طلب مني ابني ألا أزور شقته مجددًا... فأنهيت التحويل الشهري في اللحظة نفسها

لمحة نيوز

كان نص الرسالة يقول
تمت محاولة تعديل بيانات المستفيد المسجل لقرض شقة أبراج دجلة. إذا لم تكن هذه العملية مصرحًا بها من قبلك، يرجى التواصل مع المصرف فورًا.
شعرت ببرودة تسري في صدري. لم تكن صدمة بقدر ما كانت تأكيدًا لشيء بدأت أشك فيه منذ فترة.
نظرت إلى سيف.
خفض عينيه قبل أن أنطق بكلمة واحدة.
أما مريم فتصرفت وكأنها لا تفهم شيئًا.
قالت بصوت مرتفع أكثر مما ينبغي
شنو هذا؟
أريتها شاشة الهاتف.
وقلت
شخص حاول يغيّر بيانات القرض. سيف... أنت سويت هذا الشي؟
مرر سيف يده على وجهه بتوتر.
يمّه... أني بس كنت أحاول أرتب الأمور.
ترتب الأمور؟ لو تحاول تشيل اسمي من كل الأوراق؟
عقدت مريم ذراعيها وقالت
خالتي، ما يصير تبقين مسيطرة على حياتنا بسبب عقد قديم. إذا ساعدتي ابنك فهذا الشي طبيعي. كل الأمهات يسوّن هيچ.
ضحكت بخفة.
لم تكن ضحكة فرح.
كانت ضحكة تعب.
قلت
غريب فعلًا. الأم تدفع لكن ما إلها حق تقعد بغرفة الضيوف. الأم تساعد لكن ما يصير إلها رأي. الأم تحوك بطانية لحفيدتها ويمكن بالمستقبل حتى ما يسمحون لها تشوفها براحتها. هذا مو دعم يا مريم... هذا حساب مصرفي شعره صار أبيض.
حاول سيف أن يتكلم.
لكنني رفعت يدي.
لا تستخدم كلمة يمّه حتى تلين موقفي. اليوم راح نحچي مثل الكبار.
سحبت ورقة أخرى من الملف.
كانت رسائل الاستعطاف التي كان يرسلها لي عندما يحتاج المال.
وصور التحويلات.
والتسجيلات الصوتية التي كان يكرر فيها
شهر واحد بس زيادة.
وفواتير الأثاث.
وحتى مستند بيع الأرض.
قلت
أبوك خلاك توقع على العقد لأنه كان يعرف أني ممكن أخلط بين الحب والإنقاذ. هو كان يحميني من نفسي.
جلس سيف

على الكرسي وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله.
قال بصوت خافت
ما كنت أريد أنكر فضلك.
نظرت إليه مباشرة.
بلى. أنكرته. مو يوم ألغيت القسط. أنكرته يوم سمحت لزوجتك تعتبرني متطفلة داخل بيت كنت أنا أسنده. أنكرته يوم استحيت من وجودي وما استحيت من تضحياتي.
وقفت مريم بغضب.
أني مو مجبرة أسمع هذا الكلام.
إذن لا تسمعيه.
ثم أكملت
لكن قبل ما تطلعين، اسمعي زين. من اليوم ما راح أدفع دينار واحد إضافي. إذا تريدون الشقة، تتحملون القسط كامل ورسوم الصيانة وكل الالتزامات. وإذا ما تقدرون، تنباع الشقة ويرجع إليّ حقي حسب العقد.
نظر إليّ سيف وكأنني تحولت فجأة من أم إلى مؤسسة مالية.
وللمرة الأولى فهم كيف كان يعاملني طوال تلك السنوات.
قال
يمّه... راح نخسر الشقة.
أجبته بهدوء
لا يا ولدي. أنتم راح تخسرون ميزة أني أدفع ثمنها عنكم. وهذا فرق كبير.
أطلقت مريم ضحكة متوترة.
وقالت
مستحيل تسوينها. حفيدتج عايشة هناك.
تألمت فعلًا عند سماعها تلك الكلمات.
تذكرت البطانية الصفراء الموجودة في غرفتي.
لكنني أدركت أيضًا ما تحاول فعله.
كانت تستخدم الطفلة حتى أبقى أدفع.
قلت
حفيدتي ما إلها ذنب بأي شي. ولهذا السبب راح أبقى جدتها دائمًا. لكن ما راح أمول غرور أهلها حتى أثبت حبي إلها.
فتحت مريم فمها لترد.
لكن سيف قاطعها
كافي يا مريم.
التفتت إليه بصدمة.
كافي شنو؟ راح تخليها تاخذ كل شي من عدنا؟
لم يجبها.
بقي ينظر إلى العقد الموقع باسمه وتوقيع والده الراحل.
في نفس اليوم اتصلت بالمصرف وأكدت أنني لم أوافق على أي تعديل.
بعدها تواصلت مع الأستاذ حيدر، المحامي الذي كان يساعد زوجي قبل وفاته.
جاء عصرًا
إلى منزلي.
كان سيف ما يزال هناك.
راجع جميع الأوراق ثم قال بوضوح
العقد صحيح وقانوني بالكامل. ومحاولة تعديل البيانات بدون موافقة قد تسبب مشاكل أكبر. ومن حقج المطالبة بحقج المالي أو استرداد مساهمتج أو حتى المطالبة ببيع العقار.
رفع سيف رأسه.
يعني أمي تكدر تقاضيني؟
أجاب المحامي دون تردد
كان بإمكانها تسوي هذا من زمان. لكنها كانت تحاول تحميك.
عندها بكى سيف.
ليس كبكاء طفل.
بل كرجل اكتشف متأخرًا حجم أخطائه.
وقال
كنت أتصور أن الأمور راح تتحسن. وأن الترقية راح تجي. وأن مريم راح تساعد. وأن...
قاطعته
وأني راح أبقى أتحمل كل شي إلى أن تستقرون؟
خفض رأسه.
نعم.
كانت تلك أول مرة يؤلمني فيها صدقه أقل من أعذاره.
وفي تلك اللحظة عادت مريم إلى الغرفة وقالت دون أن تنتبه إلى وجود المحامي
أبوي يكول لا تدفعون أي شي. وإذا تريد مشكلة خلي تسوي مشكلة. بالنهاية الشقة باسم سيف وتكدرون تعتبرون الفلوس مجرد مساعدة عائلية.
رفع المحامي رأسه فورًا.
وقال
شكرًا يا مريم. من الجيد أننا سمعنا هذا الكلام.
شحبت ملامحها فورًا.
ومع مرور الأسابيع بدأت حرب صامتة.
سيف توقف عن طلب المال.
لكن مريم استمرت بإرسال الرسائل.
مرة تتهمني بأنني أخرب زواجهما.
ومرة تقول إن جدّة حقيقية لا تتصرف هكذا.
ومرة تكتب أن زوجي الراحل لو كان حيًا لخجل مني.
لم أرد على أي رسالة.
كنت أحتفظ بها كلها.
تمكن سيف من دفع قسط متأخر.
ثم جزء من قسط آخر.
وبدأ يبيع ما يستطيع بيعه.
باع الأثاث الجديد.
ثم الساعة التي أهديتها له قبل سنوات.
ثم الحقيبة الفاخرة التي كانت مريم تتمسك بها يوم جاءت إلى منزلي.
وبعد شهر تقريبًا، جاء سيف
وحده.
كانت حفيدتي نائمة بين ذراعيه.
ناولني إياها دون أن يتكلم.
حملتها ونسيت كل غضبي لثوانٍ.
فالحب الصغير لا يفهم شيئًا عن الأقساط والعقود.
جلس سيف مقابلي.
وقال
مريم راحت لبيت أهلها. تكول ما تزوجت حتى تعيش بضيق مادي.
تنهدت ببطء.
ثم سألته
وأنت شتريد؟
صمت طويلًا قبل أن يجيب
ما أريد أخسر الشقة. ولا بنتي. ولا أنتِ.
نظرت إلى البطانية الصفراء التي أصبحت مكتملة.
وقلت
إذن ابدأ بأن لا تعتبرني حلًا تلقائيًا لكل مشكلة.
وفي تلك اللحظة وصلته رسالة من رقم مجهول تحتوي صورة.
كانت مريم جالسة داخل مكتب كاتب عدل وبجانبها والدها.
وتحت الصورة عبارة تقول
تأكد إذا كان سيف يعرف أن زوجته حاولت استخدام الشقة كضمان لدين يخص مشروعًا عائليًا.
قرأ سيف الرسالة أكثر من مرة.
وتبدلت ملامحه بالكامل.
ثم بدأت الحقيقة التي لم يكن يتوقعها بالظهور...
قرأ سيف الرسالة ثلاث مرات.
كنت أراقب ملامحه وهي تتبدل أمامي؛ في البداية شك، ثم خجل، ثم خوف حقيقي.
كانت الصورة واضحة جدًا.
مريم تجلس داخل مكتب كاتب عدل، وإلى جانبها والدها، وأمامهما مستند يظهر فيه رقم شقة أبراج دجلة بشكل واضح.
هزّ سيف رأسه بعدم تصديق.
مستحيل... مريم ما عندها صلاحية قانونية تسوي هيچ.
قلت بهدوء
يمكن ما عندها صلاحية، لكن عندها نسخ من أوراقك كلها. وأنت بنفسك خليتها توصل لكل شيء.
في اليوم التالي أكد لنا الأستاذ حيدر ما كنا نخشاه.
لقد حاولت مريم مع والدها استخدام الشقة كضمان لدين يخص مشروعهم العائلي.
قدموا أوراقًا ناقصة، وأرفقوا كتابًا مزورًا يظهر وكأن سيف موافق على العملية.
التوقيع كان يشبه توقيعه فعلًا.
لكن سيف أقسم أنه
لم يوقع على أي شيء من هذا النوع.
ولأول مرة في حياته شعر بما يشعر به الإنسان عندما يستخدم شخص ثقته كسلاح ضده.
هذه المرة لم يطلب مني أن أنقذه.
طلب مني
تم نسخ الرابط