طردوا الأب إلى الإسطبل ليلة زفاف ابنه... ولم يكونوا يعلمون أن المزرعة كلها باسمه!
لأنها ما كانت يومًا ملكك، قلت له.
رفع سيف رأسه وكأنني صفعته.
كان هاتفه يرتجف بين يديه. وعلى الشاشة كانت إشعارات المصرف تظهر واحدة تلو الأخرى، كأنها أجراس عزاء البطاقة مرفوضة، الخط الائتماني معلّق، العملية غير مصرح بها.
سألني بصوت متقطع
شنو تقصد ما كانت ملكي؟
واصلت تمشيط برق.
كان الحصان ينفخ من أنفه بقلق، وكأنه هو أيضًا يشم رائحة العاصفة. في الخارج كانت مزرعة شمس الرافدين تستيقظ على هواء عراقي بارد ونقي، أرض رطبة، رائحة علف مبتل، طين، وقهوة عراقية تغلي في مطبخ سارة.
قلت له
كانت امتدادات من حساباتي أنا. أنا اللي كنت أدفعها.
ضحك سيف، لكنها لم تكن ضحكة.
قال
يبه، لا تبدأ. كل هذا إلي هم. هذه أملاك العائلة.
قلت بهدوء
للعائلة نعم. إلك لا.
تجمّد في مكانه.
لأول مرة منذ سنوات، لم يعرف ابني ماذا يقول.
ظهرت زهراء خلفه، ملفوفة بروب أبيض وكأنها ما زالت تلتقط صور الزفاف. لكن وجهها لم يعد يشبه نعومة الحرير الذي ترتديه. كان قاسيًا، حادًا، وشفتيها مضغوطتين بقوة.
سألت
شنو اللي دا يصير؟
قال سيف وهو لا يزال غير مصدق
أبوي ألغى بطاقاتي.
نظرت زهراء إليّ.
لم تعد تفوح منها رائحة العطر الفاخر.
كانت تفوح منها رائحة الخوف.
قالت
عمي عبد الجبار، هذا تصرف مهين.
وضعت الفرشاة على الرف.
وقلت
الإهانة كانت أن ترسلوا صاحب البيت لينام
بقيت كلمة صاحب البيت معلقة في الهواء.
رمشت زهراء بعصبية.
وتقدم سيف خطوة نحوي.
شنو قلت؟
أدخلت يدي في جيب صديري، وأخرجت سلسلة المفاتيح القديمة، نفس السلسلة التي أعطتني إياها أمينة يوم اشترينا أول حظائر المزرعة. ثم أخرجت نسخة مطوية من سند الملكية.
لم أعطها لهم.
فقط تركتهم يرون الختم.
قلت
مزرعة شمس الرافدين باسمي. البيت، والأراضي، والآبار، والمخازن، والمواشي، وعقود التوريد، وحتى السرج العربي القديم الذي طلبت زوجتك إزالته لأنه يعطي منظر ريفي أكثر من اللازم.
ابيضّ وجه زهراء.
وهز سيف رأسه.
لا. أمي مستحيل تسوي هيچ.
هنا شعرت بالألم.
ليس لأنه شكّ بي.
بل لأنه كان ما زال يستخدم أمينة درعًا، بعدما سمح لهم أن يهينوني في حديقتها.
قلت له
أمك فعلت هذا بالضبط لأنها كانت تعرفك.
رجع سيف خطوة إلى الخلف.
أنت تعاقبني.
قلت
لا يا ولدي. أنا فقط أوقفت المكافآت.
زهراء تحركت أولًا. دائمًا كانت تتحرك أولًا عندما تشعر أن المال يفلت من يدها.
قالت
هذا لا يغيّر شيئًا. سيف هو الوريث. ما تكدر تمسح ابنك من حياتك بسبب نوبة غضب.
قلت
هذه ليست نوبة غضب.
إذن شنو هي؟
قلت
جرد حساب.
قالت باستغراب
جرد حساب؟
قلت
نعم. أحسب كم بقي من العائلة.
لم تنتظر أكثر.
شدّت سيف من ذراعه وسحبته خارج الإسطبل. وقبل أن تعبر الباب، نظرت إليّ كما ينظر
قالت
أنت ما تعرف منو اللي دا تواجهه.
مسحت على رقبة برق وقلت
أعرف يا زهراء. ولهذا بدأت مبكرًا.
لم أذهب إلى البيت الرئيسي ذلك اليوم.
بقيت مع العمال.
جاء أبو قاسم، مسؤول العمال، بقبعته القديمة وحذائه المغطى بالغبار. أحضر لي قهوة في استكان زجاجي، قهوة ثقيلة من النوع الذي تشربه قبل تفقد السواقي والأسوار.
قال
السماء انفتحت لو بعدها، أبو سيف؟
قلت
انفتحت من زمان.
نظر أبو قاسم نحو البيت، حيث كانت زينة الزفاف تذبل تحت شمس العراق.
قال
أم سيف الله يرحمها كانت تقول يومًا ما رح يصير هذا الشي.
قلت
أمينة كانت ترى أكثر مما نرى كلنا.
هز رأسه بصمت.
في الحظيرة كان الشباب يفرزون العجول. وخلفهم امتدت الأراضي الخضراء في خطوط طويلة، بذلك الصبر القديم الذي لا يتعلمه الإنسان إلا من الأرض تزرع اليوم لتحصد بعد سنوات، تتحمل الجفاف، تنتظر المطر، وتثق بالجذر.
هذه كانت المزرعة.
ليست كؤوسًا فاخرة.
ولا عقودًا بلغة أجنبية.
ولا اسم عائلة الكعبي.
في منتصف العصر، وصل الأستاذ حيدر الشمري من بغداد. جاء بسيارة متواضعة، أكمامه مطوية، وملف أسود تحت ذراعه.
لم يدخل من الباب الأمامي.
دخل من الإسطبل، مثل الرجال الذين يعرفون أين تُحفظ الحقيقة.
قال دون مقدمات
زوجة ابنك اتصلت بكاتبي عدل اثنين. وسألت أيضًا
لم أتفاجأ.
ومع ذلك شعرت بوخزة في صدري.
سألته
وسيف؟
خفض حيدر نظره.
وقال
وقّع بصفته مقدم الطلب.
للحظة اختفى صوت المزرعة.
لا ديوك.
لا ريح.
لا وقع حوافر برق على الأرض.
فقط سمعت صوت أمينة في تلك الليلة داخل المستشفى، حين طلبت مني أن أبقى صامتًا
دع الحياة تكشف لك حقيقة الناس أولًا.
لقد كشفت لي.
لكن رؤية الحقيقة وجهًا لوجه كانت لا تزال تؤلم.
قلت
إذن خلينا نعملها صح.
فتح حيدر الملف.
في داخله كانت أوراق الأمانة، والإفادات، وكشوفات الحسابات المصرفية، ورسالة أمينة، وفيديو محفوظ على ذاكرة صغيرة. كانت أمينة قد جهزت كل شيء بدقة كسرت قلبي.
زوجتي كانت تموت، ومع ذلك كانت لا تزال تحميني.
قال حيدر
المستثمرون جايين يوم السبت. يريدون يوقعون اتفاق بيع قطاعات الوادي وحقوق المياه. إذا قدروا يثبتون أنك غير مؤهل، سيحاولون تمرير الموضوع عبر إجراءات عائلية قانونية.
قلت
خليهم يجون.
قال
أبو سيف...
قلت
خليهم كلهم يجون. زهراء، وسيف، والمستثمرين، وكاتب العدل، وكل شخص يعتقد أن رجلًا عجوزًا تفوح منه رائحة الإسطبل لم يعد يعرف كيف يدافع عن بيته.
نظر إليّ حيدر طويلًا.
ثم ابتسم قليلًا.
قال
أمينة كانت ستقول هذا بكلمات أقل.
قلت
أمينة كانت ستربح قبل الفطور.
ليلة الجمعة جاء سيف يبحث عني.
وجدته في المصلى الصغير الذي كانت أمينة قد طلبت بناءه بجانب شجيرات الورد في الحديقة الجنوبية. كان مصلى بسيطًا، فيه سجاد