طردوا الأب إلى الإسطبل ليلة زفاف ابنه... ولم يكونوا يعلمون أن المزرعة كلها باسمه!

لمحة نيوز

قديم، ومصاحف مرتبة، ورف خشبي صغير صنعه نجار من أهل المنطقة.
كان سيف جالسًا في الأمام.
بلا زهراء.
بلا بدلة.
بلا هاتف.
لثانية واحدة بدا كأنه ابني.
قال
يبه... أمي فعلًا كانت تظن بي هيچ؟
جلست بجانبه.
كان المكان تفوح منه رائحة السجاد النظيف والورد اليابس.
قلت
أمك كانت تظن بك خيرًا. ولهذا كان يؤلمها أن تراك تضيع نفسك.
مسح وجهه بيديه.
قال
أنا فقط كنت أريد أكبر المزرعة.
قلت
لا. كنت تريد تثبت أنك أكبر من المزرعة.
نظر إليّ بعينين محمرتين.
قال
زهراء تقول إذا ما نوقع مع مجموعة الأفق للاستثمار، الديون رح تغرقنا. تقول الماء صار أغلى من المواشي. والأرض ممكن تتحول إلى منتجع، ونادي خيول، ومزارع سياحية، وتجارب فاخرة للزوار الأجانب...
ضحكت بمرارة.
قلت
تجارب. هكذا يسمون بيع تاريخ غيرهم الآن.
قال
الموضوع مو بهذه البساطة.
قلت
طبعًا مو بسيط. الخيانة دائمًا تحتاج شرحًا طويلًا حتى تبدو مقبولة.
خفض سيف رأسه.
قال
أنا مديون يا يبه.
لم أقل شيئًا.
قال
مديون كثير. قبل العرس. زهراء ما تعرف كل شيء. ظننت بهذا العقد نطلع من الورطة. ظننت أشرح لك بعدين.
سألته
ودار الرعاية كانت أيضًا جزءًا من الشرح؟
انهار وجهه.
قال
ما كنت أريد هذا.
قلت
لكنك وقّعت.
قال
زهراء قالت إنه مؤقت.
قلت
زهراء قالت. زهراء تريد. زهراء قررت. وأنت وين كنت يا سيف؟
لم يجب.
في الخارج بدأ صوت موسيقى بعيد.
بعض الضيوف الباقين في المزرعة كانوا يواصلون الاحتفال، وكأن الحياة مسرح يسقط فيه الآخرون بينما يصفقون هم من الظل.
قلت
أمك تركت لك رسالة.
رفع وجهه بسرعة.
إليّ؟
قلت
نعم. لكني لن أعطيك إياها الآن.
سأل
ليش؟
قلت
لأن رسالة من أمينة لا تُستخدم لإسكات شعورك بالذنب. تُستلم عندما تكون مستعدًا للتغيير.
نهضت ببطء.
وقبل أن أخرج، أمسك سيف بطرف كمي.
سأل
أكدر أصلح بعد؟
نظرت إليه.
كنت في السبعين من عمري، ولأول مرة لم أكن أعرف هل أريد إنقاذ ابني، أم أتركه يغرق قليلًا حتى يتعلم السباحة.
قلت
غدًا نعرف.
أشرق صباح السبت صافيًا.
كانت السماء فوق الأراضي زرقاء نقية، تجعل أوراق النخيل والزروع تلمع كأنها شفرات. في المطبخ، كانت سارة تحضر مرقًا حارًا للعمال، لأن أيام الحرب في المزرعة تحتاج أيضًا إلى طعام ساخن، ليمون، وخبز تنور طازج.
في الساعة الحادية عشرة وصلت السيارات.
ثلاث سيارات سوداء كبيرة.
سيارة فارهة بلوحات من بغداد.
محاميان.
كاتب عدل.
ورجال مجموعة الأفق للاستثمار نزلوا مبتسمين، يرتدون أحذية جديدة وقبعات لم تعرف العرق يومًا. خرجت زهراء لاستقبالهم بفستان بيج، وعقد لؤلؤ، وثقة لا تشبه ثقة عروس، بل تشبه ثقة مديرة مزيفة.
جاء سيف خلفها.
شاحبًا.
بحثوا عني في البيت الرئيسي.
لم أكن هناك.
جعلتهم يمشون حتى ساحة التدريب القديمة، تلك التي رفضت أمينة هدمها لأن سيف ركب
أول حصان في حياته هناك. على المدرجات كان أبو قاسم، وسارة، والعمال، والطباخات، وأبناء العاملين، وعدد من المجهزين المحليين الذين عملوا معي لعقود.
توقفت زهراء عندما رأتني.
كنت في منتصف الساحة، أرتدي قبعتي وقميصًا نظيفًا وأمسك عصاي. وكان حيدر إلى جانبي.
همست زهراء
شنو هذا المسرح؟
قلت
مسرح ريفي محترم. هنا، الأمور المهمة تُقال وجهًا لوجه.
ابتسم أحد المستثمرين بتوتر.
قال
أستاذ عبد الجبار، ربما الأفضل أن نحل الموضوع بشكل خاص.
قلت
هذا ما تتمنونه.
أخرج حيدر الأوراق.
حاولت زهراء المقاطعة، لكن كاتب العدل الذي أحضرته اقترب لينظر. لم يحتج سوى ثلاثين ثانية حتى تغيّر وجهه.
تمتم
الملكية محصنة قانونيًا.
قالت زهراء
شنو؟
تحدث حيدر بصوت عالٍ حتى يسمعه الجميع
مزرعة شمس الرافدين تعود قانونيًا للسيد عبد الجبار السامرائي. والمرحومة أمينة أنشأت أمانة غير قابلة للإلغاء. لا يمكن بيع، أو نقل، أو رهن، أو استغلال حقوق المياه دون توقيع مباشر من السيد عبد الجبار، ومصادقة شاهدين محددين من قبلها.
شدّت زهراء قبضتيها.
قالت
هذا تلاعب. هو مو بخير. هو ما يفهم.
رفعت يدي.
قام أبو قاسم بتشغيل شاشة كانوا يستخدمونها في مزادات المواشي.
ظهر وجه أمينة.
نحيلًا.
شاحبًا.
جميلًا.
مات الهمس فورًا.
وضع سيف يده على فمه.
خرج صوت زوجتي واضحًا، رغم التعب
إذا كنتم تشاهدون هذا التسجيل، فهذا
يعني أن شخصًا ما حاول إخراج عبد الجبار من بيته. لا تخدعوا أنفسكم. زوجي ليس عنيدًا لأنه كبر في السن. هو عنيد لأنه يعرف كيف يحب ما لا يعرف الآخرون إلا كيف يبيعونه.
شعرت كأن صدري ينفتح.
واصلت أمينة
سيف، إذا كنت موجودًا، اسمعني جيدًا. المزرعة لا تُورث بالدم فقط. تُستحق بالوفاء. ولن يكون لك حق في هذه الأرض إلا عندما تتعلم أن تعتني بأبيك، والعمال، والماء، كما تعتني بطفل صغير.
بدأ سيف يبكي.
أما زهراء فلم تبكِ.
ظلت تحدق في الشاشة وكأنها تريد كسرها بعينيها.
تابعت أمينة
ولكل من يظن أنه يستطيع استخدام موتي ليستولي على ما بنيناه، أترك وصيتي الأخيرة سأقبل أن تُباع كل حجر في هذه المزرعة لدفع تكاليف الدفاع القانوني، قبل أن تُسلَّم شمس الرافدين لأيدٍ جشعة.
انتهى الفيديو.
لم يصفق أحد.
لم تكن هناك حاجة.
كان الصمت أثقل من أي تصفيق.
تقدمت زهراء نحو سيف.
قالت
احچي شي.
لم يتحرك سيف.
قالت بنبرة آمرة
سيف. قل لهم إن أباك مرتبك.
أغمض ابني عينيه.
وعندما فتحهما، نظر إليّ.
قال
أبي ليس مرتبكًا.
تجمدت زهراء.
عفوًا؟
ابتلع سيف ريقه بصعوبة.
وقال
أنا المرتبك.
كانت تلك الجملة أغلى عليه من أي مبلغ مال.
حمل المستثمر الرئيسي ملف العقود.
وقال
سيدتي زهراء، أنتِ أكدتِ لنا أن لديكم السيطرة العائلية وتفويض الوريث المشغّل.
تدخل حيدر
ولدينا أيضًا نسخ من رسائل إلكترونية تتحدث
عن الضغط لإجراء تقييم طبي ونقل الحقوق دون علم المالك. أنصحكم بمغادرة المزرعة قبل أن يتحول الأمر إلى شكوى جزائية.
أغلق كاتب العدل حقيبته.
وقال
تم نسخ الرابط