عدت لتفاجئ والديها في بغداد... فوجدتهما ممددين على الأرض والحقيقة كانت أقرب مما تتخيل!

لمحة نيوز

— نعتقد أنه كان يريد أن يجعلهما فاقدين للوعي حتى يبحث عن وثائق أو بطاقات أو مال. لكن الجرعة كان ممكنًا أن تقتلهما.

لم تجعل هذه الإجابة الأمر أقل قسوة.

لأن والديها لم يكونا خزنة.

كانا شخصين كبيرين في السن فتحا له بيتهما في الأعياد، وقدما له القهوة، ونادياه بابنهما يوم تزوج سارة.

تم القبض على جاسم في اليوم التالي داخل موقف سيارات. وبحسب التقرير، حاول في البداية أن يقول إن الأمر كله سوء فهم. ثم ألقى اللوم على الديون. ثم قال إنه لم يكن يريد إيذاءهما.

طلبت سارة أن تراه مرة واحدة فقط.

رافقتها فرح، لكنها لم تدخل معها.

وعندما خرجت سارة، بدت كأنها كبرت عشر سنوات في دقائق.

— قال لي سامحيني لأنني كنت يائسًا... همست.

— وماذا قلتِ له؟

رفعت سارة وجهها. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها للمرة الأولى لم تكن دموع ذنب فقط.

— قلت له إن أمي وأبي كانا يائسين أيضًا من أجل أن يتنفسا... ومع ذلك هو أغلق الباب عليهما بالمفتاح.

في الأسبوع نفسه، استيقظت أم سعد.

في البداية لم تستطع الكلام. كانت شفتاها تتحركان بلا صوت. أمسكت فرح بيدها، وأخبرتها بهدوء أنها في المستشفى، وأن أبا سعد ما زال حيًا، وأن جاسم تم القبض عليه.

وعندما ذكرت الظرف، أغمضت أم سعد عينيها.

وسقطت دمعتان على جانبي

وجهها.

قربت فرح منها دفترًا صغيرًا.

— ماما، لماذا لم تخبرينا؟

استغرقت أم سعد نحو دقيقة كاملة لتكتب. خرج خطها مائلًا وضعيفًا.

لم أكن أريد أن أكسر قلب سارة.

بكت فرح بصمت.

لأن هذه كانت أمها فعلًا: حتى وهي خائفة، وحتى وهي تشك في أمر مرعب، حاولت أن تحمي ابنتها من الألم.

استيقظ أبو سعد بعد ثلاثة أيام. كان أكثر ارتباكًا، وأكثر ضعفًا، وصوته مبحوحًا. وعندما عرف ما فعله جاسم، نظر نحو النافذة.

— كنت أعرف أن هذا الولد وراءه مشاكل... قال بصعوبة. لكن لم أتخيل أنه قادر يدخل بيتي ويؤذي أمك.

لم يقل "يؤذيني".

قال "يؤذي أمك".

لأنه هكذا أحبها دائمًا.

لم تدافع سارة عن نفسها. لم تطلب من أحد أن ينسى. لم تقل إنها أيضًا ضحية، رغم أنها كانت كذلك. جلست بجانب سرير أم سعد، وكررت الجملة نفسها مرة بعد مرة.

— سامحيني يا أمي. سامحني يا أبي.

وبيد مرتجفة، كتبت أم سعد مرة أخرى في الدفتر.

هو خدعكِ أنتِ أيضًا.

انهارت سارة بالبكاء.

لم تطل المحاكمة كثيرًا. بوجود الفيديو، والوصولات، وعمليات البحث، والرسائل، اعترف جاسم في النهاية بذنبه. قال إنه لم يكن يريد قتل أحد، وإنه كان يحتاج إلى المال فقط، وإن كل شيء خرج من يده.

حضر أبو سعد الجلسة الأخيرة وهو يتكئ على عصاه. أما أم سعد فلم تستطع الحضور،

لكنها أرسلت رسالة.

قرأتها فرح أمام القاضي.

قالت فيها إن أصعب جزء لم يكن الاستيقاظ في المستشفى. ولم يكن الخوف، ولا الأيام التي لم تستطع فيها الكلام، ولا الأبواب التي صارت تُغلق بالمفتاح حتى في وضح النهار.

الأصعب، كما كتبت، كان أن تفهم أن شخصًا أجلسوه على مائدتهم انتظر لحظة ضعفهم كي يخونهم.

صدر الحكم على جاسم.

طلقت سارة منه قبل انتهاء القضية. انتقلت إلى شقة صغيرة، وحصلت على عمل في مكتبة قرطاسية، وبدأت ترمم حياتها من جديد، بلا بطاقات باسم غيرها، وبلا أكاذيب، وبلا لقب رجل كاد أن يدمر عائلتها.

لكن الغفران لم يأتِ دفعة واحدة.

لأشهر، لم يعد البيت ذو الباب الأخضر يشعرهم بأنه بيت. أزال أبو سعد المفتاح الذي كان مخبأً تحت حوض الزرع. ولم تعد أم سعد تترك الباب من دون سلسلة. كان كل صوت في الليل يوقظها. وكل كيس أبيض من صيدلية يضغط على صدرها.

بدأت فرح تزورهم كل يوم أحد.

في البداية بدافع الذنب.

ثم بدافع الحب.

كانت تصل ومعها كليجة، أو فاكهة، أو أي حجة صغيرة. تجلس وتشرب القهوة مع والدها، حتى لو أعاد النكتة نفسها ثلاث مرات. وتساعد أمها في تقطيع الخضار، رغم أن أم سعد كانت تصر دائمًا على أن "لا أحد يقطع الكوسا كما يجب".

وفي عصر أحد الأيام، ظهرت سارة عند الباب وهي تحمل صحن

حلوى. لم تدخل. بقيت واقفة في الخارج، تمسك الصحن كطفلة تنتظر العقاب.

نظر إليها أبو سعد من غرفة الجلوس.

طال الصمت حتى ظنت فرح أن والدها سيغلق الباب.

لكنه نهض ببطء، مستندًا إلى عصاه، وقال:

— ادخلي. أمكِ طبخت شوربة.

غطت سارة فمها بيدها.

لم يكن ذلك غفرانًا كاملًا.

ولم يكن نسيانًا.

كان بابًا مفتوحًا بضعة سنتيمترات فقط.

وأحيانًا، بعد كبيرة إلى هذا الحد، تكون بضعة سنتيمترات بداية عائلة تحاول أن تتنفس من جديد.

بعد أسابيع، عادت أم سعد لتحضر شوربة الدجاج لفرح. الرائحة نفسها ملأت المطبخ. والقدر نفسه ارتطم بسطح الطباخ. والعلبة البلاستيكية القديمة نفسها ظهرت على الطاولة، بغطائها الأزرق الذي ما زال لا يُغلق جيدًا.

مدتها أم سعد نحوها.

— خذيها معكِ... قالت بصوت أخفض من قبل. صرتِ ضعيفة جدًا.

لم تضحك فرح.

أمسكت العلبة بكلتا يديها، واحتضنت أمها كما لو أنها تستطيع أن تستعيد كل أيام الأحد التي ضاعت منها.

هذه المرة لم تقل: "سأمر قريبًا".

نظرت في عيني أمها وقالت:

— آتي يوم الأحد.

وجاءت.

ثم عادت في الأحد الذي يليه.

ثم الذي بعده.

لأن تلك الليلة، حين تدحرجت حبات العنب على أرض الغرفة وكان والداها ساكنين تحت ضوء المصباح، فهمت فرح شيئًا لم تنسه أبدًا:

الحب لا يُثبت بالوعود

الجميلة.

بل يُثبت بالحضور.

ومنذ ذلك اليوم، كلما ناولتها أمها علبة شوربة، كانت فرح تستلمها وكأنها تستلم فرصة جديدة كي لا تخذلهم مرة أخرى.

تم نسخ الرابط