في يوم من الايام حكايات زيزي
يبص فيها.
سألته إيه الصورة دي؟
ناولني إياها.
كانت صورة لأبويا واقف قدام المستشفى، وبجانبه شاب صغير، وعلى ضهرها مكتوب
الشخص اللي أنقذ العيلة من الانهيار... هو نفسه الشخص اللي اتهمناه بالخيانة.
قلبت الصورة تاني، وركزت في ملامح الشاب.
وفجأة افتكرت حاجة!
قلت بصوت مرتعش
أنا شوفت الراجل ده قبل كده... ده نفس الشخص اللي كان بيزور أبويا في البيت، وكان بيجيبلي هدايا وأنا صغيرة!
ريتشارد قرب مني بسرعة وقال
إيميلي، إنتِ متأكدة؟
هزيت راسي.
وفجأة موبايل هنري رن.
رد، وسمعنا صوت يوسف منصور المحامي
أنا لازم أقابلكم فورًا. اكتشفت إن فيه وصية تالتة، ودي محدش منكم يعرف بوجودها.
إدوارد سأله وصية تالتة؟ وإمتى اتكتبت؟
يوسف رد
قبل وفاة جدتك بيوم واحد... لكن فيه مشكلة.
سأله هنري مشكلة إيه؟
يوسف سكت شوية، وبعدها قال
الوصية مش مكتوبة باسم أي واحد من أولادها أو أحفادها... الوصية مكتوبة باسم شخص من خارج العيلة.
وقبل ما يقفل المكالمة، قال جملة خلت ريتشارد يقع على الكرسي من الصدمة
والشخص ده كان عايش معاكم في نفس البيت، وكان عنده مفتاح لكل الأبواب!
بصيت لكل الموجودين، وبدأت أحاول أفهم مين المقصود.
لكن المفاجأة إن إدوارد قرب مني وهمس
إيميلي... أنا بدأت أشك إن الشخص ده مش غريب عنك زي ما إحنا فاكرين.
يتبع...
الجزء الأخير الحقيقة اللي أبويا أخفاها طول عمره!
فضلت باصة لإدوارد وأنا مش فاهمة قصده.
قلتله يعني إيه مش غريب عني؟ مين الشخص ده؟
إدوارد خد نفس طويل وقال
الشخص اللي جدتك كتبت الوصية الأخيرة باسمه كان اسمه يوسف منصور... لكنه مكنش مجرد محامي للعيلة. كان صديق والدك من أيام الشباب، وكان بيعتبره أخوه.
استغربت وقلت طب ليه يورثه جدتي؟
إدوارد فتح الملف الأخير، وطلع منه شهادة قديمة، وقال
لأن يوسف هو اللي أنقذ ممتلكات العيلة من الضياع، وهو اللي اكتشف التلاعب في الأوراق قبل ما يحصل أي ضرر.
هنري كمل
جدتك كانت عايزة تكافئه، لكنها اشترطت إنه يحتفظ بجزء من الممتلكات كأمانة، لحد ما الحقيقة تظهر وتوصل الحقوق لأصحابها.
بصيت لريتشارد وقلت طب وإنت ليه أخفيت كل ده؟
ريتشارد نزل راسه، وبعد صمت طويل بدأ يتكلم
أنا كنت صغير وقتها، وكنت فاكر إن الحفاظ على ممتلكات العيلة أهم من أي حاجة. لما اكتشفت إن فيه مستندات اتغيرت، خفت الفضيحة تكبر وتفرقنا. فقررت أسكت، وافتكرت إن الموضوع هينتهي مع الوقت.
إدوارد رد بحزن
لكن سكوتك خلّى ناس بريئة تتحمل نتيجة أخطاء غيرها.
ريتشارد عينه دمعت وقال
عارف... وعلشان كده أنا مستعد أتحمل مسؤوليتي وأرجع كل حق لصاحبه.
في اليوم التالي، قابلنا يوسف منصور في مكتبه.
كان راجل كبير في السن، هادي، ولما شافني قام من مكانه وسلم عليا.
قال إنتِ شبه أبوكي جدًا يا إيميلي.
ابتسمت وقلت أنا عايزة أعرف الحقيقة كاملة.
فتح خزنة مكتبه وطلع الوصية الأخيرة.
كانت جدتي كاتبة فيها بوضوح إنها عايزة ممتلكاتها تتقسم بالعدل بين أحفادها، وإن أي جزء اتنقل بطريقة غير قانونية لازم يرجع لأصحابه.
أما يوسف، فكان مجرد أمين على المستندات، مش مالك للميراث زي ما فهمنا في البداية.
طلع كمان تسجيل صوتي لجدتي، سجلته قبل وفاتها بيوم.
سمعنا صوتها وهي بتقول
أنا مش خايفة على فلوسي ولا أرضي، أنا خايفة إن ولادي يورثوا الخلاف بدل المحبة. عايزة كل واحد يعرف إن العيلة مش بتتقاس بحجم اللي بيملكه، لكن بحجم الأمانة اللي بيحافظ عليها.
في اللحظة دي، ريتشارد انفجر في العياط.
وقال لإدوارد
سامحني يا أخويا. أنا ضيعت سنين من عمرك بسبب خوفي وعنادي.
إدوارد قرب منه، وحط إيده على كتفه وقال
أنا مش عايز منك فلوس، أنا عايز أخويا يرجع زي زمان.
واتعانقوا بعد غياب سنين طويلة.
لكن كان لسه فيه سؤال محيرني.
طلعت صورة أمي اللي لقيتها في الصندوق، ووريتها ليوسف.
سألته مين الطفلة التانية اللي في الصورة؟ وليه شهادة الميلاد كانت مختلفة؟
يوسف ابتسم وقال
دي بنت خالتك، كانت والدتك بتساعد في رعايتها بعد وفاة أمها. أبوكي وأمك كانوا بيعتبروها بنتهم، وكانوا مسؤولين عنها فترة طويلة. وعشان كده فيه أوراق قديمة اتجمعت مع أوراقك، وده سبب اللخبطة اللي حصلت في المستندات.
فهمت أخيرًا إن اختلاف الصور والشهادات مكنش معناه إن حياتي كلها كانت كذبة، لكنه كان نتيجة سر عائلي اتعاملوا معاه بطريقة غلط.
أما الشخص اللي ظهر في كاميرات الفندق، فطلع موظف قديم عند المحامي، كان بيدور على مستندات تخص قضية الميراث، ومكنش يعرف إننا وصلنا للحقيقة.
وبعد مراجعة الأوراق، اتضح إن جزء من ممتلكات جدتي اتصرف فيه بشكل غير سليم، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية لاسترداد الحقوق وإعادة تقسيم الميراث حسب الوصية الأصلية.
بعد شهور، رجعت الحياة للعيلة بشكل مختلف.
إدوارد رجع يتواصل مع باقي أفراد الأسرة، وريتشار드 بقى يزورني كل أسبوع.
وفي يوم، سلمني عمي صندوق صغير وقال
ده كان عند أبوكي، وكنت مستنيه الوقت المناسب عشان أديهولك.
فتحته، ولقيت جواه ساعة أبويا القديمة، ورسالة قصيرة.
بنتي إيميلي...
لو وصلتي لليوم ده، يبقى عرفتي إن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم تظهر.
متخليش أسرار الماضي تسرق منك فرحة الحاضر، ومتسمحيش لأي خلاف على المال يضيّع منك الناس اللي بتحبك.
أنا فخور بيكي، وعارف إنك هتقدري تجمعي العيلة من جديد.
حضنت الساعة ودموعي نزلت من غير ما أحس.
لأول مرة من سنين، حسيت إن جزءًا كبيرًا من الحمل اللي كنت شايلاه جوايا اختفى.
وبعد فترة، اجتمعت العيلة كلها في بيت جدتي القديم.
وقفت في نفس الغرفة الشرقية اللي بدأت فيها الحكاية، وبصيت للصورة القديمة اللي كانت سبب كل الأسرار.
ساعتها فهمت إن أخطر حاجة مش إن الناس تخبي أسرار...
أخطر حاجة إن الخوف من الحقيقة يخلي الإنسان يضيّع سنين من عمره، ويظلم أقرب الناس ليه.
ومن يومها، احتفظت بالصندوق الخشبي في بيتي، مش عشان أفتكر الخلافات، لكن عشان أفتكر إن الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها عمرها ما بتضيع طول ما فيه حد عنده الشجاعة يدور عليها.
تمت