هزقوني وذلوني محمد نور

لمحة نيوز

عشان قامت بواجبها؟
الاجتماع اللي غير كل حاجة
بعد شهر، بعت لي مجلس إدارة المستشفى دعوة رسمية لحضور اجتماع.
المرة دي ماكانتش نادية موجودة. كان فيه الدكتور توماس ريد، المدير الطبي المؤقت الجديد، ومعاه ممثلين عن المجلس والموارد البشرية.
أول ما دخلت، توماس وقف وقال
دكتورة ملك، قبل أي إجراءات إدارية، إحنا جايين نعتذر لك رسميًا باسم المستشفى كله.
ومد لي جواب رسمي.
قريته بهدوء.
المستشفى بيعترف إن العقۏبة وقرار الفصل اللي صدروا بحقي باطلين، وقرر إلغاء الجزاءات ورد كل حقوقي المالية، وتصحيح سجلاتي رسميًا، والتأكيد إن مفيش أي سلوك غير مهني صدر مني.
ده كان كل اللي طلبته من أول يوم، لكنه للأسف جه متأخر جدًا.
إحنا بنعرض عليكي ترجعي لمنصبك كرئيسة لقسم جراحة الطوارئ والاستقبال، وبالشروط المالية والإدارية اللي تناسبك.
بصيت له
إيه اللي اتغير دلوقتي؟
راجعنا سياسات المستشفى، وشكلنا لجنة أمان مستقلة، ومبقاش فيه تعيينات من غير تقييم حقيقي للكفاءة، ووفرنا حماية للأطباء من الضغوط الإعلامية.
يسعدني أسمع كده.
ابتسم
يعني وافقتِ؟
حطيت الجواب على الترابيزة وقلت
لا.
الصمت اللي حل في الأوضة كان كاملًا.
ممكن نعرف السبب؟
أخدت نفس طويل وقلت
طول تلات سنين كنت فاهمة إن الإخلاص معناه أستحمل أي ذل، وإن إنقاذ حياة الناس معناه أدوس على كرامتي وحدودي الإنسانية.
بصيت لكل الموجودين
كنت بشتغل شيفتات زيادة عشان نقص العمالة، وبغطي أخطاء الإدارة، ولما احتجت حد يدافع عني في قرار طبي سليم، المستشفى رمتني قدام الغوغاء عشان تحافظ على صورتها.
محدش رد.
أنا مش هرجع لمكان كرامتي فيه بتعتمد على مزاج شخص محتاج مهاراتي النهارده وممكن يرميني بكرة.
توماس نزل عينه
إحنا متفهمين قرارك.
قمت وقلت
أنا موافقة آخد حقي القانوني ويترد اعتباري في ملفي، لكن مشوار مهنتي هيكمل في مكان تاني.
وأنا خارجة، لقيت سوسن واقفة في الطرقة ودموعها في عينيها.
إنتِ رايحة فين يا ملك؟ مش راجعة؟
هزيت راسي
لأ يا سوسن.
هنفتقدك جدًا. المستشفى من غيرك هتقع.
حضنتها
إنتوا مش محتاجين ملك لوحدها تشيل الشغل. إنتوا محتاجين نظام صحي محترم يشتغل صح حتى لو مفيش ملك.
ضحكت وسط دموعها
شكلك عندك حق كالعادة.
وإنتِ كمان لازم تنامي كويس وتبطلي سهر.
ضحكنا وودعتها.
مكالمة نادية الأخيرة
بعد تلات أيام، وأنا بلم كراتين البيت استعدادًا للنقل، جالي اتصال من رقم مجهول.
رديت، وكان صوت نادية.
كان صوتها مكسور وكأنها كبرت عشر سنين.
يا ملك..
ما رديتش.
عرفت إنك مش هترجعي المستشفى.
مظبوط.
عمر كان عايز يشكرك بنفسه، وهو كويس الحمد لله.
الحمد لله، ربنا يعافيه.
سكتت شوية، وبعدين قالت
أنا خسړت شغلي يا ملك.

التحقيق مستمر، وغالبًا مش هرجع تاني.
استنيتها تكمل
وحبيبة كمان حالتها النفسية مدمرة ومش عارفة تشتغل.
أتمنى تتعلم تبدأ صح بمجهودها، مش بالمحسوبية.
أخدت نفس مرتعش
إنتِ مش متخيلة القسۏة اللي عشتها أنا وعيلتي الفترة دي.
افتكرت اليوم اللي وقفت فيه قدامها، وهي بتأمرني أقرأ اعتذار كاذب قدام الموظفين، من غير ما تحس بأي شفقة عليّ.
يا نادية، يوم ما عاقبتيني وطردتيني، ما فرقش معاكي إيه اللي هيحصل لحياتي ومستقبلي.
كنت فاكراكي هتعدّيها وتستحملي.
وده كان أكبر غلط ارتكبتيه.
صوتها اترعش
ممكن.. ممكن تسامحيني؟
بصيت للكراتين المترصوصة حواليا.
لأسابيع طويلة كنت بحلم أسمع المكالمة دي، ومتخيلة إني هفرح وهي بتترجاني.
لكن الحقيقة إني ما حسيتش پشماتة ولا فرحة. كل اللي حسيت بيه كان تعب كبير وراحة أعمق.
أنا مش محتاجة أكرهك عشان أكمل حياتي يا نادية، لكن برضه مفيش قوة في الدنيا تجبرني أسامحك أو أرجع للي كان.
يا ملك...
مع السلامة يا نادية، واهتمي بابنك كويس.
قفلت الخط، وما رنتش تاني أبدًا.
المكان اللي محدش سمع فيه عن الفيديو
بعد شهرين، بدأت شغل جديد في مركز نورثبريدج الطبي، وهو مستشفى كبير ومتخصص في الطوارئ وجراحات الإصابات الحرجة.
العرض وصلني عن طريق دانيال، اللي رشحني لمدير الجراحة هناك.
المقابلة كانت صارمة. راجعوا خبرتي ونتائج عملياتي وتوصيات الأطباء، وحتى قرار إلغاء الجزاءات.
محدش اختارني بسبب فيديو أو شهرة على السوشيال ميديا.
اختاروني بسبب كفاءتي وتاريخي المهني.
في أول يوم، رئيسة القسم الجديدة، ريبيكا هايز، أخدتني في جولة وقالت جملة عمري ما هنساها
هنا يا ملك، عندنا قاعدة أساسية مش مستنيين دكتورة واحدة تشيل المستشفى على كتافها وتتحرق.
بصيت لها باستغراب.
ابتسمت وكملت
عندنا فرق دعم وبدائل وأوقات راحة إجبارية. تقدري تكوني ممتازة في شغلك من غير ما تدمري صحتك ونفسيتك.
الكلام ده لمس حتة حساسة جوايا. ماكنتش عارفة إني محتاجة أسمعه بالشكل ده.
في أول أسبوع، دخلت عملية طوارئ صعبة مع اتنين من زمايلي. المړيض خرج حي وبقى مستقر.
خلصنا التقارير والتسليم الطبي، وكل واحد رجع بيته في معاده.
محدش طلب مني أقعد أربع ساعات زيادة بسبب سوء التنظيم، ومحدش اعتبر وجودي في أي وقت واجب إجباري.
كانت حياة طبيعية جدًا، لدرجة إني حسيت إني عايزة أعيط من الراحة.
وفي يوم، وأنا خارجة من المستشفى، وصلتني رسالة من إيهان، معاها صورة جديدة.
كان واقف على رجليه جنب مراته وولاده الاتنين في الجنينة، من غير عصاية ولا مساعدة.
وتحت الصورة كتب
النهارده قدرت أخرج مع ولادي للجنينة لأول مرة. شكرًا يا دكتورة إنك رجعتي لي الحياة دي.
فضلت باصة للصورة فترة طويلة.
شهور وأنا بلوم نفسي وبسأل هو أنا غلطت لما اخترت أبقى دكتورة؟
الرسالة دي كانت الرد.
مش عشان منصب أو تصفيق الناس، لكن عشان فيه بشړ قدروا يرجعوا لبيوتهم وأولادهم أحياء بفضل فريق طبي اشتغل بإخلاص.
بعد سنة كاملة
المستشفى القديمة غيّرت سياسات كتير بعد التحقيقات.
توماس بعت لي رسالة قال فيها إنهم شكلوا لجنة أمان مستقلة، وبقوا يراجعوا التعيينات ويحطوا رقابة صارمة على أرشيف الفيديوهات الطبية.
ودانيال خرج على المعاش بعدها بكام شهر.
وفي آخر جواب بعته لي كتب
يا ملك، أوعي تلخبطي بين إنك إنسانة مهمة وبين إنك مجبرة تستحملي الإهانة. الطبيب الكويس بينقذ حياة، والمؤسسة الكويسة بتحمي اللي بينقذوها.
احتفظت بالجواب في درج مكتبي.
أما كريم، فالخطوبة انتهت للأبد، وما شفتوش تاني.
أحيانًا حد كان بيسألني إذا كنت فكرت أديه فرصة تانية، وكنت بجاوب
أنا مش مستعدة أشارك حياتي مع إنسان بيعتبر نجاحي ومهنتي تهديدًا لغروره.
وحبيبة، حسب كلام زمايلي، بدأت تتلقى تدريبًا إكلينيكيًا تحت إشراف صارم.
يمكن
في يوم تبقى جراحة ممتازة فعلًا، لكن لازم الأول تتعلم درس مش موجود في أي شهادة التواضع ومعرفة حدود خبرتها قبل ما تتحمل مسؤولية أكبر منها.
أما أنا، فرجعت لهوايتي القديمة، رياضة المبارزة بالسلاح في النادي.
ما بقيتش بروح أطلع ڠضبي، بقيت بروح عشان بحبها فعلًا.
فهمت إن حياتي أكبر بكتير من صوت الأجهزة وأنوار غرف العمليات.
وفي يوم، بعد تمرينة حلوة، اتصلت بيا ريبيكا
يا ملك، عندنا حالة جراحية دقيقة بكرة. تيجي نراجع الخطة سوا الصبح على القهوة؟
بكل سرور يا ريبيكا.
ممتاز. ويلا روحي استمتعي ببيتك ووقتك بره.
قفلت المكالمة وأنا ببتسم.
قبل سنة، أي مكالمة من المستشفى كانت بتلغي مواعيدي وتهد بيتي.
دلوقتي بقت معناها إن عندي شغل عظيم بحبه، لكن مش شغل بقى هو سيد حياتي ومالك روحي.
وأنا بلم أدوات الرياضة في الشنطة، افتكرت الليلة اللي قطعت فيها هدوم مريض الطوارئ عشان أوقف نزيفه.
لو رجع بيا الزمن لنفس اللحظة وبنفس الظروف، هعمل نفس القرار الطبي بكل ثقة ومن غير تردد.
الحاجة الوحيدة اللي مستحيل أكررها، إني أسمح لجبن الناس أو عقدهم أو مصالح الإدارات الفاشلة إنها تحدد قيمة تعبي وشغلي.
عاقبوني لأني أنقذت حياة، وبعدها جريوا يترجوني لما حسوا بالخطړ بنفسهم.
لكن مكسبى الحقيقي ماكانش
إني أسمع اعتذارهم أو أشوفهم بيقعوا من كراسي السلطة.
مكسبى الحقيقي إني فهمت إني مش محتاجة أشوفهم بيتعاقبوا عشان أقف على رجلي تاني.
وإن إنقاذ حياة الآخرين عمره ما كان معناه إن الإنسان يرمي نفسه في الڼار ويدمر حياته هو كمان!

 

تم نسخ الرابط