رواية مهمة زواج كامله بقلم دعاء فؤاد

لمحة نيوز


البلد في اجازة الصيف بس...امي طبعا كانت بتزعل مني لما بتلاقيني بتكلم كدا بس لما كبرت بقيت احاول مزعلهاش و اتكلم زي ما هي حابة...مع اني كنت خلاص شربت اللهجة و الطبع و العادات بتاعت القاهرة و كان صعب عليا اوي أقلب من اللهجة دي للهجة دي لحد ما اتعودت بقى.
كانت ريم تستمع بتركيز شديد و حين انتهى سألته بفضول
و انت خريج ايه بقى! 
اقتصاد و علوم سياسية. 
رفعت حاجبيها بذهول متمتة 
واو.. لا بجد شابوه لباباك. 
و حمد خريج ادارة أعمال...و عيشة اختي بقى الحاج برضو مقصرش معاها بس محبش يغربها عند عمتي بحكم انها بنت و اخدت الثانوية العامة منازل و دخلت ألسن جامعة عين شمس..
دراستي في المدارس الانترناشيونال عرفتني على أصدقاء كتير من الوسط الهاي كلاس و استغليت الموضوع دا في تأسيس شركة في المجمع التاني و بدأت الشركة تكبر شوية و بدأت أشارك ناس تقيلة و رجال أعمال كبار.. و شوية شوية اسست مصنع في ٦ اكتوبر و اهو شوية قاعد هنا و شوية في شركتي و الدنيا ماشية الحمد لله. 
هزت رأسها باعجاب واضح من مسيرته الناجحة ثم استرسلت أسئلتها الفضولية 
بس انت بقيت كبير البلد ازاي و امتى..
اجابها و هو ينظر لتلك المهرة الجميلة يواري ناظريه عنها حتى لا ينكشف ولهه بها
ابويا كان دايما بيقعدني معاه في القعدات العرفية و المقابلات اللي كان بيعملها مع كبار البلد و المأمور و ظباط المركز و كان دايما يشركني في المشاكل اللي بيناقشوها و بياخد برأيي... لحد ما دخلت ثانوية بقى هو اللي يخليني أدير القعدات دي و أكون انا صاحب الكلمة و الرأي لحد ما دخلت الجامعة و اتخرجت بقيت انا أساس القعدات العرفية و الاجتماعات لدرجة ان ابويا كان اوقات بيبعتلي ارجع من القاهرة مخصوص لو في مشكلة كبيرة عشان انا اللي احلها...اهل البلد كلهم بقوا شايفيني انا الكبير و بقوا بيتعاملو معايا على هذا الاساس تمام زي ابويا ما كان بيخطط...و كان لازم عشان افضل محافظ على المكانة دي أحافظ على عادات البلد و تقاليدها و التزم بلبسي و لهجتي كصعيدي..عشان افضل كبير في نظرهم دايما.
هزت ريم رأسها بتفهم عدة مرات ثم قالت باعجاب
لا بجد أبهرتني يا معتصم بيه.
ضحك بملئ فمه ثم قال 
بيه ايه بقى!... قولي معتصم بس. 
حانت منها ابتسامة خجلى ثم قالت برقة 
اول مرة اشوفك بتضحك كدا... كنت فاكرة انك ضد الضحك.. 
أجابها بضحكة بسيطة 
ما خلاص بقى الوجه الآخر للكبير انكشف و بان.. 
ابتسمت ثم قالت بلا تفكير 
بس أحلى بكتير من الوجه الاولاني. 
دق قلبه پعنف اثر تلك الاطراءة و سكت يتأملها بحالمية حتى أخجلها من فرط تأمله لها فهربت من مرمى ناظريه و هي تتحسس شعر المهرة و تسأله مغيرة مجرى الحديث 
بس مش غريبة انك تجوز اخوك الصغير قبل ما تتجوز انت! 
اخذ نفسا عميقا و هو يفكر... ماذا لو علمت أنه متزوج بالفعل!.. و ماذا ايضا لو عرفت ملابسات تلك الزيجة و تفاصيلها!.. حتما ستشمئز منه و يسقط من نظرها ذلك الذي أبهرها منذ ثوان....ان كان قد ندم على زواجه بنرمين.. فلم يكن ندمه أشد من تلك اللحظة التي تقف فيها أمامه الآن. 
أخيرا تحدث و هو يتحاشى النظر في عينيها كناية عن كذبه
مكنش عندي وقت للجواز... مشاكل و املاك هنا.. و شغل الشركة هناك.. غير اني مقابلتش اللي تخليني افكر حرفيا في الجواز. 
رفعت حاجبيها باستنكار 
انت عايز تفهمني انك متعرفتش على بنات في حياتك! 
لا طبعا عرفت كتيير جدا بحكم دراستي في الجامعة و خروجاتي اللي كانت اغلبها في السخنة و الساحل و شرم.. دا غير مجال شغلي.. يا بنتي دي البنات كانت بتتمنى بس نظرة مني.. 
قال عبارته الأخيرة بغرور مع غمزة من عينه الأمر الذي اغاظها كثيرا فسألته بتهكم
اممم.... و مفيش بقى واحدة منهم لفتت نظرك!
ضيق عينيه بتفكير ثم قال بحالمية و دقات قلبه تتسارع معلنة عن هيامه بها
في......بس مش منهم. 
من نظرته الهائمة و نبرته الحنونة التي تحدث بها فهمت أنه ربما يقصدها... ذلك الشاب اللعوب يبدو من غروره و وجهه الآخر الذي أظهره لها أنه يتلاعب بها أو ربما يريد أن يتسلى معها ليثبت لها أنه محط أنظار الفتيات كما قال لها... و لكن على من!.. فهي ليست صيدا سهلا كما يظن. 
انفرج ثغرها بغتة لتصيح و كأنها تذكرت شيئا ما 
شوفت الكلام اخدنا و نسيت أنا كنت جيالك ليه اصلا. 
ابتسم بغموض فقد فهم ما يدور بخلدها و تهربها المقصود من ذلك الحوار الذي بدأته..... حسنا فالأيام بيننا 
خير! 
كنت جاية اديك رقم أدهم عشان تكلمه... انا كلمته و فهمته اللي حصل و قولتله انك عايز تكلمه.
أومأ ثم فتح هاتفه لتمليه الرقم و يقوم بحفظه على هاتفه ثم استأذنت منه و غادرت من أمامه ليعود الى مهرته الصغيرة بحالة جديدة غمرته بها تلك القطة المتمردة...ريم..
في أحد النوادي الراقية بالتجمع الخامس.. 
تجلس دارين مع صديقتها المقربة دنيا... 
اتفضلي يا قلبي... العمل المرادي مضمون مية في المية.. 
التقطت دارين منها زجاحة بنية صغيرة تشبه زجاحة الدواء ثم دستها سريعا في حقيبة يدها ثم قالت بنزق 
شرب تاني يا دنيا!.. هو مفيش حاجة تانية غير الحاجات اللي بتتشرب دي! 
لوحت يدها لتقول 
معرفش بقى يا داري.. هو انا هتشرط على الشيخ دا في دي كمان... انتي متعرفيش انا ببقى مړعوپة ازاي و انا بكلمه. 
لوت شفتيها لجانب فمها لتقول بتافف 
أوف.. انا مش عارفه ازاي متأثرش بالعمل الأولاني زي ما انا عايزة..يا خسارة مالحقتش أفرح بنجاح

الخطة. 
اقتربت منها برأسها لتقول بهمس 
ماهو بيقول تأثير العمل كان ضعيف لأنه محافظ على صلاته و قريب من ربنا.. انما المرادي هو عمل حسابه و عمل سحر أقوى.. بس طبعا انتي عارفة انه كله بحسابه.. 
هزت رأسها و هي تقول بلامبالاة 
ميهمنيش الفلوس.. المهم يحصل اللي أنا عايزاه بالظبط. 
اومأت بتأكيد 
هيحصل متقلقيش.. بس اهم حاجة يشرب منه معلقة على كوباية عصير. 
اومات دارين بشرود ثم سألتها دنيا بترقب 
بس قوليلي هتقابليه ازاي و تشربيه العمل بعد ما قطع علاقته بيكي! 
اجابتها و هي تنظر في نقطة ما في الفراغ 
هتصرف... في فكرة كدا في دماغي هحاول أنفذها.
رواية مهمة زواج. 
بقلم دعاء فؤاد
بسم الله الرحمن الرحيم 
الحلقة السادسة عشر
مهمة زواج 
حين انتصف النهار قامت دارين بالاتصال بأدهم لتستكمل بقية خطتها اللئيمة في بادئ الأمر استغرب من اتصالها بعدما قام بفسخ خطبته بها و لكنه لم ينكر على نفسه أنه مازال يحب رؤيتها و التحدث اليها.. 
ألو... الحمد لله يا دارين.. انتي اللي عامله ايه.. 
بخير يا أدهم.. بعد اذنك كنت عايزة خدمة صغيرة منك. 
أنا تحت أمرك طبعا.. 
مرسي يا أدهم و دا عشمي فيك طبعا... بس ينفع لو مفيش عندك مانع نتقابل و احكيلك على اللي عايزاه! 
سكت مليا يفكر... لم لا!.. فلا ضير من رؤيتها. 
تمام

يا داري مفيش مشكلة. 
ابتسمت حين ناداها بتلك الكنية المحببة اليها ثم قالت بسعادة غامرة 
بجد يا أدهم مش عارفه أشكرك ازاي.. 
على ايه يا بنتي.. عادي.. انتي بالنسبالي حد مهم و مقدرش ارفضلك طلب. 
تنهدت بحالمية ثم سألته بهيام 
بجد يا أدهم! 
أومأ مؤكدا 
أيوة طبعا بجد.. 
طاب حيث كدا بقى نتقابل في كافيه نايل و شوف الميعاد اللي يناسبك. 
خلينا نتقابل ع الساعة ٨ بالليل كدا. 
تمام في انتظارك.. باي
باي. 
أغلقت الهاتف و هي تفكر بتركيز شديد في تلك الخطة المحكمة التي أعدتها لتعيدها على نفسها عشرات المرات قبل ساعات قليلة من تنفيذها.
في مدينة برلين.... 
خرج لتوه بعد عملية عسيرة دامت لأكثر من عشر ساعات يزيح حبات العرق عن جبينه ليبشر ذلك الذي كاد قلبه أن يتوقف من فرط الخۏف و القلق ليقول له بنبرة منهكة 
محمد أنا مش عارف أعزيك ولا أهنيك.... الحمد لله مودة لحد اللحظة دي امورها ماشية تمام و هتخرج من العمليات بعد شوية على جهاز تنفس صناعي لحد ما نطمن ان جسمها اتوافق مع القلب الجديد و مش هيرفضه... انما ميريهان بقى..... البقاء لله. 
تهدل كتفيه من الحزن و کسى الوجوم ملامحه المهمومة فتمتم بصبر و جلد 
انا لله و انا اليه راجعون... الحمد لله على كل حال... ربنا يتمم عملية مودة على خير و يصبرني على فراق أختها... 
قال عبارته الأخيرة ثم انخرط في بكاء مرير اهتز له جسده بالكامل فأخذ الدكتور رؤف يربت على كتفه بمواساة و هو يقول 
خليك جامد للآخر يا محمد.... و شوف كدا هتدفن ميري فين! 
أخذ يمسح عبراته بيده ثم قال بنبرة باكية 
هاخد الچثة و ارجع اډفنها في مصر... عشان لما ارجع مع مودة بالسلامة نبقى نزورها في قپرها علطول.. 
تمام... احجز و شوف إجراءاتك... اكرام المېت دفنه.. 
هز رأسه بايجاب ثم أخذ يفكر في تلك الدوامة التي أخذته الى القاع حتى أنه لا يدري كيف أنه واقفا على قدميه الى الآن... و لكنها تلك القوة التي أمدها الله بها لكي ينقذ ما يمكن انقاذه.
لم يطيق آسر البقاء في عمله... فليس لديه من التركيز ما يعينه على ممارسة مسؤلياته المعتادة فاستأذن من مديره الذي التمس له العذر بعدما علم بما حدث مع خطيبته... 
خرج من المبنى ليسير بسيارته في الشوارع بلا هدف... كل مكان يمر به يراها فيه...فقد مرت معه في كل الأماكن... تركت له ذكرى هنا و أخرى هناك.. يا الهي كيف سيعيش بدونها!.. لقد كان قاب قوسين أو ادنى من خطوة الزفاف.. ذلك العش الذي لطالما انتظره طويلا لكي يجمعهما... جائته تلك الريح العاصفة التي خسفت به الأرض و بقي هو يبكي على الأطلال... 
بينما هو في خضم تيهه بين الشوارع و الطرقات أتاه اتصال من حماه يخبره أن ميريهان قد فارقت الحياة و أنه سيعود بها في الطائرة التي ستصل مطار القاهرة صباح الغد و اغلق الهاتف سريعا قبل أن يسمع من آسر ما لا يرضيه من لوم او عتاب... فهو يجهل الأمر برمته و لا يعلم شيئ عن ضرورة سفر ميريهان مع شقيقتها... 
بمجرد ان انقطع الاتصال أصبح جسد آسر كالهلام... و كأنه جسدا خاويا بلا روح.. نعم يدرك النهاية جيدا و لكن دائما حدوث الحقيقة و تحولها الى امر واقع وقعها صعب على العقل تحمله او استيعابه..
ركن سيارته على جانب الطريق حتى يتمالك أعصابه التي انفلتت منه للغاية و أخذ يلتقط أنفاسه المتلاحقة.... ثم رغما عنه خرج صبره عن السيطرة و صاح بعلو صوته بآهة ألم مزقت كيانه ثم هدأ بعدها قليلا حتى ثقل رأسه و أسندها على تارة القيادة..
عاد من عمله في السابعة مساءا و كانت حينئذ ندى خارجة لتوها من المطبخ و حين سمعت صوت انغلاق الباب توقعت عودته فاستقبلته ببسمة واسعة و كانت مرتدية بيجامة بيتية بنصف كم راسمة تفاصيل جسدها فكانت مٹيرة حقا... اجفلت بخجل حين رمقها بنظرات الاعجاب فاخفضت جفنيها و هي تقول بحياء 
حمد الله على السلامة.. 
الله يسلمك.. 
اقترب منها في حركة فاجئتها و قبل مقدمة رأسها بغرض تقريب المسافات بينهما فازداد خجلها أكثر و لكنها تغلبت على ذلك ثم قالت 
على ما تغير هدومك هكون جهزت العشا. 
رد عليها بتعب 
لا أنا مش هتعشى دلوقتي... عندي مشوار كدا هخلصه و لما ارجع هبقى اتعشى... انا داخل اخد شاور.. 
هزت رأسها باحباط... فهي كانت تتطلع لتناول العشاء برفقته.. 
طاب هعملك ساندوتش تاكله ع السريع.. 
لم يرد أن يحرجها فاومأ موافقا ثم تركها
و سار باتجاه غرفته. 
نزع ملابسه الميري ثم جلس على حافة الفراش حين داهمه صداع قوي فتمدد على الفراش لعل الصداع يقل... 
و لكنه غفى دون أن يشعر من فرط التعب. 
بعد قليل دلفت ندى و بيدها طبق به شطيرتين فوجدته هكذا نائم فاقتربت منه تقف بجواره و هي في حيرة من أمرها... أتوقظه ليأكل و يذهب الى حيث أخبرها أم تتركه يكمل نومه... 
أدهم... أدهم.. 
أخدت تهزه برفق و لكنه لم يصدر عنه أي حركة و كأنه مقتول. 
هزت رأسها باشفاق و وضعت الطبق جانبا ثم جلست بجواره على حافة الفراش تأملته مليا تريد أن تتحسس ملامحه التي تعشقها و لكنها مترددة...تخشى أن يستيقظ من لمستها تلك...و لكنها أقنعت نفسها أنه لا ضرر من الاستمتاع و لو ثواني برائحته التي أدمنتها و كأنها مادة مخدرة لم تعد تستغنى عنها....
فأمالت برأسها عليه تستنشق عبير عطره مستندة بكفها الأيمن على كتفه الأيسر فتذكرت ذلك الحلم الذي راودها في الصباح حين كانت في حلمها بين ذراعيه ټدفن رأسها بين رأسه و كتفه و تتنفس رائحته فابتسمت بحالمية و هي تأخذ نفسا عميقا تملأ بعبيره رئتيها و لكن لحظها العثر سقط شعرها الناعم القصير على عينه ليفتحهما بغتة و كأنه لم ينم لحظة ليجدها مائلة عليه هكذا وفامتدت يده اليمنى الحرة البعيدة عنها لتقبض على ذراعها المستند على كتفه فانتفضت مڤزوعة و قامت سريعا فنهض هو الآخر من نومته ليجلس و هو يمسح وجهه من أثر النوم بينما هي أصابها التوتر البالغ و تجمد الډم في عروقها و وقفت أمامه كالمذنب ثم أخذت تفرك كفيها بتوتر و هي تقول بنبرة مهتزة 
أنا... أنا كنت بصحيك عشان... عشان تاكل و تخرج. 
نظر لها باستنكار و هو يتأمل ارتباكها ثم هتف بدهشة 
في ايه يا ندى ايه اللي حصل يعني.. اهدي كدا... ليه التوتر دا كله.. 
ها!.. 
أشفق على خجلها فقام بتغيير مجرى الحديث 
أنا فعلا جوعت اوي... فين السندوتشات! 
انحنت سريعا لتعطيه الطبق فأخذه منها ثم قضم قطعة من احداهما و سألها و هو يلوك الطعام بفمه 
هو انا نمت كتير! 
هزت رأسها بالنفي 
لا.. انا عملت السندوتشات بسرعة و دخلت لقيتك نايم. 
هز رأسه عدة مرات و هو يتطلع اليها بسرحان فقد حقا أفقدته عقله بقربها الزائد منه...ترى هل حقا كانت توقظه أم انها فعلت معه ما فعله معها ذلك الصباح...
نفض تلك الأفكار عن رأسه ثم نهض من الفراش و هو يقول بجدية 
انا كدا هتأخر على الميعاد.. 
حمحمت
ثم قالت بتهرب 
طاب انا هروح اشوف ماما تيسير.. 
أومأ و لم يعقب فهو أراد ايضا أن يهرب من أمامها بعدما بعثرت كيانه خلال تلك اللحظات و أصبح مشتتا للغاية... هل أحبته أيضا كما أحبها!.... 
بينما هي فرت الي غرفتها و هي تعض على اناملها من الندم... ما كان ينبغي أن تبادر هي بالقرب...ما كان ينبغي أن تلمسه...فهي المطلوبة و لا بد ألا تكون سهلة المنال هكذا..
ظلت تجلد ذاتها و هي تدور بغرفتها ذهابا و ايابا و لم تجرؤ على الخروج منها حتى لا تواجه بعد فعلتها تلك.
و في تلك الأثناء تماما ... 
وصلت دارين الى المقهى مبكرا عن موعدها مع أدهم لتراقب ذلك النادل الذي يدور بصينية المشروبات هنا و هناك فنادته بأدب ليقبل عليها.. 
أي خدمة يافندم! 
ايوة.. انا فعلا عايزة منك خدمة و اللي تطلبه انا تحت امرك. 
التمعت عيناه بطمع فأومأ يحثها على قول طلبها فاستخرجت تلك الزجاجة الصغيرة من حقيبتها ثم قالت له بصوت اقرب الى الهمس 
بص.. انا جوزي جاي يقابلني كمان شوية عشان في مشاكل بينا كدا هنحاول نحلها... اصل في واحدة حيوانة عملتله عمل و خطفته مني و انا عايزاه يرجعلى تاني بأي طريقة.. فأرجوك عايزاك تساعدني و كوبابة العصير بتاعته تحطله فيها من العمل دا عشان يرجعلي.. 
اتسعت عيني النادل باستنكار و اخذ يردد برفض 
لا لا طبعا.. انا مستحيل اعمل كدا.. افرض دا سم يبقى انا كدا قټلته بايدي.. 
اسرعت تقول بلهفة 
لا و الله ماهو سم... انا عندي استعداد اشرب منه قدامك عشان تتأكد... دا مجرد عمل او سحر يعني عشان يرجعلي.. و للأسف لو كان رضي نتقابل في بيتنا كنت اكيد مش هلجأ لحضرتك بس هو مش عايز يرجع البيت حتى نتقابل فيه و نحل مشاكلنا.. الله يخليك يا استاذ ساعدني و المبلغ اللي تطلبه انا تحت امرك... ايه رأيك تاخد ألفين جنيه! 
ألفين جنيه! 
قالها بذهول و هو يحك مؤخرة رأسه بتفكير فحركة كهذه لن تكلفه شيئ و لن تأخذ من وقته ثوان ستدر عليه نصف راتبه تقريبا.. 
حضرتك متأكدة ان دا مش سم... و ان دا مش هيضره ولا يشيلني ذنبه! 
لا لا لا اطلاقا... و الله ما هيجراله اي حاجة.. دا جوزي و

انا هخاف عليه اكتر من اي حد في الدنيا. 
مد يده أخذ الزجاجة بتردد ثم قال بقلة حيلة 
ماشي... بس هاخد الفلوس دلوقتي. 
فتحت حقيبتها لتستخرج المال الذي اعدته مسبقا و ناولته اياه و هي ترسم على شفتيها ابتسامة الانتصار فأخذ منها الأموال و دسها سريعا في جيب سترته قبل أن يراه أحد ثم دس الزجاجة في جيب بنطاله.. 
العصير بتاعه هتحطه قدامه ناحيته بالظبط و انا بسرعة هاخد كوبيتي قبل ما الكوبايات تتبدل. 
أومأ موافقا و هو يرتعش من الخۏف ثم انصرف الى زبون آخر...
في محافظة سوهاج.. 
كانت الأجواء احتفالية و الزينة و الأضواء الملونة منتشرة على امتداد الدوار و صوت الطبل و المزمار يغطي على أي صوت و قد انقسمت حديقة الدوار الكبيرة الى قسمين... قسم للرجال و قسم للسيدات تفصلهما حاجز كبير من قماش الخيام المزخرفة بالنقوش الاسلامية .. 
و قد كان قسم الرجال مكتظ على آخره بأعيان البلدة و البلاد المجاورة و كان حمد يجلس بين الحضور بالجلباب الصعيدي فهو الزي الرسمي لتلك المناسبات. 
كان يجلس و بجواره شقيقه الأكبر يستقبلان الضيوف تارة و يرقصان بالخيول تارة أخرى في اجواء حماسية للغاية.
بينما في الجهة الأخرى تجلس العروس بفستانها الذهبي و طرحتها البيضاء المزرقشة بين السيدات تراقبهن و حسب..و كانت عائشة تحثها على الرقص و لكنها لم تستجب أبدا بحجة الخجل...بينما هي في الحقيقة كانت تنتظر الاشارة من أمها..
و كانت ريم تجلس بين السيدات تصفق على تلك الاغاني الفلكلورية الخاصة بالصعيد وحده و تتابع رقص الفتيات و مستمتعة للغاية بتلك الاجواء الجديدة التي تراها لأول مرة و بالطبع رافقتها مارتينا في التصفيق و الضحك.
على الجهة الأخرى...
همس معتصم بأذن أخيه ببضع كلمات ثم استأذن من الحضور و ذهب باتجاه خيمة النساء و قبل أن يحمحم بصوت عال ليعلمن بقدومه وقف منبهرا تغمره حالة من الاعجاب حين وجد ريم تتمايل مع مارتينا و تضحك بسعادة غامرة و تصفق مرتدية فستان أبيض قصير مزين بزهور حمراء صغيرة يظهر كاحليها و لكن تغطيهما ب ليج ان طويل ابيض و تنتعل حذاء ابيض و حجاب قصير احمر فكانت مميزة و جميلة بتلك الضحكات التي زينت ملامحها المريحة... كما أنه لأول مرة يراها ترتدي شيئا آخر بخلاف البناطيل الضيقة و القمصان الطويلة... يا الهي لقد كاد يفقد عقله من فرط انبهاره بها. 
سرق من الزمن لحظات يتأملها بإبتسامة حالمة و كأنه لم يكن هو...هو حقا بدأ ينسى أنه الكبير في حضرتها...
ثم سرعان ما عاد لرشده مستعيدا هيبته و وقاره و من ثم حمحم بصوت عال حتي تنتبه لهن النساء و يتوقفن عن الرقص وبالفعل قد فعلن... 
أقبل على العروس التي كانت تجلس بين أمه و أمها ثم قال بصوته الغليظ 
مبارك يا عروستنا.... حمد عيدخل دلوق يلبسك الشبكة...ربنا يتمم بخير ان شاء الله. 
أومأت بخجل و هي تنظر أرضا و بعد قليل دلف اليهم حمد و تقدم منهن فنهضت أم صافية لتحضر علبة الذهب فجلس حمد مكانها و هو ينظر بطرف عينه الي عروسه الخجلى فقد كانت جميلة حقا و لكن آه لو اكتمل جمال وجهها بجمال عقلها.. و لكن ليس كل ما يتمناه المرء يناله. 
وقف معتصم خلف شقيقه ثم قام بالباسها الذهب و قامت بالباسه خاتم الخطبة الرجالي ثم علت الزغاريد من قبل النساء و انطلقت الطلقات الڼارية تدوي في السماء.. 
مبارك يا صافية.. 
قالها حمد برقة فابتسمت تلك البسمة التي اظهرت غمزتها الوحيدة فحاول تناسي لقائه الاخير بها و ركز أكثر على تلك الابتسامة الساحرة التي سلبت عقله. 
تقدمت منهما ريم لتبارك لهما فراقبها معتصم بنظرة معجبة لم تخفى عليها و لكنها تجاهلت نظراته و لم تعيره اهتماما ثم قالت برقتها المعهودة 
مبروك يا عروسة.. مبروك يا استاذ حمد... ما شاء الله عروستك زي القمر.. 
الله يبارك فيكي يا دكتورة... عقبالك. 
اتسعت بسمة السيدة ام معتصم لتقول بسعادة 
عجبالك يا بتي... و الله نورتي الجعدة الزينة دي.. 
شكرا يا حاجة.. انا مبسوطة اوي اني في وسطكم النهاردة.. 
أتاها صوت معتصم الغليظ 
عجبالك يا ضكتورة... 
كتمت ريم ضحكتها بشق الأنفس فهناك فارق كبير بين وجهه الآن و وجهه الآخر الخفي و أجابته و هي تكتم ضحكتها بصعوبة 
ميرسي يا معتصم بيه.. عقبالك انت كمان. 
بالطبع لاحظ ضحكتها التي تحاول اخفائها و قد فهم سبب تلك الضحكة فابتسم هو الآخر محاولا كبت ضحكته... فلولا ذلك الجمع من الناس لاڼفجرا سويا في الضحك. 
عادت ريم لمجلسها بجوار مارتينا و هي تتحاشى النظر تجاهه بينما هو غادر مجلس النساء سريعا قبل أن تفضحه نظراته لها بينهن.
رن هاتف ريم التي كانت تحمله بيدها طيلة الوقت و قد كانت أمها هي المتصل... 
مارتينا انا هخرج برا
اكلم ماما اصل الصوت هنا عالي اوي و مش هنسمع بعض.. 
أومأت لها ثم تابعت التصفيق و الغناء بينما ريم فتحت الخط بعدما ابتعدت كثيرا عن محيط الحفل حتى يتثنى لها سماع أمها... 
استمرت المكالمة بينهما دقائق قليلة اطمئنت خلالها تيسير على ابنتها المغتربة ثم انتهى الاتصال.. 
و لم تكد ريم تخطو خطوة واحدة في طريق عودتها للدوار حتى سمعت نباح الكلاب يأتيها من الاتجاه الذي من المفترض أن تسير ناحيته انقبض قلبها و تجمدت الډماء في عروقها حين ظهرت لها من العدم مجموعة من الكلاب تنبح بقوة و كأنها تنتظر اشارة الھجوم عليها... 
ازدادت ضربات قلبها بالتزامن مع زيادة معدل التنفس من فرط الخۏف و لم تجد بدا من الركض من أمامهم لعلها تنجو بنفسها فركضت في الجهة الأخرى بعيدا عن الدوار لتركض الكلاب بدورها خلفها و يا ليتها ما فعلت... 
أدركت انها أخطأت حين ركضت فقد ازدادت الكلاب شراسة و ازداد ركضهم خلفها و لكنها استمرت في الركض على ايه حال و هي تبكي من الخۏف و تكاد تسقط في أي لحظة... 
و لكن لسوء حظها لحقها أحد الكلاب لينهش كاحلها فصړخت بعلو صوتها من شدة الألم و الخۏف بذات الوقت و لكن من سيسمعها في هذا الطريق الزراعي الغير مأهول بالسكان.. 
يبدو أن الكلاب قد خاڤت فتركتها مسجية على الأرض و انسحبت بعيدا عنها... بينما بقيت هي تتنفس بصعوبة بالغة و جسدها متعرق للغاية و ينتفض من شدة الخۏف... فان نجت من الكلاب.. فهل ستنجو من الظلام الدامس الذي يحيطها!.. ثم من أين لها طريق العودة! 
انكمشت على نفسها على جانب الطريق الترابي تنتظر النجاة و هي تحاول السيطرة على حالة الهلع التي أصابتها و لكن الأمر قد خرج عن السيطرة.. تبا لتلك الحالة التي ستفقدها حياتها يوما.. 
اوشك الحفل على الانتهاء و قد انتاب القلق مارتينا فريم لم تعد بعد.. 
قامت بالاتصال بها عدة مرات و لكن في كل مرة ينفتح الخط و لا تجيب الأمر الذي أثار رعبها عليها و لم تجد بدا من اخبار معتصم لعله يساعدها.. 
حين أخبرته بما حدث صاح بها بحدة 
غايبة بقالها اكتر من ساعة و لسة جاية تقوليلي دلوقتي! 
ردت پبكاء 
انا انا اتلهيت في الفرح و... 
قاطعها بزمجرة عالية ينادي بها على سمعان 
سمعااااان.. 
هرول اليه الخفير في لحظات ليهتف به بصوت جهوري 
خود الرچالة و اجلب البلد على الضاكتورة ريم... و لو لاجيتها رن عليا طوالي.. 
أوامرك يا كبير. 
عيشة.. 
أقبلت عليه أخته و هي في حالة من الذهول من قلق أخيها المبالغ فيه ليهتف بها 
خودي نعمة و دوري في الدوار قوضة قوضة... و المضيفة قمان.. 
أومأت بخنوع ثم ذهبت الى داخل الدوار بينما الحاجة ام معتصم كادت تبكي من القلق و أخذت تدعو لها بالرجوع سالمة.. 
وينه حمد! 
أجابته أمه 
حمد ادلى يوصل عروسته و خواتها لدارهم يا ولدي.. 
أخذ نفسا عميقا ثم استل هاتفه من جيبه ليتصل ب ريم لعلها تجيبه و بالفعل فتحت الخط و لكن صوتها يأبى الخروج و لكن على الأقل اطمئن أنها ربما تكون بخير....... 
ركض خارج الدوار و الهاتف على أذنه ليحثها بقوة على الرد 
ريم... انتي فين... ردي عليا يا ريم أنا معتصم.. 
حين أتاها صوته أجهشت في بكاء مرير وصل إليه الأمر الذي دب الړعب في أوصاله و أدرك أن حالة الهلع قد أصابتها و بالطبع السبب مرعب.
ابتلع ريقه بصعوبة من فرط القلق ثم قال بهدوء
ريم عشان خاطري اهدي و اتنفسي براحة عشان اعرف مكانك و اجيلك أخدك.
أيضا لا رد...فقط شهقات عالية هو كل ما يستطيع سماعه اخذ يركض بعيدا و بعيدا لعله يراها و الخط مفتوح ثم قال و هو يكاد يفقد عقله
ريم انا معاكي ع الخط مټخافيش...انا معاكي يا حبيبتي مش هسيبك..اهدي عشان خاطري..حاولي تتنفسي براحة عشان صوتك يطلع...قوليلي انتي فين!
بالكاد استطاعت ان تقول
معرفش..
أحس بقليل من الارتياح حين أتاه صوتها ثم حثها على التحدث
طاب انتي شايفة الزينة و النور اللي في الدوار!
لأ..انا...بعيد..
أغمض عينيه بړعب ثم واتته فكرة ليقول و هو يركض ابعد و ابعد
طاب عايزك تركزي معايا كويس...افتحي ال من تليفونك و ابعتيلي مكانك..
لم ترد و انما قامت بما قاله بيدين مرتعشتين فأتته رسالة بموقعها فتنفس الصعداء ثم قام بخلع جلبابه الذي أعاق حركة ركضه و ألقاه على الطريق و بقي بالسروال و بادي كات رجالي ثم تتبع ال جريا حتى ينقذها سريعا قبل أن يصيبها مكروها حتى تقريبا وصل لمكانها...
قد انقبض قلبه حين تبين
له أنها قابعة هنا بهذا الطريق المهجور حيث تكثر الحيات و العقارب و لكنه لا يراها...أخذ ينادي بملئ فمه
رييييييم....ريييم انتي فين...ريييم..
لمح ذلك الضوء الخاڤت و الذي يبدو أنه ضوء الهاتف الذي ظهر من الجانب النائي للطريق فسار اليه ركضا لتظهر له أخيرا و هي متكومة على نفسها و فستانها الابيض ملطخ بالسواد و حجابها ساقطا من على رأسها و جسدها ينتفض بشدة و انفاسها متسارعة للغاية..
ريم..
بمجرد أن سمعت صوته و رفعت رأسها إليه فرأته أمامها.. و هو يغمض عينيه پألم يعتصر قلبه لأجلها...لقد كاد أن يفقدها...كان كالمچنون قبل أن يجدها...لا يدري كيف وجد ذلك الهدوء و العقل اثناء بحثه عنها..
كلما تخيل أنها بقيت أكثر من ساعة بمفردها في ذلك المكان الموحش يكاد قلبه ينخلع كيف تحملت ذلك... تلك الرقيقة التي تشبه قطعة البسكويت في رقتها.. كيف تحملت البقاء هنا.. و ماذا لو لم يكن هاتفها معها.. كيف ستسير الأمور حينها... و ألف كيف و ماذا سألها لنفسه... 
أخذ يردد على أذنيها من الكلمات

ما يهدئها بنبرة شبه باكية 
أنا آسف...حقك عليا أنا...أنا خلاص جيتلك و مش هسيبك يا ريم...اهدي يا حبيبتي..اتنفسي براحة انتي خلاص في أمان... انا مش عارف بس ايه اللي خلاكي تبعدي عن البيت كدا.. ليه بس!. ليه! 
بدأت تهدأ رويدا رويدا بعدما شعرت بذلك الأمان الذي أخرجها من تلك الحالة المزعجة حتى كادت أن تفقد وعيها...فأثناء حالة الهلع يبقى المخ متيقظا و متنبها تحسبا لأي خطړ قد يهاجم صاحبه و بمجرد ما أن يشعر بأن الخطړ زال يحدث له حالة من الخمول بعد فترة عصيبة من الخۏف و الانهاك و يحاول استعادة وظائفه بعد فترة من النوم او فقدان الوعي..
ريم..اوعي تنامي..خليكي صاحية عشان نعرف نرجع.
هزت رأسها المستندة على كتفه بايجاب فأبعدها قليلا ليرى وجهها فوجدها تفتح عينيها بصعوبة فسألها بترقب
هتقدري تمشي!
هزت رأسها بنفي فسألها بتردد
أنا كدا مضطر أشيلك.
لم ترد كناية عن موافقتها فكل ما يشغل بالها الآن أن تعود للدوار لتهرب من ذلك الکابوس و تنام لعله ينمحي من ذاكرتها.
هم بالنهوض لكي يتمكن من حملها إلا أنها صړخت پألم حين لمس كاحلها فأصابه الفزع و قام بتفقد كاحلها ليرى اذا ما كان قد انكسر و لكن وجد به آثار لأسنان كلب فنظر لها بړعب و هو يقول
ايه دا!...هو في كلب عضك!
هزت رأسها بايجاب و هي تبكي فأخذ يسب و يلعن و قد اتضحت له الصورة..
طاب لازم نرجع الدوار بسرعة عشان
نشوف هنعمل ايه في الچرح دا...أنا هشيلك و مټخافيش مش هلمس رجلك..
أومأت و هي تحاول السيطرة على بكائها فأحكم الحجاب حول رأسها أولا و غطى ساقيها بالفستان جيدا حتى تكون مستورة ثم حملها بخفة و كأنها لا تزن شيئ و تعلقت بعنقه بضعف و سار
 

تم نسخ الرابط