في جنازة ابنتها ذات الستة أعوام سمعت همسة من داخل التابوت: «ماما... لا تتركي بابا يحبسني مرة أخرى»
وصلت سارة إلى المستشفى العسكري بالقاهرة وهي على قيد الحياة، لكن الأطباء كانوا واضحين كان في دمها مزيج خطير من المهدئات، وكانت هناك علامات تدل على أنها تلقت جرعات متكررة منها على مدار عدة أيام.
وبينما كان الأطباء يحاولون استقرار حالتها، فرضت قوات من النيابة العامة الحراسة على دار الجنازات، وتم التحفظ على أحمد وأم أحمد وداليا، وفُصل كل واحد منهم عن الآخر لسماع أقواله.
لكن الثلاثة قدموا روايات مختلفة.
قال أحمد إن ما حدث لم يكن سوى خطأ طبي.
وأكدت أمه أن الأربطة كانت ضرورية حتى لا يتحرك الجثمان أثناء نقله.
أما داليا فأقسمت بأنها لم ترَ سارة مقيدة من قبل.
بدأت أكاذيبهم في الانهيار عندما عثرت إحدى الممرضات على لصقة ملتصقة بظهر ابنتي تحتوي على مهدئ خاضع للرقابة.
وكان من الممكن تتبع رقم التشغيلة الخاصة بالدواء.
وبعد ساعة واحدة، حصلت النيابة العامة على إذن بتفتيش منزل أحمد في منطقة الشيخ زايد.
كنت أقف أمام زجاج غرفة العناية المركزة عندما اقترب مني قائد فريق التحقيق.
العقيد مريم، نحتاج إلى التحدث معك.
ماذا وجدتم؟
أخرج هاتفه وأراني صورًا التقطت داخل القبو.
كانت هناك غرفة بلا نوافذ، مع عزل للصوت، وسرير أطفال، وكاميرات مراقبة داخلية، وقفل لا يمكن فتحه إلا من الخارج.
وعلى أحد الرفوف ظهرت زجاجات من المهدئ نفسه الذي عُثر عليه في جسد
لكن ذلك لم يكن كل شيء.
فوق طاولة كانت هناك دفاتر تحمل اسم طفلة تدعى ليان منصور، تبلغ من العمر ست سنوات، وكانت قد اختفت قبل ثلاثة أشهر.
كنت أعرف قضيتها من الأخبار.
كان والدها، خالد منصور، رجل أعمال قد تقدم ببلاغ ضد شركة أحمد واتهمها بالاحتيال وتحويل دفعات مالية من أحد المشروعات إلى جهات أخرى.
هل كانت ليان هنا؟ سألت.
لدينا مؤشرات قوية على ذلك. وجدنا شعرًا وملابس ورسومات وسوارًا مدرسيًا. كما عثرنا على ملف مزور لتسفيرها خارج البلاد بهوية أخرى.
شعرت بالغثيان.
وفي تلك اللحظة وصل والدي، اللواء المتقاعد عادل.
لم يأتِ برفقة حراسة ولا بخطابات أو أوامر.
كان يحمل فقط وجه جد محطم، أدرك للتو أن أمواله جعلت حفيدته هدفًا.
كان السبب هو الصندوق المالي قال.
نظرت إليه.
ماذا تقصد؟
كان أحمد غارقًا في ديون ضخمة. ولو ماتت سارة وهو ولي أمرها، كان بإمكانه محاولة السيطرة مؤقتًا على الأموال إلى أن تُحسم إجراءات الميراث.
محاولة؟
نعم. لم يكن الأمر تلقائيًا، لكنه وجد شخصًا مستعدًا لتزوير المستندات.
كانت النيابة قد وصلت بالفعل إلى الطبيب الذي وقّع شهادة وفاة سارة.
كان اسمه الدكتور حسام رأفت، شقيق داليا.
ووفقًا للسجلات، فإنه لم يفحص سارة بنفسه إطلاقًا.
ثم ظهرت معلومة أخرى.
قبل أسابيع، كان أحمد قد طلب نسخًا رسمية من مستندات الصندوق المالي، ووثيقة
كما استفسر عن كيفية بدء إجراءات الميراث في حالة وفاة طفلة قاصر.
كان كل شيء مخططًا له.
لكن أخطر اكتشاف جاء قبيل الفجر تقريبًا.
دخل أحد رجال الشرطة إلى الممر وهو يحمل هاتفه.
عثرنا على ليان منصور.
وقفت فجأة.
حية؟
تردد الرجل لثانية قبل أن يجيب
نعم. إنها على قيد الحياة. كانوا يحتجزونها في منزل مستأجر في الفيوم. والمرأة التي كانت ترعاها أدلت للتو بأقوالها، وقالت إن أحمد لم يكن هو الشخص الذي يصدر الأوامر.
نظرت نحو الغرفة التي كانت سارة تنام فيها موصولة بأجهزة المراقبة.
إذا لم يكن أحمد هو العقل المدبر لكل ذلك، فهذا يعني أن أحد أفراد العائلة كان يخطط للأمر منذ وقت أبعد بكثير.
والاسم الذي ذكرته المرأة التي كانت ترعى ليان كان آخر اسم توقعت أن أسمعه.
كانت المرأة التي ترعى ليان تُدعى سهام عبدالسلام. كانت في الثامنة والخمسين من عمرها، وعملت لأكثر من عشرين عامًا كممرضة خاصة.
ألقت النيابة القبض عليها في منزل استراحة على أطراف الفيوم، حيث عثرت على الطفلة حية، مصابة بالجفاف، وتحت تأثير المهدئات، ومقتنعة بأن والدها تخلى عنها.
وعندما سألوها عمن كان يدفع لها، لم تذكر أحمد.
قالت
أم أحمد.
والدة زوجي السابق.
للحظة، اعتقدت أنني سمعت خطأ.
كانت أم أحمد قاسية معي دائمًا، نعم.
خلال الطلاق، قالت أمام المحكمة إنني أفضل
كانت تتدخل في الزيارات، وتراجع الرسائل التي أرسلها إلى سارة، وتكرر أن الطفلة تحتاج إلى أسرة طبيعية، لا أمًا تعيش بين المناوبات والمستشفيات.
لكن أن تصل الأمور إلى تنظيم عمليات اختطاف، وتخدير طفلة، والتخطيط لموت حفيدتها نفسها، كانت مسافة يعجز عقلي عن استيعابها.
كانت ليان أول حالة تمكنت النيابة من توثيقها.
كان والدها، خالد منصور، قد اكتشف أن أحمد يبالغ في تكاليف أحد المشروعات ويحوّل الدفعات المقدمة إلى جهات أخرى.
وعندما هدده بتقديم بلاغ رسمي، اختفت الطفلة أثناء خروجها من حصة الرقص.
على مدار أسابيع، تلقى خالد اتصالات مجهولة.
لم يطلبوا منه المال.
كانوا يطالبونه بسحب البلاغ.
لكنه رفض.
عندها غيرت أم أحمد الخطة.
أرادت إبقاء ليان تحت تأثير المهدئات، وتجهيز أوراق مزورة، ثم إرسالها إلى خارج البلاد باعتبارها طفلة سُلّمت طوعًا إلى أسرة أخرى للتبني.
لكن العملية توقفت لأن الوسيط الذي كان من المفترض أن ينقل الأوراق اختفى ومعه جزء من الأموال.
ولهذا بقيت ليان في الفيوم.
أما سارة، فلم يتم اختطافها.
كانوا يملكونها بالفعل.
وهذا جعل كل شيء أسهل بكثير.
كان الصندوق المالي الذي أنشأه والدي يحتوي على بند يسمح لولي الأمر القانوني بإدارة بعض الأموال المخصصة لنفقات سارة مؤقتًا، إلى أن تفصل المحكمة في أي ظرف يتعلق
لم يكن ذلك يعني أن أحمد يستطيع الاستيلاء على كل شيء، لكنه كان