عدت لتفاجئ والديها في بغداد... فوجدتهما ممددين على الأرض والحقيقة كانت أقرب مما تتخيل!
خلال الأيام الأولى، لم تنم فرح.
كانت تقضي الصباح في المستشفى، وبعد الظهر تجيب على أسئلة ضباط الشرطة، والليل جالسة في مطبخ بيت والديها، تنظر إلى كل كوب، وكل مفرش، وكل صورة عائلية، وكأن هذه الأشياء قادرة على الكلام.
كانت أم سعد ما تزال فاقدة للوعي. أما أبو سعد فكان يفتح عينيه لثوانٍ قليلة، لكنه لا يستطيع أن يثبت نظره. كان الأطباء يقولون إن هناك أملًا، لكنهم كانوا يقولون أيضًا إن الأمر يحتاج إلى صبر. وبدأت فرح تكره هذه الكلمة.
كانت سارة مدمرة تمامًا.
— كان لازم أجي قبل... كانت تكرر وهي تبكي. كان لازم أتصل بيهم.
كان جاسم يضمها إليه، ويمسح على شعرها، ويقول:
— لا تلومين نفسج يا حبيبتي. كان حادث.
كانت كلمة حادث تجعل معدة فرح تنقلب.
لأن لا شيء في ذلك البيت كان يبدو حادثًا.
لم تكن هناك علب أدوية مرمية. ولا وصفات مختلطة بالخطأ. ولا أي إشارة إلى أن والديها تناولا تلك الحبوب بإرادتهما. أم سعد بالكاد كانت تقبل أن تأخذ مسكنًا بسيطًا للصداع لأنها تقول دائمًا: "الجسم يتعود". أما أبو سعد فلم يكن يقبل حتى قطرات النوم حين يؤلمه ظهره.
بعد أسبوع، ذهب أحمد، زوج فرح، إلى بيت والديها ليجلب بعض الملابس النظيفة والوثائق الطبية. لم تكن فرح تريد العودة وحدها. آخر مرة دخلت فيها ذلك البيت، وجدت والديها ممددين على الأرض.
في تلك الليلة، اتصل بها أحمد بصوت لم تسمعه منه من قبل.
— تعالي إلى بيت أهلك. لكن لا تقودين بسرعة. أريدك توصلين هادئة.
— ماذا حدث؟
— وجدت شيئًا.
عندما وصلت فرح، كانت سارة هناك بالفعل. عيناها منتفختان من البكاء. أما جاسم فلم يكن موجودًا.
كان أحمد جالسًا أمام طاولة الطعام، وأمامه حاسوب محمول مفتوح. وعلى جانبه علبة سوداء صغيرة مغطاة بالغبار.
— ما هذا؟ سألت فرح.
— كاميرا الباب القديمة التي ركبها والدك عند المدخل.
قطبت فرح حاجبيها.
— هذه تعطلت من زمان.
— التطبيق تعطل، أجاب أحمد. لكنها كانت لا تزال تسجل على بطاقة ذاكرة.
كان أبو سعد قد ركب تلك الكاميرا بعد أن سُرقت دراجة أحد الجيران من أمام البيت. ثم توقف عن متابعة التطبيق لأنه كان يقول إن "هذه الأجهزة الحديثة لا تجلب إلا الصداع". وبعدها لم يتذكرها أحد.
حتى الآن.
أدخل أحمد بطاقة الذاكرة في الحاسوب.
أظهر الفيديو مدخل البيت في الليلة التي سبقت العثور عليهما. كان الشارع مظلمًا. جودة الكاميرا ضعيفة، لكن يمكن تمييز الباب الأخضر، والأحواض المزروعة، وضوء المدخل الأصفر.
في الساعة الثامنة وثلاث وأربعين دقيقة مساءً، ظهر رجل يمشي باتجاه الباب.
كان يحمل كيسًا أبيض من صيدلية.
لم يضغط على الجرس.
لم يتصل بالهاتف.
أخرج مفتاحًا.
توقفت أنفاس سارة.
فتح الرجل الباب ودخل كما يدخل الإنسان إلى بيته.
لم يحدث شيء لمدة أربع وثلاثين دقيقة.
ثم فُتح الباب مرة أخرى.
خرج الرجل. عدّل قميصه. أغلق الباب بالمفتاح. وعندما استدار نحو الشارع، أضاء ضوء المدخل وجهه.
أطلقت سارة صرخة مكتومة.
كان جاسم.
زوجها.
الرجل الذي كان يبكي في المستشفى. الرجل الذي قال إن كل ما حدث كان مجرد حادث. الرجل الذي كان يحتضن سارة بينما كان والداها بين الحياة والموت.
شعرت فرح وكأن الدم انسحب من جسدها إلى قدميها.
— لا... همست سارة. لا يمكن.
أوقف أحمد الفيديو.
لم يتكلم أحد لعدة ثوانٍ.
ثم أخرج ظرفًا مطويًا من كيس كان بجانبه.
— ووجدت هذا أيضًا داخل سيارة والدك. كان تحت المقعد.
أخذته فرح.
كان على واجهته خط والدتها.
إلى فرح. يُفتح فقط إذا حدث لنا شيء.
ارتجفت يداها وهي تفتح الظرف.
في الداخل كانت هناك ورقة من عيادة أهلية، وعلى ظهرها جملة مكتوبة بقلم أزرق.
إذا حدث لنا شيء، فتشوا عن جاسم أولًا.
انهارت سارة مستندة إلى الحائط.
أما فرح فلم تبكِ.
ليس بعد.
لأنها في تلك اللحظة فهمت أن والدتها كانت خائفة قبل أن تسقط على الأرض.
والأقسى من ذلك أنها لم تخبر أحدًا.
استلمت الشرطة الفيديو في تلك الليلة نفسها.
شاهده الضابط مرتضى الساعدي مرتين دون أن يقاطعه أحد. ثم طلب الظرف، والورقة الطبية، وقائمة بكل الأشخاص الذين يملكون مفتاحًا للبيت.
كانت سارة بالكاد تستطيع الكلام.
— جاسم كان عنده نسخة... قالت بصوت مكسور. أمي أعطته المفتاح يوم تزوجنا، حتى لو احتجنا ندخل نراجع شيئًا.
نظرت إليها فرح دون غضب. ليس بعد. كان الألم أكبر من أن يتحول إلى غضب.
— لماذا كتبت أمي هذا؟
هزت سارة رأسها بلا جواب.
لكن أحمد، الذي كان يفتش بين أوراق درج غرفة أبي سعد، وضع
دفتر حسابات قديم.
كان أبو سعد يكتب كل شيء. من سعر قنينة الغاز إلى الخبز. وفي الصفحات الأخيرة، ظهرت عدة مبالغ مسجلة باسم واحد: جاسم.
خمسمئة ألف دينار.
مليون دينار.
مليون وسبعمئة ألف دينار.
ثم عبارة مكتوبة بخط ثابت:
لا نعطيه مالًا بعد الآن. غارق بالديون. أم سعد موافقة.
شعرت فرح وكأن الأرض تميل تحت قدميها.
لسنوات، كان جاسم الصهر الطيب، الرجل الذي يأتي بالورود في عيد الأم، والذي يساعد أبا سعد في حمل الأغراض، والذي يقول له "عمي" بصوت محترم.
لكن خلف تلك الابتسامة كان هناك شيء آخر.
تقدمت التحقيقات بسرعة.
وجدوا رسائل محذوفة في هاتف جاسم. في عدة رسائل كان يضغط على أبي سعد كي يقرضه المال "لآخر مرة". وفي إحدى الرسائل كتب:
إذا لم تساعدوني، سيقضون عليّ.
فأجابه أبو سعد:
لن ندفع ثمن أخطائك. اطلب المساعدة، لكن لا تطلب منا المال مرة أخرى.
بعدها اكتشفوا مراهنات عبر الإنترنت، وديونًا عند أشخاص يقرضون بالربا، وعمليات بيع وهمية لقطع سيارات. كان جاسم قد استخدم اسم سارة للحصول على قروض. كانت لديه اتصالات مستمرة من الدائنين، ودين كبير لم يعد قادرًا على إخفائه.
ظهر الكيس الأبيض الخاص بالصيدلية في سيارته، أسفل الإطار الاحتياطي. كان داخله وصل شراء، وعلب فارغة، وطلب شراء تم قبل الحادث بيومين.
كما وجدوا في حاسوبه عمليات بحث تقول:
كم يحتاج المنوم حتى يبدأ مفعوله.
كيف لا تظهر حبوب النوم في التحليل.
ماذا يحدث إذا تناول شخص كبير في السن كمية كبيرة.
عندما عرض الضابط مرتضى كل ذلك على فرح، لم تشعر بالراحة.
شعرت بالقرف.
— كان يريد قتلهما؟ سألت.
صمت الضابط لحظة.