طلب زوجي الحضانة واتهمني بالجنون أمام القاضي... لكن ابنتي أخرجت دليلاً قلب الجلسة رأسًا على عقب!
لم يتنفس أحد.
لا كاتب الجلسة.
ولا القاضي.
ولا أنا.
شعرت أن هذه الكلمات لم تكن مكتوبة على شاشة الحاسوب، بل كانت مغروسة في حلقي.
نهض حيدر من مكانه فجأة.
هذا ملف مفبرك! صرخ هذه الذاكرة مو إلي!
ضرب القاضي الطاولة بمطرقته.
سيد حيدر، إذا قاطعت الجلسة مرة أخرى، سأطلب إخراجك من القاعة.
لكنه لم يعد ذلك الرجل الهادئ صاحب البدلة الرمادية.
لم يعد الأب الخائف على ابنته.
لم يعد الزوج المظلوم.
كان حيدر الذي أعرفه في المطبخ، في منتصف الليل، حين كان يقترب مني أكثر مما يجب ويهمس في أذني
لا أحد راح يصدقج يا مريم. شوفي نفسج... تكسرين الخاطر.
وقفت سارة فجأة.
أحتاج أطلع... أشعر بتعب.
نظر إليها القاضي بصرامة.
تبقين في مكانك.
جلست سارة مرة أخرى، ووجهها أبيض كالورق.
فتح كاتب الجلسة الملف.
ظهرت على الشاشة صالة بيتي.
صالتي أنا.
الأريكة البنية ذات الغطاء الممزق.
الطاولة التي كانت زهراء تكتب عليها واجباتها المدرسية.
والمصباح الذي أقسم حيدر أنني كسرته في نوبة عصبية، رغم أنني كنت أعرف أنه هو من أسقطه بيده.
كانت الصورة تهتز.
بدت وكأنها مصورة من الأسفل، من فتحة صغيرة.
من داخل الخزانة.
ثم سُمع صوت حيدر.
الموضوع تقريبًا انتهى. المحامية تقول نحتاج موقفين بعد، وخلاص.
ظهرت سارة في الفيديو، شعرها مربوط، جالسة على أريكتي.
أريكتي أنا.
وإذا مريم تكلمت؟
ضحك حيدر.
ضحكته جمّدت ظهري.
منو راح يصدقها؟ عندها وصفات علاج، ونوبات قلق، وجيران يسمعون صراخها. وفوق هذا، أنا حرّكت أغراضها مرة ثانية. البارحة خبّيت مفاتيح الغاز وخليتها تترك الطباخ مشتعل. خافت لدرجة إنها سكّرت على نفسها بالحمام.
وضعت يدي على فمي.
ذلك اليوم ظننت أنني أفقد عقلي فعلًا.
بحثت عن المفاتيح عشرين دقيقة.
بكيت أمام زهراء وأنا أعتذر لها لأنني لا أعرف ماذا يحدث لي.
وكان هو يراقب.
ويستمتع.
في التسجيل، خفضت سارة صوتها.
وموضوع القهوة؟
مشى حيدر باتجاه المطبخ.
الكاميرا بالكاد التقطت حركته، لكن صوت الدرج سُمع بوضوح.
وصوت الملعقة الصغيرة.
ثم جاء صوته
مو سم، لا تبالغين. بس يخليها شبه غائبة. الدكتور قال إذا اختلط ويا علاجها يخليها نعسانة ومشتتة. توقع أي ورقة نريدها.
شعرت بالغثيان.
توقف القاضي عن الكتابة.
وتغير وجهه.
لم تعد جلسة طلاق فقط.
صار الأمر شيئًا آخر.
شيئًا مظلمًا.
شيئًا جنائيًا.
كان حيدر يتنفس بقوة في الجهة المقابلة.
محاميته لم تعد تنظر إليه.
وسارة كانت تغرس أظافرها في حقيبتها.
استمر الفيديو.
عاد حيدر للظهور وهو يحمل كوبًا.
كوبي الأبيض المكتوب عليه ماما تحتاج قهوة.
قال
أولًا الحضانة. وبعدها البيت. لما يولد الطفل، ما أريد مريم تدور حولنا. تروح عند أمها بالبصرة، أو تدخل مركز علاج، ما يهمني.
سألته سارة
وزهراء؟
تأخر حيدر في الرد.
زهراء تتعود. الأطفال يتعودون على
خرج من ابنتي شهقة بكاء صغيرة.
أردت أن أضمها، لكن جسدي لم يتحرك.
انتهى التسجيل.
وبقيت صورة صالة بيتي مجمدة على الشاشة، وكأن ذلك المكان نفسه يخجل مما شاهده.
تحدث القاضي ببطء
هل توجد ملفات أخرى؟
أومأت زهراء برأسها.
كانت شفتاها ترتجفان.
نعم، سيدي القاضي.
التفت حيدر نحوها.
زهراء، انظري إليّ. أنتِ لا تعرفين ماذا تفعلين.
نظرت إليه ابنتي.
ولأول مرة لم أرَ الخوف في عينيها.
رأيت حزنًا قديمًا.
حزنًا لا يجب أن تحمله طفلة.
قالت
أعرف يا بابا. أنا أنقذ أمي.
فتح كاتب الجلسة ملفًا آخر.
هذه المرة كانت الصورة أكثر ظلامًا.
كانت غرفة نومي.
دخل حيدر بمفتاح.
لم أكن موجودة.
فتح درج الكومدينة، وأخرج علبة صغيرة كنت أحتفظ فيها بأقراط وأوراق وأدوية. ثم رمى أشياء كثيرة على الأرض. بعدها أخذ علبة دواء وبدّلها بعلبة أخرى.
ارتجفت يداي.
همست
هذه ما كانت أدويتي.
نظر إليّ القاضي.
هل تستطيعين التوضيح؟
ابتلعت ريقي بصعوبة.
بدأت حالتي تسوء بعدما ترك البيت. كنت أشعر بدوخة، وأنام فجأة، وأنسى أشياء كثيرة. ظننت أنه القلق. طبيبتي كانت تقول إن الوضع غير طبيعي، لكنني... كنت أظن أن المشكلة مني.
وقفت محامية حيدر.
سيدي القاضي، أطلب إيقاف عرض الملفات إلى حين التحقق من صحتها.
لم يُبعد القاضي عينيه عن الشاشة.
سيتم التحقق. وسيتم أيضًا إبلاغ الادعاء العام.
ضرب حيدر الطاولة براحة يده.
هذه مؤامرة!
دخل شرطيان من شرطة المحكمة.
لم يرفع القاضي صوته.
اجلس.
لكن حيدر لم يجلس.
نظر إلى سارة.
احچي.
هزّت رأسها بالنفي.
لا.
كانت مجرد همسة، لكنها وصلت إلى آذان الجميع.
فتح حيدر فمه غير مصدق.
شنو يعني لا؟
بدأت سارة تبكي.
وضعت يدها على بطنها، وباليد الأخرى أشارت إلى الذاكرة.
أنا ما كنت أعرف كل شيء. كنت أعرف موضوع البيت، وموضوع إنك تخليها تبين بشكل سيئ... بس ما كنت أعرف موضوع الدواء. هذا أنت سويته.
تجمد حيدر في مكانه.
وهناك فهمت أن حتى الشركاء يتركون بعضهم عندما تبدأ السفينة بالغرق.
أعلن القاضي استراحة.
لكنهم لم يسمحوا لنا بالمغادرة.
أدخلوني أنا وزهراء إلى غرفة صغيرة، ومعنا باحثة اجتماعية وأخصائية نفسية من المحكمة. قدموا لي ماء. لم أستطع أن أمسك الكأس من شدة ارتجاف يدي.
جلست زهراء إلى جانبي.
بدت صغيرة من جديد.
طفلتي.
التي كانت في الخامسة تنام أرنبًا قماشيًا وتطلب مني أن أغني لها حتى لا ترى كوابيس.
جلست على ركبتي أمامها.
من متى كنتِ تعرفين؟
امتلأت عيناها بالدموع.
من أشهر.
شعرت أن شيئًا داخلي انكسر.
لماذا لم تخبريني؟
خفضت زهراء عينيها.
لأن بابا قال إذا حكيت، راح يحبسونج. قال إنك مريضة، وإذا توترتِ راح يأخذوني منج. كنت أريد أجمع أدلة، مثل المسلسلات.
غطيت فمي حتى لا أصرخ.
ابنتي ذات العشر سنوات كانت تعيش حربًا صامتة، بينما كنت أنا بالكاد أستطيع
قلت لها
سامحيني.
رفعت عينيها بدهشة.
أنتِ ليش؟
لأنني لم أحمِك..
أنتِ حميتيني يا يمّه. لذلك سجلت. لأنك دائمًا كنتِ تقولين لي