شفت حماتي بالصدفة في السوق مع واحدة صاحبتها حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
يوصل للمرحلة دي بالظبط.
وفعلاً، بعد تلات أيام، أحمد جالي البيت وهو مش سايعاه الفرحة مريم! مامتك باركت خلاص، لقيتلها بيعة لقطة للشقة، اتنين مليون وستمية وخمسين ألف كاش، والمشتري هيدفع عربون ٢٠٠ ألف بكرة في شقة مامتك، والمتبقي عند كتابة العقد النهائي بعد أسبوع في الشهر العقاري! عملت نفسي مخضوضة بجد يا أحمد؟! وماما وافقت؟! وافقت يا ستي، مش بقولك مامتك بتثق فيا؟ أنا رتبت كل حاجة، وهنروح بكرة الساعة ٦ المغرب نكتب
العقد الابتدائي مع المشتري، وقايل لمامتك إنك هتكوني معانا عشان تطمني. طبعاً هاجي، دي شقة أبويا وشقة أمي، لازم أكون موجودة.
في الليلة دي، مريم القديمة كانت بتموت، والست اللي مش بتسمح لحد يدوس على كرامتها وحق ولادها كانت بتولد من جديد. نسقت مع نهى كل خطوة، واتفقت مع اتنين محامين من زمايلها يكونوا موجودين تحت البيت في الوقت المحدد.
تاني يوم، الساعة جت ستة إلا ربع. كنت أنا وأحمد في تاكسي رايحين على الهرم. أحمد كان لابس أحسن بدلة عنده، وشايل شنطة أوراق جلد شيك، عمال يتصل بأمه في الموبايل ويبعتلها رسايل، وأنا جنبه شفت طرف رسالة منها أول ما العربون يتدفع، خود مريم واخرجوا واقفل مع الراجل لوحدك عشان متشوفش الفلوس.
وصلنا عمارة ماما. طلعنا في الأسانسير القديم، فتحت ماما الباب، وكانت لابسة إسدالها وقاعدة هادية بشكل غريب. بعد خمس دقايق، رن الجرس، ودخل المشتري، راجل محترم ومعاه سمسار. قعدوا في الصالون، وأحمد كان متصدر المشهد، بيتكلم كأنه صاحب البيت، كأنه الآمر الناهي أهلاً يا حاج، نورت، إحنا اتفقنا على اتنين مليون وستمية وخمسين، العربون ٢٠٠ ألف، والباقي شيك مقبول الدفع عند التسجيل والتسليم. المشتري طلع ظرف كبير فيه الفلوس وحطه على الترابيزة تمام يا أستاذ أحمد، وده عقد الاتفاق المبدئي، بس مين اللي هيمضي؟ الحاجة أمينة صاحبة الملك طبعاً.
أحمد أخد القلم وابتسم، وبص لأمي اتفضلي يا أمي امضي هنا، وأنا هستلم العربون أشيله في الحفظ والصون عندي في الخزنة لحد ما نخلص باقي الإجراءات.
أمي مدت إيدها ومسكت القلم، وفجأة سابت القلم على الترابيزة وبصت لأحمد طب وبالنسبة للمليون وتلتمية ألف
يا أحمد يا
ابني؟ هتحطهم في الوديعة اللي قولتلي عليها بإسمك برضه؟
وش
وقفت أنا من مكاني. الصوت كان هادي جداً، والهدوء ده كان يرعب أكتر من الصريخ. لا يا أحمد، نتكلم دلوقتي. المليون وتلتمية دول اللي هتاخدهم من شقة أمي، هتحطهم مع المليون ونص اللي سحبتهم من حسابنا عشان تشتري شقة مدينة نصر لدينا بنتك؟
الصالة اتقلب فيها الهوا لتلج. المشتري والسمسار بصوا لبعض، وأحمد قام وقف، وشه بقى أحمر زي الدم، وعينيه بقت تدور في الأركان مريم! إنتي اتجننتي؟! إيه التخاريف دي؟! إنتي بتقولي إيه قدام الناس الغريبة؟!
طلعت من شنطتي فايل بلاستيك ورزعته على الترابيزة قدام المشتري وقدامه التخاريف دي هي كشوفات
حساب البنك الأهلي، اللي بتثبت إنك سحبت مليون وسبعمية ألف جنيه من شقايا وتعب سنيني وحولتهم لحساب أمك سعاد وحسابك الشخصي. والتخاريف دي كمان هي التسجيل الصوتي اللي سجلتهولك أمي وإنت بتقنعها تبيع بيتها وتديك باقي الفلوس بحجة الوديعة عشان تسرقها هي كمان!
أحمد اتسمر، بص لأمي اللي كانت بتبصله بقرف، وبص للفايل، صوته بدأ يتهز إنتي... إنتي بتجسسي عليا؟ أنتي بتعملي فيا أنا كده؟! أنا اللي بعمل فيك؟! إنت اللي جيت على ابني، وقولت لأمك ده ابن راجل تاني ومش ملزم بيه، إنت اللي جيت على الست الكبيرة دي وكنت عايز ترميها في الشارع وتاكل حقها، وجاي تقولي بتجسس عليك؟!
المشتري مسك فلوسه وسحب الظرف بسرعة من على الترابيزة وقال وهو بيتراجع للباب يا جماعة ربنا يصلح حالكم، إحنا ناس ملناش في المشاكل دي، البيعة دي ملغية وربنا يعوض
عليكم. خرج المشتري والسمسار وقفلوا الباب وراهم، وفضلنا إحنا التلاتة في الصالون.
أحمد انهار، وبدأ يتنرفز ويقرب مني ورقة البنك دي هتبليها وتشربي ميتها! ده حسابي ومن حقي أسحب منه! وأنا مغلطتش، بنتي أولى من الغريب، وإنتي ملكيش مليم عندي، ولو فتحتي بؤك هطلقك وأسيبك على الحديدة إنتي وابنك!
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح بمفتاح احتياطي، ودخلت نهى ومعاها المحضر ومحامي تاني، نهى كانت شايلة أوراق رسمية وبصت لأحمد بنظرة كلها ثقة وقالت تطلق مين يا أستاذ أحمد؟ دي مدام مريم هي اللي رفعت ضدك النهاردة الصبح قضية
أحمد رجع خطوة لورا، وبص للتسجيلات اللي
طلعتها نهى، حس إن الأرض بتتهز تحته، كل شبكة الأكاذيب اللي بناها وقعت فوق دماغه في لحظة واحدة.
قربت منه، وبصيت في عينيه من مسافة سنتيمترات، قولتله بصوت واطي ومسموع الفلوس اللي راحت لأمك هترجع بالقرش، وبنتك شقتها اللي في عين شمس هتقعد فيها ومش هتشوف غيرها، أما إنت... فمن اللحظة دي ملكش مكان في بيتي، ولا ليك ابن اسمه يوسف، واعتبر تمن سنين اللي عشتهم معايا كأنهم ماتوا وادفنوا النهاردة.
أحمد فضل باصصلي وهو مذهول، مش مستوعب إن الست الطيبة الهادية اللي كان بيستغفلها، هي اللي حفرتله الحفرة ورمته فيها بالقانون وبالأدب ومن غير ما تعلي صوتها في الشارع.
سيبته واقف في مكانه مصدوم، ومسكت إيد أمي وبوستها، وأنا عارفة إن المعركة لسه مخلصتش، بس الضربة الأولى كانت في مقتل، واللعبة اللي بدأوها بخبث... انتهت فصولها الأولى
بشروق الحقيقة.
الجزء الثالث والأخير
فضل أحمد واقف في وسط صالون بيت أمي، وشه مخطوف كأن الدم هرب من عروقه كلها مرة واحدة. الورق اللي رمته نهى على الترابيزة كان ليه صوت أعلى من صوت أي خناقة. الأختام الزرقا بتاعة المحكمة، وإشعار الحجز التحفظي، واسم أمه سعاد اللي مكتوب في عريضة الدعوى... كل ده خلى جبروته اللي كان داخل بيه يتبخر في ثواني.
مريم... إنتي بتهزري صح؟ ده لعب عيال، انتي فاكرة الورقتين دول هيخوفوني؟ أنا جوزك! قالها وهو بيحاول يستجمع شوية من ثقته الميتة، بس صوته كان بيتهز وريقه ناشف.
ردت عليه نهى بابتسامة محامي باردة، وهي بتعدل نضارتها ده مش لعب عيال يا أستاذ أحمد، دي دعوى خيانة أمانة وتبديد أموال مشتركة، مرفقة بشهادات تحويلات بنكية موثقة من الحساب المشترك لحساب الوالدة، ومعاها جنحة تدليس ونصب بموجب التسجيلات اللي بتثبت نيتك للاستيلاء على أموال والدة موكلتي بغير وجه حق. الحجز التحفظي صدر أمره النهاردة، وبكرة الصبح كل بنك في مصر عنده حساب لسعاد هانم أو لحضرتك هيكون مجمد لحد ما المحكمة تفصل.
أحمد بصلي، وعينيه كانت بتدور في الصالة
أول ما نطق اسم يوسف، حسيت بنار ولعت في صدري، قربت منه ووقفت قدامه،
نظرة الضعف اللي كان متعود يشوفها في عيني لما كان يطلب فلوس أو يضغط عليا اتمسحت تماماً متجيبش سيرة يوسف على لسانك تاني أبداً! يوسف ابني مش يتيم وأنا عايشة، يوسف كان بيحبك بجد وبيعتبرك مثل أعلى، بس إنت طلعت أندل من إنك تكون أب لأي حد. بتستكتر عليه شقاي وتعب سنيني وبتقول لأمك ابن راجل تاني؟ الفلوس اللي في البنك دي عرق جبيني، مكافآت شغلي، ودهب أمي اللي بعته زمان، جايب الجراءة منين تاخدهم وتديهم لأمك عشان تجيب شقة في مصر الجديدة لبنتك؟! وكمان جاي تطمع في شقة الست دي؟!
أمي وقفت على رجليها، ورغم تعبها ووجع مفاصلها، وقفت بضهر مفرود وبصتله بعينين مليانة حسرة اطلع برة يا أحمد. اطلع برة بيتي. كنت فاكراك ابني البار، كنت بدعيلك في كل صلاة، وأقول ربنا عوض بنتي بعد سنين المرار، تطلع جاي تضحك عليا وتاخد سقفي اللي ساترني عشان تروح تراضي بيه أمك؟ ربنا ينتقم منك ومنها.
أحمد حاول يمسك إيدي مريم، اسمعيني بس، نقعد في بيتنا ونتفاهم، الكلام ده ميرضيش ربنا، البيوت مبتتخربش كده... نفضت إيده بقوة لدرجة إنه رجع لورا بيتنا؟ بيتي أنا ويوسف بس. حاجتك كلها ملمومة في الشنط على باب الشقة هناك، ومفتاح الباب اتغير من الضهر، مترجعش تعتب العتبة دي تاني. ومسمعش صوتك غير عن طريق الأستاذة نهى.
أحمد مسك شنطته الجلد من على الترابيزة بغيظ هستيري، وشه اسودّ وبصلي بنظرة كلها حقد
ورب الكعبة ما هسيبك! هندمك يا مريم، وهتشوفي مين اللي هيضحك في الآخر، الفلوس دي بتاعتي، ومش هطولي منها مليم!
خرج ورزع باب الشقة وراه برزعة هزت الحيطان القديمة. في اللحظة دي، أول ما الباب اتقفل، حسيت برجلي مش شيلاني، قعدت على الكنبة وأنا بتنفس بصعوبة. أمي جت جنبي وحضنتني وبدأت تبكي حقك عليا يا بنتي، أنا السبب، أنا اللي وثقت فيه وخليته يطمع. لا يا ماما، إنتي مش سبب حاجة، ده واحد ملوش أمان، والحمد لله إن ربنا كشفه قبل ما الكارثة تكبر ونلاقي نفسنا في الشارع.
نهى قعدت قصادي وحطت إيدها
متابعة القراءة