طردوني من البيت بسبب ساقي.. وبعد 19 سنة عادوا يطلبون مني 50 مليون جنيه لإنقاذ أختي

لمحة نيوز

عندي ستاشر سنة يا حسام.
كانت تلك أول مرة منذ سنوات طويلة أن أناديه باسمه.
ساق واحدة. عكازين. كيس زبالة. فاكر؟
إحنا كنا ناس تانية وقتها.
لا. أنتم نفس الناس بالضبط. الفرق إنكم دلوقتي محتاجين مني حاجة.
سمعت أمي الحوار.
اقتربت غاضبة.
إحنا اللي اديناكي حياتك!
وبعدين حاولتوا تدمروها.
أخرجت ملفًا ثانيًا.
فتحته.
كانت بداخله أدلة سرقة هويتي عندما كنت مراهقة.
كانت خالتي ليلى قد احتفظت بكل شيء.
نظرت نادية إلى المستندات وبدأت تتلعثم.
ده حصل من سنين طويلة.
عارفة.
إحنا كنا أهلك. كنا محتاجين فلوس.
علشان حفلة فريدة.
إنتِ مش فاهمة الدنيا كانت عاملة إزاي وقتها.
أنا فاهمة كل حاجة.
أخذت كشف حساب.
وأنا كنت بشتغل في أرشفة المستندات وبقدم استشارات علشان أقدر أجيب طرف صناعي، وإنتوا كنتوا سايبين عليّ ديون علشان تمولوا سفر ومصاريف البنت اللي تقدروا تفتخروا بيها قدام الناس.
خفض أبي رأسه.
ولأول مرة بدا عليه الخجل.
لكن أمي حاولت تبرر الأمر مرة أخرى.
فريدة كان قدامها فرص. ماكناش نقدر نخليها تضيعها.
ثم حدث شيء غريب.
شعرت أن كل الغضب الذي تراكم بداخلي طوال تسعة عشر عامًا يختفي.
ليس لأنني سامحتها.
بل لأنني فهمت الحقيقة أخيرًا.
لم يكن الأمر متعلقًا بي في الأساس.
هم لم يرفضوني لأنني فقدت ساقي.
رفضوني لأنهم كانوا يفتقدون شيئًا أهم بكثير.
التعاطف.
والضمير.
والقدرة على حب شخص لا يتناسب مع الصورة المثالية التي يريدون عرضها أمام الناس.
خلع مازن
خاتم الخطوبة الذي كان يرمز إلى ارتباطه بفريدة، ووضعه فوق إحدى الطاولات.
انتهى الموضوع.
رفعت فريدة رأسها.
إنت ما تقدرش تعمل فيا كده.
إنتِ اللي عملتي كده.
مازن، علشان خاطري.
كان ممكن يكون حادث ونواجه عواقبه. لكن إنتِ دفعتِ فلوس، وهددتِ، وسرقتِ فلوس مخصصة لعلاج أطفال مرضى.
نظر إيهاب إلى ابنه.
اتصل بالفريق القانوني. محدش هيخبي أي حاجة.
بدأت فريدة تصرخ.
كلكم منافقين!
ثم أشارت إليّ.
وإنتِ خططتي لكل ده لأنك طول عمرك بتكرهيني!
نظرت إليها.
سنين طويلة فعلًا كنت بكرهك.
ساد الصمت في الصالون.
لكن بعد كده فهمت حاجة. كرهي ليكي كان معناه إني لسه بسمح لك تاخدي مساحة في حياتي.
اقتربت منها قليلًا.
أنا ما تسببتش في الحادث. وما حركتش جنيه واحد من المؤسسة. وما هددتش داليا. وما زورتش شركات موردين. كل اللي حصل الليلة بدأ بقراراتك إنتِ.
لم تصل السلطات بسيارات تحمل صفارات مدوية، ولم تقتحم الحفلة في مشهد يشبه الأفلام.
في البداية وصل المحامون.
ثم حضر المحققون.
وخلال الأيام التالية، سلّم إيهاب المستندات المالية طواعية، وأدلت داليا بأقوالها أمام الجهات المختصة برفقة ممثلها القانوني.
وكشفت المراجعة المالية عن مخالفات أخرى.
كانت فريدة قد استخدمت ثلاث شركات وهمية.
وزورت مستندات.
وعدلت سجلات داخلية.
أما الوسيط الذي استعانت به، فقد تعاون مع التحقيقات لتخفيف مسؤوليته، وقدم رسائل كانت فريدة تعطي فيها تعليمات محددة للضغط على داليا.
انتقلت أختي
من القول إن كل شيء مؤامرة، إلى محاولة التفاوض.
وبعد عدة أشهر، أقرت بمسؤوليتها عن عدة جرائم مالية، وعن التحركات التي قامت بها لإخفاء الحادث.
لم تكن العقوبة هي المشهد السريع والمثير الذي كان والداي يخشيانه.
بل كانت أسوأ بالنسبة إليهما.
كانت بطيئة.
وعلنية.
وموثقة.
ومستحيلًا شراؤها.
حُكم على فريدة بالسجن لعدة سنوات، إلى جانب التزامات بالتعويض المالي الناتجة عن عدة قضايا.
اختفت حياتها الاجتماعية.
وانتهت الخطوبة.
والاسم الذي ركض والداي وراءه بكل هذا اليأس لم يصبح يومًا اسمًا تنتمي إليه فريدة.
أنفق نادية وحسام تقريبًا كل ما يملكان في محاولة لتمويل المحامين وسداد الديون.
وباعا المنزل الذي نشأت فيه.
المنزل نفسه الذي طرداني من بابه يومًا وأنا أحمل كيس القمامة.
وذات يوم عادت أمي تبحث عني.
هذه المرة لم تصل وهي تضع مساحيق التجميل أو ترتدي ملابس تحاول بها إبهار الآخرين.
كانت تبدو أكبر بعشرين عامًا.
هيبيعوا الشقة اللي إحنا فيها، قالت.
بقيت واقفة بجوار نافذة مكتبي.
أنا آسفة.
بدت متفاجئة.
ده كل اللي عندك؟
عايزاني أعمل إيه؟
ممكن تساعدينا.
ممكن.
أضاء الأمل عينيها لثانية واحدة.
لكن مش هعمل كده.
أنا أمك.
بيولوجيًا.
بدأت تبكي.
إحنا غلطنا.
الغلط إنك تنسي ميعاد. الغلط إنك تاخدي قرار سيئ وتندمي عليه. لكن أنتم سبتوني وأنا قاصر، واستخدمتوا هويتي، ورجعتوا بعد تسعة عشر سنة بس علشان تطلبوا مني فلوس.
أبوك تعبان من القلق.
أتمنى يلاقي حد يساعده.

إنتِ بقيتي باردة للدرجة دي؟
كان السؤال ساخرًا تقريبًا.
مشيت حتى وقفت أمامها.
فاكرة الليلة اللي كان عندي فيها ستاشر سنة؟
لم تجب.
طردتوني من البيت وقلتوا لي أبطل أكون عبء عليكم. مشيت وأنا مستندة على عكازين لحد بيت ليلى، وأنا فاكرة إن عيلتي نفسها كانت بتتمنى إني أختفي.
خفضت أمي عينيها.
لو أنا النهارده بعرف أحط حدود، فده مش لأني باردة. ده لأن البنت اللي كان عمرها ستاشر سنة قدرت تعيش.
خرجت نادية من دون أن تقول شيئًا آخر.
لم أشعر بالرضا.
ولم أشعر بالذنب.
شعرت بالسلام.
أما داليا، فكانت قصتها مختلفة.
كنت قد أنشأت لها بشكل سري صندوقًا ماليًا لتغطية جزء من تكاليف إعادة تأهيلها، قبل أن تبدأ الإجراءات القانونية. فعلت ذلك من خلال ترتيب مستقل حتى لا يستطيع أحد اتهامها بتغيير شهادتها مقابل المال.
واصلت داليا جلسات العلاج المكثفة.
لم يعدها الأطباء بمعجزات.
وبعد عام، أرسلت لي مقطع فيديو.
كانت في مركز لإعادة التأهيل، تمسك بالقضبان المتوازية.
وببطء، استطاعت أن تقف.
ثم تقدمت خطوة واحدة.
خطوة واحدة فقط.
لكن داليا كانت تبتسم وكأنها عبرت قارة كاملة.
شاهدت الفيديو ثلاث مرات.
ثم اتصلت بخالتي ليلى.
إنتِ بتعيطي؟ سألتني.
لا.
مريم.
شوية.
ضحكت ليلى.
كانت لا تزال تعيش في المنزل نفسه الذي استقبلتني فيه تلك الليلة.
وأحيانًا أذهب إليها يوم الأحد.
نطبخ معًا، ونتجادل بسبب أشياء تافهة، ونشرب القهوة لساعات.
لفترة طويلة، كنت أعتقد أن طردي من عائلتي
يعني أنني أصبحت بلا عائلة.
كنت مخطئة.
العائلة ليست دائمًا من يشاركك اسم العائلة.
أحيانًا تكون الشخص الذي يفتح لك الباب عندما يغلقه
تم نسخ الرابط