل حواليا لحد آخر لحظة خرجت فيها من بيتك..
الحكاية بدأت من حوالي سنة يا أحمد، لما بدأت أحس ب دوخة غريبة وخمول مش طبيعي، وكنت بنام بالأيام وأصحى مش فاكرة أنا مين ولا فين. كنت فاكرة إنه كبر سن، لحد ما في يوم صحيت بدري قبل الميعاد اللي بصحى فيه دايماً، ودخلت المطبخ بالراحة عشان مشيلش ذنب وأصحيكوا.. وشفت
مرأتك، نهى.
شفتها وهي بتطحن حبوب دواء لونها أزرق، وبتحطها في كوباية الشاي بلبن اللي بتقدمهالي كل يوم الصبح مع الفطار. استغربت، ومستنيتش لما تديهالي.. دخلت وراها الأوضة بعد ما خرجت، ودورت في علب المكياج بتاعتها لحد ما لقيت علبة دواء مخبية ورا الرف.. دواء مهدئ ومخدر قوي جداً، من الأعراض الجانبية بتاعته إنه بيسبب هلاوس، وفقدان مؤقت للذاكرة، وعصبية شديدة، ومع الوقت بيبوظ خلايا المخ ويوصل لحالة شبه الزهايمر!
واجهتها يا أحمد.. واجهتها وأنا بترعش وبقولها ليه بتعملي فيا كده؟ ردت عليا بمنتهى البرود والجبروت وقالتلي أنا زهقت منك ومن خدمتك، والبيت ده ضيق عليا وعلى عيالي، وأحمد لازم يكتبلي الشقة دي باسمي، وإنتِ قاعدة عائق في طريقنا.. لو نطقتي بكلمة لأحمد، أو حاولتي فهميه حاجة، هخليه يكرهك.. هتبلّى عليكي إنك بتضربي عياله،
خفت عليك يا أحمد.. خفت على بيتك يتخرب وعيالك يتشردوا. قررت
إني مأشربش الشاي، وبقيت أدلقه من وراها في الحوض، وبدأت أمثل إني بنسى فعلاً عشان تتقي شري ومتأذيكش أنت وعيالك.
فاكر يوم المطبخ لما قولتلك إني جعانة؟ نهى هي اللي دخلت ورايا وقالتلي بكلام يسم البدن مفيش أكل ليكي انهارده يا عجوزة يا كركوبة لحد ما أحمد يرجع، عشان يحس إنك بقيتي عبء. ولما أنت جيت، حطت الأكل بسرعة وقالتلك إني لسه واكلة عشان تطلعني كدابة ومجنونة قدامك!
وفاكر يوم الغسيل والملايات؟ نهى هي اللي رمت الغسيل في الأرض وقطعت الملايات بإيدها وصوتت، ولما أنا دخلت اتصدمت، راحت قايلالي أهو المشهد ده اللي هيخلي أحمد يرميكي بره البيت الليلة.
أنا مشيت يا أحمد بمزاجي.. مشيت عشان أشتريلك راحتك وراحة عيالك، وعشان بيتك ميتخربش. بس مكنش ينفع أمشي وأسيبك عايش مع حية في بيت واحد وإنت مش عارف. خفت تظلمني وتفتكر إن أمك كانت مسببالك نكد.. أنا سبتلك الجواب ده مع عم محمد البواب، وحلفته على المصحف ما يديهولكش ولا يحطه تحت الباب إلا الساعة 7 الصبح بعد ما أكون
مشيت وسبت البيت تماماً.
خد بالك من نفسك يا
المواجهة الحذرة.. التخطيط الهادئ
الرسالة خلصت.. وأنا حاسس إن روحي هي اللي بتخلص. النفس بقيت أخده بصعوبة، وكأن جبل كبس على صدري. الغضب كان هيحرقني، وكان في مارد جوايا عايز يقوم يهد البيت فوق دماغ نهى. بس فجأة، افتكرت كلام أمي خفت تتبلى عليكي وتخرب بيتك وتحرمك من عيالك.
لو واجهتها دلوقتي وزعقت وطردتها، هتاخد العيال وتجري على بيت أهلها، وممكن ترفع قضايا وتتهمني بالجنون أو تتبلى عليا وتضيع عيالي.. الحية دي ذكية ومخططة لكل حاجة، ولازم أكون أذكى منها عشان أجيب حق أمي وحق عيالي بالقانون ومن غير ما أخسرهم.
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أهدي ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول. كرمشت الجواب في جيبي بسرعة، ورسمت على وشي علامات التعب والدوخة، وقولت لنهى بصوت مجهد وممثل مفيش يا نهى.. ده هبوط حاد من قلة النوم والضغط بتاع انبارح.. والورقة دي إعلان تافه
من شركة إبادة حشرات حد رماها من تحت الباب.
نهى بصتلي بشك، بس ملامح التعب الحقيقية اللي على وشي خلتها تصدق. طبطبت عليا وقالت سلامتك يا حبيبي.. طب قوم ارتاح شوية وأنا هعملك كوباية ليمون دافي.
أول ما دخلت المطبخ، قمت جري على أوضتها.. بدأت
متابعة القراءة