شفت حماتي بالصدفة في السوق مع واحدة صاحبتها حكـايات مني السيد حصري
فعل منه ومن أمه هيكون هجوم غبي، اسمعي مني وركزي في اللي جاي كويس أوي. سعاد مش هتسكت، وأحمد حس إن كل اللي بناه بيتهد، فإحنا لازم نكون جاهزين لكل كارت هيلعبوا بيه.
ما كدبتش نهى خبر. الساعة مكنتش كملت تسعة بالليل، وتليفوني مبطلش رن. في الأول كانت اتصالات من أحمد، بعدها اتصالات من أرقام غريبة، ولما عملت بلوك، ظهر الرقم اللي كنت مستنياه حماتي سعاد. فتحت الاسبيكر وخليت نهى تسمع معايا.
صوت سعاد كان طالع زي الفحيح، مفيش فيه حتى نبرة السوقية الهادية اللي شفتها بيها في السوق ألو! يا مريم يا خطافة الرجالة، يا ناكرة الجميل! إنتي فاكرة نفسك مين عشان تحجزي على فلوس ابني وفلوسي؟ إنتي بتتبلي علينا يا حرباية؟ ده أنتي جيتي لابني بشنطة هدومك
وابنك في إيدك، وهو اللي علاكي وخلاكي بني آدمة!
رديت عليها بصوت بارد جداً، هدوء كان بيحرق دمها أكتر من الصريخ أهلاً يا طنط سعاد. فاكرة كلامك في السوق ولا أفكرك بيه؟ فاضل بس أمها تبيع الشقة والفلوس دي عمرها ما كانت تروح ليوسف؟ فاكرة؟
الخط سكت ثانيتين، الصدمة خلت سعاد تتلجم، عرفت في اللحظة دي إني سمعت كل حرف بودني إنتي... إنتي كنتي واقفة؟! أيوة كنت واقفة، وسمعت خطتك إنتي وابنك المصون. وعشان كده بقولك من دلوقتي الفلوس اللي أحمد حولهالك هترجع، والمليون وسبعمية ألف هيتحطوا في حسابي غصب عنكم بالقانون، وبنتك دينا تقعد في شقة عين شمس وتبوس إيدها وش وضهر إنها لاقية حيطة تسترها. وأعلى ما في خيلكم اركبوه.
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة زيادة، وعملتلها بلوك.
تاني يوم الصبح، كانت المواجهة الأصعب، مواجهة يوسف. كنت قاعدة معاه في الصالة بعد ما رجعنا بيتنا، والشنط بتاعة أحمد كانت مركونة برة فعلاً ونهى بعتت مين ياخدهم يسلمهم لأحمد بمحضر تسليم رسمي. يوسف قعد قدامي، عينيه كانت تايهة، مصدوم من غياب أحمد ومن تغيير الكوالين. ماما... في إيه؟ هو طنط نهى بتعمل إيه هنا؟ وبابا أحمد فين؟
على أهله.
وحكيت ليوسف الحكاية كلها، من غير تجريح رخيص، بس بالحقايق والورق والرسايل. يوسف في الأول وشه احمر، عينيه دمعت بالقهر، مش قهر على الفلوس، قهر على التمن سنين اللي عاشهم فاكر إن ليه أب بيحبه بجد. الولد مسك دماغه بإيديه وفضل ساكت دقايق، وبعدين بصلي وقال بصوت مخنوق كان بيضحك عليا يا أمي؟ كل ما كان يجي معايا الجامعة ويقولي رفعت راسي، كان بيقول لأمه ابن راجل تاني؟! متزعلش يا يوسف. إنت ابن راجل محترم مات وسابلك سيرة نضيفة، وأنا في ضهرك وعمري ما هسمح لحد ياكل حقك، إحنا مش محتاجين حد، إحنا سند بعض. يوسف مسح دموعه وقام باس راسي حقك هيرجع يا ماما، وأنا معاكي في أي حاجة تقوليها.
الأيام اللي بعدها كانت عبارة عن حرب أعصاب قانونية قادتها نهى بكل ذكاء. أحمد راح النيابة عشان يقدم تظلم على الحجز التحفظي، لقى قدامه كشوف الحسابات المعتمدة، ولقى إقرار الحساب المشترك اللي كان بينص على إن الإيداعات الشهرية كانت بتتحول من مرتبي أنا بنسبة ٧٠٪، ده غير عقد بيع دهب قديم مثبت بتاريخه ومحطوط في نفس الحساب في يومه. الموقف الجنائي بدأ يضيق عليه، والنيابة رفضت التظلم وأيدت قرار الحجز على حسابات أمه سعاد كمان، لأن الأموال خرجت ك تحويل بدون مبرر قانوني لشخص تالت.
بعد أسبوعين، الباب خبط خبط هادي جداً. فتحت الباب وكنت متوقعة أحمد أو أمه جايين يعملوا دوشة، بس اتفاجئت بدينا، بنته. كانت
واقفة وعينيها وارمة من العياط، وشكلها مكسور تماماً. طنط مريم... ممكن أدخل دقيقتين بس؟ بصتلها شوية، ورغم كل اللي حصل، دينا مكنتش طرف في التخطيط، كانت البنت اللي عايزين يفرشولها على جثثنا، شاورتلها تدخل. دينا قعدت على طرف الكرسي، وكانت بتبص في الأرض طنط، أنا
كلام البنت حسسني براحة غريبة، إن الحق لما بيظهر بيجبر حتى اللي حوالين الظالم يعترفوا بظلمه. دينا، قولي لباباكي حاجة واحدة بس الفلوس هترجع كاملة، يا إما هيمشي في سكة المحاكم اللي نهايتها حبس وفضيحة أكبر، والقضية مش هتتقفل غير لما المليون وسبعمية ألف يرجعوا في حسابي هنا.
تاني
يوم بالليل، جه أحمد مع اتنين من كبار عيلته لمكتب نهى. كان قاعد زي المكسور، عينه مش قادرة تيجي في عيني. الكبار اتكلموا وحاولوا يفاصلوا في المبلغ أو يطلبوا تقسيطه يا بنتي ده كان جوزك وستر وغطا، وإحنا هنرجعلكم مليون جنيه وتسامحوا في الباقي عشان خاطر العِشرة. نهى ردت بحزم وهي بتحط شروطنا مفيش عشرة مع الخيانة يا جماعة. المبلغ مليون وسبعمية وعشرين ألف جنيه بالضبط، شيك مصرفي مقبول الدفع يخش حساب مدام مريم بكرة الصبح، مع توقيع إقرار بالتنازل عن أي مستحقات وورقة الطلاق الرسمي على يد مأذون في نفس الجلسة، غير كده... الجلسة الجاية في محكمة الجنايات الأسبوع الجاي.
أحمد كان بيبلع ريقه بصعوبة، بص لكبار عيلته اللي هزوا راسهم بيأس، عارفين إن القضية خسرانة وإن الفضيحة طالت العيلة كلها. طلع أحمد دفتر الشيكات بإيد
تاني يوم الصبح، كنت واقفة عند المأذون. أحمد رمى يمين الطلاق وهو ساكت تماماً، وأنا استلمت ورقة طلاقي ومعاها إشعار البنك بدخول الفلوس كاملة لحسابي الشخصي
اللي فتحته باسمي لوحدي.
خرجت من عند المأذون، كانت شمس الظهرية دافية ومنورة الشارع كله. ركبت عربيتي وروحت على الهرم عند أمي. دخلت الشقة، لقيت أمي ويوسف قاعدين في الصالة، بيشربوا شاي ومستنييني. أول ما دخلت وابتسمت، يوسف قام وجري عليا وحضني بقوة، وأمي رفعت إيديها للسما وهي بتدعي بصوت عالي الحمد لله يا رب... الحمد لله اللي نصرتي على من عاداني وحفظت بنتي وضنايا.
حطيت ورقة الطلاق على الترابيزة، وقعدت في وسطهم وأنا حاسة بتقل جبل كامل انزاح من على صدري. بصيت ليوسف وقولتله فلوسك ومستقبلك بأمان يا يوسف، والشقة اللي كنا بنحلم بيها هنجيبها، بس المرة دي هنجيبها بشقانا الحلال ومن غير ما يكون في وسطينا خاين. يوسف باس راسي وقال مش عايز شقق يا أمي، كفاية إننا مع بعض، وإنتي في ضهري.
بصيت من بلكونة شقة أمي على شارع الهرم، شوارع وزحمة وناس رايحة وجاية، وافتكرت اللحظة اللي كنت واقفة فيها ورا فرشة الخضار في السوق وبسمع حماتي بتخطط لخراب بيتي. ساعتها كنت فاكرة إن الدنيا وقفت، بس الحقيقة إن الدنيا كانت بتبدأ من جديد. الست اللي سكتت في السوق ومصرختش، عرفت تاخد حقها بالقانون وبالأصل وبالعقل، وسابت الظالم يغرق في البير اللي حفره بإيديه.
قعدت جنب أمي وشربت معاها الشاي، والبيت كان مليان هدوء وسكينة، الهدوء اللي مبيجيش غير بعد ما العاصفة تعدي وتنضف كل الوساخة
طريقها.