شفت حماتي بالصدفة في السوق مع واحدة صاحبتها حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
الصبح ونزل بعده بنص ساعة. في الدقيقة اللي اتقفل فيها الباب، كنت أنا لابسة هدومي، وأخدت كل الأوراق اللي قدرت ألمها من غير ما يلاحظ كشوفات الحساب القديمة بتاعة البنك اللي كانت بتيجي على البيت، أوراق ملكية شقة أمي وصورة بطاقتها اللي كانت معايا عشان المعاش، ورقة العقد بتاعة الحساب المشترك القديم اللي كنا فاتحينه سوا، وركبت تاكسي وطرت على مكتب نهى في الدقي.
نهى استقبلتني وهي قلقانة، أول ما قفلت باب المكتب انفجرت من غير ما أحس. حكيتلها كل حرف، من أول كلام حماتي في السوق، لحد رسايل الموبايل، لحد خطتهم عشان شقة أمي في الهرم. نهى كانت بتسمع وهي بتسجل ملاحظات بقلمها، وشها كل شوية كان بيزداد جدية وصدمة.
شوفي يا مريم، قالتها نهى وهي بتقفل كشكولها وبتسند ضهرها لورا. إنتي لو اتعصبتي ورحتي مسكتي فيه في البيت وقولتيله سحبت الفلوس ليه، هيكدب، هيقولك دي ديون، هيقولك دي مصاريف بزنس، هيطلعك إنتي المريضة الشكاكة اللي بتفتش وراه،
والحساب المشترك؟ الحساب ده بإسمكم انتو الاتنين، بس ليه حق التوقيع المنفرد ولا المشترك؟ منفرد... احنا كنا عاملينه كده عشان لو حد مسافر أو محتاج يسحب في أي وقت من غير ما يعطل التاني. بالظبط، يبقى بالقانون البنكي السحب بتاعه مش سرقة جنائية بالمعنى الحرفي، هو تصرف في فلوس الحساب بحكم توقيعه. بس القانون مبيسيبش برضه، والفلوس اللي راحت لأمه بحسابات تانية دي مسألة تانية خالص، هنثبت تتبع الأموال. بس الكارثة الكبيرة مش الفلوس اللي اتسحبت يا مريم، الكارثة هي شقة مامتك. أمي مش هتبيع، أنا كلمتها وقولتلها متوافقش. نهى هزت راسها بنفي حاسم لا! غلط! لو قولتيلها متوافقش، أحمد هيحس إنك عرفتي حاجة، أو هيغير خطته ويلجأ لحيل تانية أنيل، وممكن يضغط على أمك بأساليب نصب متطورة أكتر أو يوهمها بحاجة تخليها تعمل له توكيل عام. أومال أعمل إيه يا نهى؟! قلبي هيقف! اللعبة تتلعب صح. نهى قربت مني وقالت بصوت هادي ومرتب مامتك توافق مبدئياً. مامتك تقوله يا أحمد يا ابني، أنا كبرت وتعبانة والبيت ده تقيل عليا، وأنا واثقة فيك، دورلي على المشتري والشقة التانية اللي هروحها. نخليه هو اللي يجري ويلهث ويجيب المشتري، ويحط كل مجهوده في الصفقة
وبخط جديد، وتفهميها إن كل قعدة مع أحمد في الصالون، الموبايل ده هيكون محطوط في جيب الروب بتاعها وبيسجل. محتاجين اعتراف صريح منه إنه هياخد الفلوس يشغلها أو هيحطها في حسابه عشان يجيب شقة تانية، محتاجين نثبت النية التدليسية.
خرجت من عند نهى وحاسّة إن عقلي بيفكر زي الشطرنج، الوجع بدأ يركن على جنب، ومكانه جه إصرار غريب إني مش بس هحمي أمي وابني، أنا هرجع حقي مليم مليم من الراجل ده ومن أمه اللي واقفة في السوق تتفاخر بخراب البيوت ونهب الأيام.
عديت على سنترال واشتريت موبايل بإمكانيات صوت عالية وبطارية تقعد يومين، ونزلت على الهرم عند أمي. دخلت الشقة القديمة، الشقة اللي عشت فيها طفولتي، ريحة البخور وريحة الخشب القديم وصور أبويا الله يرحمه على الحيطة. أمي كانت قاعدة على الكنبة بتسبح، أول ما شافتني قامت مخضوضة ودموعها في عينيها مريم! بنتي، في إيه؟ مكالمتك إمبارح طيرت النوم من عيني، هو أحمد بيعمل إيه؟ قعدت عند رجليها ومسكت إيديها اللي بتترعش، حكيت لماما كل حاجة بهدوء، من غير ما أهول عشان ضغطها ميعلاش، بس فهمتها حجم المصيبة. أمي حطت إيدها على صدرها وهي بتنهج يالهوي يا بنتي! أحمد اللي كنت بعتبره زي ابني؟! ده لسه أول إمبارح جايبلي قفص فاكهة وقاعد يدلكلي رجلي ويقولي يا أمي متشيليش هم الشقة دي أنا هجيبلك مكان واسع وفيه أسانسير يريح ركبك! للدرجة دي الناس بتتلون؟! وأكتر من كده يا ماما، بس اسمعيني كويس. هو هيجيلك النهاردة، وإنتي هتعملي اللي هقولك عليه بالحرف.
علمت أمي إزاي تدوس على زرار التسجيل في الموبايل الجديد، وحطيته في جيب الجلابية الداخلي، وظبطت الصوت عشان يلقط بوضوح. قولت لماما هتقوليله
يا أحمد،
الشقة دي تسوى مش أقل من تلاتة مليون، لو جبتلي شقة
سيبت أمي ورجعت على بيتي قبل ميعاد رجوع أحمد ويوسف، كنت عايزة أحمد يروح لأمي وأنا مش هناك عشان ياخد راحته في الكلام وميشكش في حاجة.
الساعة كانت حوالي خمسة المغرب لما رن جرس الباب، كان يوسف راجع من الجامعة، دخل ورمى شنطته ماما، ريحة البيت قهوة وبس، مفيش غدا ولا إيه؟ بصيت لابني، لطوله ولوسامته، للولد اللي شقيت عليه تمنتاشر سنة من بعد وفاة أبوه، الولد اللي أحمد كان بيستكتر عليه قرش متوفر لمستقبله ويقول ابن راجل تاني. قربت منه وباسته في راسه بحنية معرفش يوسف سببها حالا يا حبيبي هسخنلك الأكل، كان عندي شوية مشاوير بس. مالك يا أمي؟ وشك مرهق أوي. مفيش يا حبيبي، صداع خفيف بس.
على الساعة سبعة بالليل، رن تليفوني. كان أحمد. رديت بصوت عادي جداً ألو، إيه يا أحمد اتأخرت ليه؟ معلش يا حبيبتي، أنا عند مامتك أهو لسه، قعدت معاها شوية وكان عندها شوية طلبات نزلت جبتها لها، والست طيبة أوي وقعدت تحكي معايا. طيب ربنا يخليك ليها، هتيجي تتعشى؟ مسافة السكة وجاي.
بعد ما قفل، جتني رنة تانية من رقم أمي. رديت بسرعة وبلهفة ماما؟ مشي؟ مشي يا مريم... وسجلت كل كلمة! قلبي دق بعنف قالك إيه يا ماما؟ زي ما توقعتي بالظبط. قالي يا حماتي، الشقة القديمة دي متجبش تلاتة مليون كاش دلوقتي، السوق نايم، بس هو لقى زبون مستعد يدفع اتنين مليون وسبعمية، وهيجيبلي شقة تانية في حدائق
الأهرام بمليون وربعمية ألف، والمليون وتلتمية الباقيين قالي بالحرف يا أمي إنتي كبيرة وملكاش في البنوك والضرايب ووجع الدماغ، المبلغ ده هحطه في وديعة بإسمي عشان أطلعلك فوايدها كل شهر تعيشي منها ملكة ومتحتاجيش مليم من حد، ومريم بنتك متقوليلهاش عشان متقعدش تقلق وتفتح أبواب مصاريف، إحنا نعملها لها مفاجأة!
دمي غلي في عروقي. كان بيخطط ياخد المليون وتلتمية ألف يكمل بيهم شقة بنته دينا، ويسيب أمي تاخد فتافيت أو يمكن بعد شوية يقطع عنها كل حاجة بحجة إن البنك فيه مشاكل، ويحط أمي في شقة بعيدة عني ويتحكم فيها
التسجيل واضح يا ماما؟ واضح جداً يا بنتي، صوته زي القرش في التسجيل. تمام يا أمي، امسكي التسجيل ومتمسحيش حاجة، وبكرة الصبح هعدي آخده منك.
أحمد رجع البيت وشكله مبسوط جداً ومنتعش، دخل وهو بيصفر، وطلب شاي وقعد في الصالة يفرك إيديه في بعض كأنه مقبل على صفقة العمر. بصلي وقال مريم، تفتكري لو دينا بنتي اتجوزت قريب، المفروض نساعدها بإيه؟ بصيتله وأنا بقدم له كباية الشاي نساعدها باللي نقدر عليه يا أحمد، بس إنت عارف إن مدخراتنا كلها شايلاها لمستقبل العيال، وإحنا يدوب معانا الفلوس اللي شايلاها في الحساب عشان يوسف لما يتخرج ونجهز له حاجة. وشه اتغير شوية بس حاول يداري ما هو يوسف لسه قدامه سنتين جامعة يا مريم، وبعدين يوسف راجل يعتمد على نفسه، إنما دينا بنت وضعيفة ومحتاجة ضهر. ويوسف مش ابنك برضه يا أحمد ولا إيه؟ مش ده اللي بتقوله دايماً؟ سكت ثواني وبص في الكباية طبعاً يا مريم... طبعاً ابني، بس إنتي عارفة الظروف. عموماً الفلوس في البنك بأمان، وربنا يسهل لما ييجي وقتها.
تاني
يوم الصبح، نهى طلبت مني نروح البنك. رحنا البنك الأهلي اللي فيه الحساب المشترك. طلبت كشف حساب مفصل لآخر تلات شهور مختوم بختم البنك. الموظف طبع الكشف، وبصيت للأرقام... الرعب الحقيقي ظهر على الورق. الحساب اللي كان فيه اتنين مليون وتلتمية ألف جنيه، متبقيش فيه غير تمانين ألف جنيه بس! أحمد سحب في الأول ٥٠٠ ألف، وبعدها بأسبوع سحب ٤٨٠ ألف نقدي، وحول لماما سعاد ٨٠٠ ألف جنيه على دفعتين، وحول لحسابه الشخصي المنفصل باقي المبالغ على فترات متباعدة. كل ده في خلال شهرين، في الوقت اللي كان بيجيلي فيه البيت يقولي الأسعار غليت يا مريم، لازم نقتصد شوية في مصاريف البيت!
نهى بصت لكشف الحساب، وابتسمت ابتسامة باردة حلو أوي، التحويلات لحساب والدته دي إثبات دهب. التحويلات البنكية دي بتثبت حركة الأموال وخروجها من الوعاء المشترك للغير بدون وجه حق تجاري أو التزام مدني، وده بيقوي موقفنا جداً في دعوى استرداد أموال وتبديد، بس مش هنتحرك بيها دلوقتي، لسه مشهد النهاية متقفلش. والمشهد إيه يا نهى؟ أحمد هيكلم مامتك يحدد ميعاد مع المشتري لكتابة العقد المبدئي ودفع العربون،
متابعة القراءة