بنتي أقنعتني أبيع بيتي اللي عشت فيه 40 سنة عشان أعيش معاها.. ولما سمعتها بتقول لجوزها هتاخد مني 45 ألف جنيه كل شهر، اكتشفت إن ورا بيع البيت سر عمري ما كنت أتخيله!
قروض متأخرة ومصاريف خاصة بالشغل.
فضلت باصة لها.
وبعدين سألتها السؤال اللي كان واجع قلبي من ساعة ما شفت التفويض.
إنتِ كنتِ عارفة إن فيه ورقة اتقدمت عليها إمضتي، وأنا ما مضيتهاش؟
باتريشيا سكتت.
ما ردتش.
قربت منها خطوة وقلت
بصيلي يا بنتي. أنا محتاجة أعرف الحقيقة.
رفعت عينيها بالعافية.
وبعد لحظات، هزت راسها بالموافقة.
وقالت
روبرتو ورّاني الورقة... وأنا كنت عارفة إنك ما مضتيش عليها. بس افتكرت إنك في الآخر هتوافقي.
حسيت إن قلبي اتكسر.
مش عشان الفلوس.
ولا حتى عشان البيت.
لكن عشان بنتي كانت عارفة إن فيه ورقة بإمضتي من غير موافقتي، وسكتت.
بصيتلها وقلت
إنتِ طلبتي مني أبيع البيت اللي إنتِ نفسك اتربيتي فيه.
وسكت لحظة، وبعدين كملت
أقنعتيني أوزّع عفشي وأسيب كل حاجة ورايا. وبعد ده كله، كنتِ ناوية تاخدي مني 45 ألف جنيه كل شهر عشان أعيش معاكي!
باتريشيا بدأت تعيط أكتر.
وقالت
إحنا كنا مضطرين يا ماما... كنا في أزمة ومش عارفين نعمل إيه.
رديت عليها
كان ممكن تطلبي مني المساعدة يا باتريشيا.
بصتلي.
فكملت
لكن بدل ما تطلبي مساعدتي، قررتي تستغلي ثقتي فيكي.
قامت من مكانها وحاولت تحضني.
لكن أنا رجعت خطوة لورا.
بصيتلها وقلت
أنا لسه بحبك يا باتريشيا. وإنتِ هتفضلي بنتي مهما حصل. لكن محتاجة وقت طويل عشان أقدر أثق فيكي تاني.
فضلت واقفة قدامي وهي بتعيط.
وأنا كنت حاسة بوجع عمري ما تخيلت إني ممكن أحسه بسبب بنتي.
مرت الأيام.
وبعدين الأسابيع.
وبعدها الشهور.
والإجراءات القانونية كانت لسه مستمرة.
روبرتو وباتريشيا اضطروا يردوا على الأسئلة المتعلقة بالمستندات اللي استخدموها، والفلوس اللي استلموها، واللي حصل فيها.
وشركة العقارات طالبت باسترداد المقدمات اللي كانت اتدفعت.
وبدأت الأطراف الموجودة في الصفقة تحاول تسوي التزاماتها المالية.
أما بيع بيتي، فما تمش أبدًا.
فرناندو قدر يثبت وجود نزاع حقيقي بخصوص شروط العقد المبدئي، وساعدني أدافع عن نفسي ضد الشرط الجزائي الكبير اللي كانوا عايزين يلزموني بيه.
وفي النهاية، وصلنا لتسوية رسمية موثقة أنهت الصفقة كلها، من غير ما أكون مضطرة أتنازل عن بيتي.
بيتي فضل ملكي.
البيت اللي عشت فيه 40 سنة.
البيت اللي ربيت فيه بنتي.
والبيت اللي جوزي قضى فيه آخر أيام حياته.
لكن رغم إني قدرت أحافظ عليه، كان فيه حاجات خسرتها.
العفش اللي بعته أو وزعته ماقدرتش أرجعه كله.
سفرة الأكل القديمة كانت راحت.
وحاجات كتير كانت مرتبطة بذكريات جميلة اختفت من البيت.
لكن مع الوقت، اكتشفت إن ممكن أرجّع الحياة لبيتي من جديد، حتى لو مش كل حاجة رجعت زي الأول.
كارمن، جارتي وصاحبتي، وقفت جنبي.
وساعدتني ألاقي سفرة خشب شبه السفرة القديمة اللي كانت عندي من سنين.
وفي يوم، بنت أختي عرفت إني قررت أفضل في بيتي.
فجت تزورني.
وكانت شايلة معاها طقم الأطباق اللي كنت اديتهولها قبل ما أبيع البيت.
حطته قدامي وقالت
يا خالتي، الطقم ده دايمًا كان جزء من حكايتك وذكرياتك.
وبدأنا نرص الفناجين والأطباق على السفرة.
كنت ببص عليها وأنا حاسة إن جزء جميل من حياتي رجعلي.
شوية بشوية، البيت بدأ يرجع فيه الروح.
ما بقيتش أقعد طول اليوم لوحدي وأفكر في اللي حصل.
اشتركت في ورشة لتعليم الرسم لكبار السن.
وبدأت أتعرف على ناس جديدة.
وكمان بقيت أعمل قعدة أسبوعية مع صاحباتي في البيت.
نقعد نشرب قهوة ونتكلم ونضحك ونحكي عن أيام زمان.
واتفقت مع خدمة مساعدة منزلية تيجي وقت ما أحتاج مساعدة في بعض الأيام.
واكتشفت حاجة مهمة جدًا.
إني ممكن أطلب المساعدة من غير ما أتنازل عن استقلالي أو حقي إني أقرر أعيش فين.
أما باتريشيا، فبعد مرور شهور بدأت تزورني من جديد.
في الأول، كانت الزيارات صعبة.
كلامنا كان قليل.
وفيه حاجات كتير بينا لسه ما اتصلحتش.
وأنا عمري ما حاولت أمثل إن اللي حصل اتنسى.
لكن باتريشيا بدأت تتكلم معايا بصراحة.
وبطلت تضغط عليّا عشان آخد أي قرارات تخص بيتي أو فلوسي.
وفي يوم من الأيام، جت تزورني ومعاها أحفادي.
أول ما دخلوا، العيال جريوا على الجنينة اللي كانوا بيلعبوا فيها من وهما صغيرين.
أما باتريشيا، فوقفت جنب الباب.
بصتلي وقالت
ماما، أنا عارفة إني وجعتك جدًا.
رديت عليها بهدوء
عارفة يا بنتي.
قالت
وأنا مش مستنية منك تسامحيني في يوم وليلة. بس عايزاكي تعرفي إني بحاول أتغير.
فضلت باصة لها شوية.
وبعدين قلت
السماح محتاج وقت يا باتريشيا. والثقة مش بترجع بالكلام، بترجع بالأفعال.
هزت راسها وقالت
وأنا هحترم ده يا ماما.
في اليوم ده، قعدنا كلنا على سفرة واحدة.
أكلنا أكلة بسيطة.
وما اتكلمناش عن فلوس.
ولا عن عقارات.
ولا عن أي حاجة من اللي حصلت.
كل اللي عملناه إننا قعدنا نسمع العيال وهما بيحكوا عن مغامراتهم في المدرسة.
ولما جه وقت ما يمشوا، باتريشيا قربت مني وحضنتني بهدوء.
ولأول مرة من وقت طويل، حسيت إن الحضن ده مش وراه طلب.
ولا مصلحة.
ولا حاجة مستنياها مني.
وبعد سنة كاملة، جه عيد ميلادي التاسع والستين.
واحتفلت بيه في جنينة بيتي.
كارمن عملتلي تورتة فانيليا.
وصاحباتي جابولي ورد.
وأحفادي زيّنوا الترابيزة برسومات عملوها بإيديهم.
أما باتريشيا، فجت بدري عشان تساعدني نرتب الكراسي ونجهز المكان.
وأحنا بنرص الأطباق، وقفت فجأة قدام صورة جوزي اللي كانت موجودة في الصالة.
فضلت تبص للصورة شوية.
وبعدين قالت بصوت واطي
بابا كان هيبقى نفسه إنك تحتفظي بالبيت ده.
ابتسمت بحزن.
وقلتلها
أنا وأبوكي اشتغلنا 40 سنة عشان نبني البيت ده.
وبعدين كملت
لكن الأهم من الحيطان والسقف، إن الواحد يفضل عنده الحرية يقرر هو عايز يعيش فين.
باتريشيا مسكت إيدي.
وقالت
كان عندك حق يا ماما. إحنا عمرنا ما كان المفروض نحسسك إن مافيش قدامك اختيار تاني.
في الليلة دي، وبعد ما الضيوف كلهم
مشيوا، قعدت على الكرسي اللي جنب الشباك.
فضلت أبص على صور العيلة.
وعلى الورد اللي مالي الجنينة.
وعلى آثار خطوات أحفادي الصغيرة على الأرض.
وافتكرت الليلة اللي سمعت فيها بنتي بتقول
وهي هتروح فين يعني؟!
وقتها بس فهمت قد إيه حياتي اتغيرت.
أنا ما بقيتش خايفة أفضل لوحدي.
اتعلمت إن الونس الحقيقي مش حاجة بتتشرى بالفلوس.
وإن حب العيلة عمره ما المفروض يكون مشروط بفلوس أو ممتلكات.
بصيت على صورة جوزي.
وابتسمت.
وقلت بصوت واطي
أنا فضلت في بيتنا يا حبيبي... وأخيرًا اتعلمت إزاي أخلي بالي من نفسي أنا كمان.
قمت وطفيت النور.
وقلبي كان مرتاح.
بيتي لسه ملكي.
وقراراتي لسه بإيدي.
ولسه قدامي سنين كتير أعيشها، وأملا فيها البيت بذكريات جديدة.