شفت حماتي بالصدفة في السوق مع واحدة صاحبتها حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

شفت حماتي بالصدفة في السوق مع واحدة صاحبتها، وابتسمت وأنا ناوية أسلّم عليها. لكن قبل ما أقرب، سمعتها بتقول
فاضل بس نقنع أمها تبيع الشقة.
حسيت إن جسمي كله اتجمد.
جوزي كان بالفعل ساحب أكتر من مليون ونص من الفلوس اللي وفرناها سوا على مدار سنين، ودلوقتي عايز ثروة تانية.
بس أنا ماعملتش خناقة، ولا فضحتهم.
اتصلت بمحامية، وبدأت أحفظ كل دليل ممكن يوصلني للحقيقة، وسيبت جوزي يكمل وهو فاكر إن محدش حاسس بحاجة.
الجزء الأول
مريم لسه مش عارفة إن أحمد بدأ يسحب الفلوس. ولما تعرف، الشقة هتكون خلاص اتحجزت.
مجرد ما سمعت اسمي من ورا فرشة خضار في سوق قريب من بيتنا، اتسمّرت مكاني.
الصوت كان صوت حماتي سعاد.
كنت نازلة أجيب شوية خضار وفاكهة للغدا. ابني يوسف، عنده تمنتاشر سنة، كان راجع اليوم ده من الجامعة، وكان واعدني إنه هيعمل لنا أكل بنفسه، لأنه بقاله كام أسبوع بيتخانق معايا بسبب أكل الكافيتريا.
كنت خلاص هروح أسلّم على حماتي لما سمعت الجملة التانية.
الفلوس دي عمرها ما كانت المفروض تروح ليوسف أصلاً. أحمد فهم خلاص إنه مش ملزم يشتري بيت لابن راجل تاني.
حسيت إيدي تلج.
على مدار تمن سنين، أحمد كان بينادي يوسف ابني.
كان بيروح معاه التمرينات والمسابقات، وعلمه السواقة، وكان واقف في أول صف يوم ما يوسف دخل الجامعة.
وقبل تلات سنين، أحمد بنفسه هو اللي اقترح علينا نوفر فلوس عشان نساعد يوسف في يوم من الأيام في مقدم شقة.
أنا كنت بحوش من مرتبي، وحطيت جزء من مكافآتي ومدخراتي.
وهو كمان كان بيحط جزء من مرتبه.
آخر مرة سألت أحمد عن الفلوس، قال لي إننا قربنا نوصل لحوالي مليونين وتلتميت ألف جنيه.
لكن سعاد كملت كلامها
ده غير إن بنت أحمد، دينا، تستاهل
حاجة أحسن. الشقة اللي ورثتها دي ماتنفعش تعيش فيها.
دينا كانت بنت أحمد من جوازه الأول، عندها عشرين سنة، ووارثة شقة صغيرة في عين شمس من جدها.
الشقة مش فخمة، لكن كانت ملكها ومش عليها أقساط.
وهي نفسها كانت دايمًا بتقول إن الشقة كويسة، ومحتاجة شوية تشطيب وتجديد وخلاص.
أحمد عايز يجيب لها شقة محترمة في مصر الجديدة أو مدينة نصر، كملت سعاد. وهو بالفعل حول لي جزء من الفلوس عشان مريم ماتعرفش.
حسيت إني لازم أمسك في حاجة عشان ما أقعش.
فجأة كل الكلام اللي أحمد قالهولي خلال الشهور اللي فاتت

بدأ يركب فوق بعضه
العربية محتاجة تصليح.
سلفت واحد صاحبي مبلغ وهيرجعه.
عملت تحويل مؤقت.
ماتقلقيش، الفلوس موجودة.
بس اللي سمعته بعد كده كان أفظع.
صاحبة سعاد سألتها
طب ناقصكم كام؟
ردت سعاد بكل ثقة
أحمد لقى مصدر تاني.
مصدر إيه؟
أم مريم.
كيس الخضار كاد يقع من إيدي.
أمي أمينة عندها تسعة وستين سنة، وعايشة لوحدها في شقتها القديمة في منطقة الهرم.
وأحمد بقاله أسابيع بيروح لها كتير.
مرة يصلح لها الحنفية.
ومرة يجيب لها سباك.
ومرة ينزل لها يجيب طلبات البيت.
وفي مرة حتى قعد يقنعها إن الشقة الكبيرة بقت متعبة عليها، وإنها ممكن تبيعها وتجيب شقة أصغر وأريح وفيها أسانسير.
أنا وقتها كنت فاكرة إنه بيهتم بيها.
كنت فاكرة إنه راجل جدع مع أمي.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
هيبيع لها الشقة، قالت سعاد. يجيب لها شقة صغيرة، ويتبقى لها حوالي مليون وتلاتمية ألف. والفلوس دي أحمد هياخدها ويحطها معايا، ونكمل تمن شقة دينا.
صاحبتها سألت
ومريم؟
ضحكت سعاد وقالت
هتعمل شوية دوشة في الأول، وبعدها هتهدى. هو يعني هتطلق بعد تمن سنين جواز عشان شوية فلوس؟
الجملة دي بالذات
هي اللي فاقتني.
ما خرجتش أواجهها.
ما عليتش صوتي.
وما عملتش فضيحة في السوق.
لفيت بهدوء ومشيت بعيد عنهم.
أول ما خرجت من السوق، طلعت موبايلي واتصلت بأمي.
ماما، أحمد هييجي لك بكرة ويتكلم معاكي تاني عن موضوع بيع الشقة.
سكتت شوية وبعدين قالت
أيوه يا بنتي، هو قالي إنه جاي بكرة فعلًا.
قلت لها
ماتقوليش لأ.
اتخضت.
يعني إيه؟
وافقي إنك تسمعيه. اسأليه الشقة هتتباع بكام، والشقة البديلة هتكون فين، والفلوس هتتحط باسم مين. اسأليه كل حاجة.
وبعدين شددت عليها
بس مهما حصل، ماتمضيش على أي ورقة. ولا توكيل. ولا عقد. ولا تحولي جنيه واحد لأي حد.
سكتت أمي كام ثانية.
وبصوت مليان خوف سألتني
مريم... في إيه؟
بصيت ناحية باب السوق، ناحية المكان اللي كانت حماتي واقفة فيه من شوية.
وقلت لها
ماما، أنا خايفة إن جوزي بيحاول ياخد فلوسك.
سكتت أمي تمامًا.
وأنا قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتقلبت.
في نفس الليلة، أحمد رجع البيت وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
قعد على السفرة، وضحك مع يوسف، وسأله عن الجامعة.
وبعدين قال له
لو اللاب توب بتاعك باظ أو محتاج واحد جديد، قولي وأنا أجيب لك واحد.
يوسف
ضحك وقال
لا يا بابا، كفاية عليك.
أحمد ربت على كتفه وقال
العلم مفيهوش خسارة يا ابني.
أنا كنت قاعدة قدامه وببص له.
مش قادرة أصدق إن الراجل اللي قدامي هو نفسه الراجل اللي سمعت عنه النهارده.
بعد شوية يوسف دخل أوضته.
وأحمد حط موبايله على السفرة ودخل الحمام.
وأنا كنت عارفة الرقم السري لموبايله.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
دخلت على الواتساب.
ولقيت المحادثة بينه وبين أمه.
أول رسالة وقعت عيني عليها كانت
يا أمي، كده معانا 980 ألف. ماترجعيش ولا جنيه لحد ما موضوع
دينا يخلص.
نزلت لتحت.
ولقيت رسالة بعدها مباشرة
مريم فاكرة إن الفلوس كلها لسه موجودة. بكرة هسحب الباقي.
نفسي اتقطع.
لكن الرسالة الأخيرة كانت هي اللي خلتني أحس إن قلبي وقف.
فاضل بس أمينة تبيع الشقة. بالفلوس دي هنقفل تمن شقة دينا قبل آخر الشهر.
قفلت الموبايل بسرعة وحطيته مكانه.
في اللحظة دي فهمت الحقيقة كاملة.
جوزي ماكانش بيفكر يخون ثقتنا.
جوزي كان خاننا بالفعل.
وكان لسه فاضل له خطوة واحدة...
إنه ياخد من أمي تقريبًا كل اللي حوشته طول عمرها.
وأنا؟
كنت لسه قدامه في البيت، بضحك وبمثّل إني مش عارفة حاجة.
لكن هو ماكانش يعرف إن من اللحظة دي...اللعبة اتغيرت.
الجزء الثاني
رجعت الموبايل مكانه على السفرة بالضبط، بالمللي، زي ما كان حاطه قبل ما يدخل الحمام. وقفت مكاني في الصالة وأنا سامعة صوت المية بتنزل من الدش جوة، وكل نقطة مية كانت بتنزل زي الدق على دماغي. إيدي كانت لسه بتترعش، بس الرعشة دي ماكانتش خوف ولا انكسار، كانت رعشة غضب بارد، الغضب اللي يخلي الواحد يصحى من غيبوبة دامت سنين.
تمن سنين وأنا عايشة مع راجل كنت فاكراه سند، راجل دخل بيتي وشال ابني يوسف وهو عنده عشر سنين، كان بيذاكرله ويوصله النادي، ويقولي يوسف ابني اللي مخلفتوش يا مريم. تمن سنين وأنا بحط قرشي على قرشه، كل علاوة في شغلي، كل مكافأة، دهبي اللي بعته عشان نكبر رصيدنا المشترك، كل ده كان بيتبخر في ثواني وهو شايفني مجرد بنك متحرك، غطاء بيصرف بيه على خططه هو وأمه وبنته، ومن ورا ضهري كمان يمد إيده على شقة أمي الست العجوزة اللي ملهاش في الدنيا غيري!
خرج أحمد من الحمام وهو بينشف شعره بالفوطة، وشه مبتسم، عينيه هادية ورايقة كأن مفيش في بطنه شياطين بتنهش في
لحمنا. بصلي وابتسم نفس الابتسامة
اللي كنت بشوفها دافية وحنينة مالك يا مريومة واقفة كده ليه؟ هو الأكل جاهز ولا نطلب

دليفري نريحك النهاردة؟
ابتسمت. الابتسامة دي كانت أصعب حاجة عملتها في حياتي، بس حسيت بعضلات وشي بتتشد وتتحرك ببراعة مكنتش أعرف إني أملكها. لا يا حبيبي، جهزت صينية المكرونة بالبشاميل اللي بتحبها، ويوسف زمانه طالع من أوضته، ثواني وأحط الأكل.
رد وهو بياخد الموبايل من على السفرة ويحطه في جيبه من غير حتى ما يفتحه تسلم إيدك يا غالية، ربنا ما يحرمنا منك.
دخلت المطبخ ووقفت قدام البوتاجاز، دموعي مكنتش بتنزل خلاص، عيني كانت ناشفة زي الحجر. غرفت الأكل وحطيته، وقعدنا كلنا. يوسف طلع، وبدأ أحمد يهزر معاه كالعادة ها يا بطل، السنة دي تالتة جامعة وعايزين تقدير يرفع الراس، متقلقش من أي مصاريف ولا هم، ابوك في ضهرك.
يوسف ابتسم وبص لأحمد بحب حقيقي، حب عيل ميعرفش إن الراجل اللي بيسميه بابا لسه كاتب لأمه في الرسايل الفلوس دي عمرها ما كانت تروح لابن راجل تاني. اللقمة وقفت في زوري. شربت مية بسرعة عشان متخنقش، وأنا بقول لنفسي اصبري يا مريم، اصبري ومتبوظيش كل حاجة بكلمة عصبية، اللي اتخطط له في شهور وسنين ميتنسفش في دقيقة غباء.
بالليل، لما البيت كله نام، ويوسف كان غارق في نومه في أوضته، وأحمد نايم جنبي على السرير ونَفَسه طالع منتظم ومرتاح كأنه ملاك بريء، قمت براحة خالص، تسحبت من على السرير ودخلت البلكونة. الجو كان ساقع ورياح الخريف بتخبط في الشيش، طلعت تليفوني وفتحت الواتساب، وبعت رسالة لصاحبة عمري نهى، وهي محامية شاطرة جداً في قضايا الأسرة والمعاملات المالية نهى، محتاجة أقابلك بكرة ضروري في أول ساعتين من الشغل، في مصيبة ومفيش حد غيرك هيفهمني.
الرد مجاش في ساعتها طبعاً لأن الوقت كان متأخر، بس
الصبح بدري، مع أول خيوط النور، كانت نهى رادة أنا في مكتبي من ٩ الصبح يا مريم، تعالي مستنياكي.
قومت جهزت الفطار لأحمد ويوسف كأني الروبوت اللي متبرمج ينفذ مهامه. أحمد نزل على شغله وهو بيبوس خدي ويقولي أنا هعدي بعد الضهر على مامتك يا مريم، الست أمينة طيبة ومحتاجة حد يسندها، هشوف السباك عمل إيه في ماسورة المطبخ، ويمكن أقعد أدردش معاها شوية.
بصيت في عينيه وقلتله بكل براءة تسلملي يا أحمد، والله أمي ديما بتدعي لك وبتقول ده ابنها اللي مخلفتوش،
خلي بالك منها بس عشان هي اليومين دول صحتها مش أحسن حاجة. في عيني يا حبيبتي، متقلقيش.
نزل وقفل الباب وراه، ويوسف كان عنده محاضرة
تم نسخ الرابط