حلم جوزي حكايات زهرة

لمحة نيوز

في نفس اللحظة اللي عيوننا وقعت فيها على العلامة، حصلت الصدمة الأبشع.. حازم وشه اتقلب أزرق، كتم نفسه وفجأة مسك صدره بإيده الاتنين وهو بيطلع صوت خروشة مرعبة من حلقه، عينه برقت لفوق ووقع بطوله على الأرض.. الرزعة هزت الأوضة كلها، والولد اتحدف من إيده على السرير وهو بيصرخ.
أنا صرخت صرخة عمري ما صرختها في حياتي حااااااازم!
في ثواني الأوضة اتقلبت لساحة حرب، الدكاترة والممرضين دخلوا جري، دكتور الرعاية زقني ونام فوق حازم وبدأ يعمل له إنعاش قلبي، والممرضات خدوا الولد اللي كان بيصرخ بهيستيريا. أنا كنت على السرير مش قادرة أتحرك من صدمة

 

الولادة والمنظر اللي قدامي.. جوزي، حبيبي، السند اللي استنيت معاه اللحظة دي أربع سنين، بيموت قدام عيني في ثواني!
الدكتور كان بيزعق بسرعة جهاز الصدمات! النبض واقف تماماً! جلطة حادة في الشريان التاجي!
ركبوا الأجهزة، ضربوا أول صدمة.. جسم حازم اتنفض ونزل.. التانية.. ومفيش فايدة. بعد خمس دقائق من المحاولات اللي مرت عليا كأنها خمس سنين، الدكتور نزل رأسه في الأرض، بصلي بنظرة كلها عجز وقال البقاء لله يا مدام.. شد حيلك. السكتة القلبية كانت مفاجئة وقاضية.
الدنيا اسودت في عيني، ومحستش بحاجة بعدها غير وأنا بصحى على صوت عياط عيلتي وعيلة حازم حواليا. الكابوس الكبيييير اتحقق.. حازم مات في نفس اللحظة اللي شاف فيها العلامة وشال فيها ابنه! لكن الصدمة والواقعية اللي مكانتش على البال، هي اللي عشتها

 

بعد كده.

 

الدنيا اسودت في عيني، ومحستش بحاجة بعدها غير وأنا بصحى على صوت عياط عيلتي وعيلة حازم حواليا. الكابوس الكبيييير اتحقق.. حازم مات في نفس اللحظة اللي شاف فيها العلامة وشال فيها ابنه! لكن الصدمة والواقعية اللي مكانتش على البال، هي اللي عشتها بعد كده.
​مرت

أيام العزا كأنها جنازة لروحي أنا كمان. أهل حازم من كتر صدمتهم وموت ابنهم الشاب فجأة، بدأوا يبصوا لي ويبصوا للولد بنظرات غريبة. مكنوش بيقولوا حاجة علني، بس نظراتهم كانت بتقول: "الواد ده قدمه شؤم.. الواد ده موت أبوه".
​لما رجعت بيتي لوحدي ومعايا "أحمد"، كنت ببص له بخوف ورهبة مش طبيعية. كنت خايفة أمد إيدي وأشيله. الكابوس اللي حازم حلم بيه واتحقق بالحرف خلاني أدخل في حالة "اكتئاب ما بعد الولادة" حاد، ممتزج برعب نفسي. كل ما عيني تيجي على كف إيده الصغير وأشوف البقعة الغامقة دي، جسمي يتفض.
​بعد أسبوعين، قررت أواجه خوفي بشكل واقعي وعلمي. أخدت أحمد وروحت لدكتور أطفال كبير جداً في القاهرة. قعدت قدامه وأنا بترعش ووريتله كف إيد ابني. الدكتور بص للعلامة بكشف دقيق، وبعدين ابتسم ابتسامة هادية وقالي:
​"يا مدام ندى، دي حاجة علمية ومعروفة جداً اسمها (الوحمة الصباغية الخلقية) أو Congenital Melanocytic Nevus. بقعة من الخلايا الصبغية بتتجمع في مكان واحد أثناء نمو الجنين وتعمل شكل عشوائي. الشكل ده بالصدفة البحتة، وبسبب الخيال البشري اللي بيميل يربط الأشكال

 

بالحاجات اللي بيخاف منها، راسم شكل قطة. ده ملوش أي علاقة بموت جوزك الله يرحمه."
​كلام الدكتور ريحني بنسبة 1%، بس سألته بدموع: "طب وموت حازم؟ الحلم اللي حلم بيه وتكرر؟!"
الدكتور اتنهد بحزن وقالي: "جوزك الله يرحمه كان عايش تحت ضغط عصبي ونفسي رهيب لمدة شهور. الخوف والتوتر بيفرزوا هرمونات زي الأدرينالين والكورتيزول بنسب قاتلة. مع لحظة الولادة، ضربات قلبه وضغطه وصلوا للقمة، وأول ما شاف الوحمة، عقله ترجم إن الحلم بيتحقق، فجسمه دخل في صدمة عصبية أدت لجلطة وقلبه مستحملش. ده تفسير طبي وعلمي.. الخوف هو اللي قتله يا مدام، مش الوحمة ولا الطفل."
​خرجت من

عند الدكتور والدموع في عيني.. كلامه عقلاني جداً ومنطقي، بس الإحساس بالذنب والرعب مكنش بيمشي بسهولة.
​السنين الأولى.. وطاقة البيت المكسورة
​مرت السنة الأولى والتانية، وحياتي انحصرت في تربية أحمد. أحمد كبر وبقى طفل هادي.. هادي بزيادة لدرجة تقلق. مكنش بيحب يلعب مع الأطفال، كان دايماً يفضل قاعد في الأركان. ومكنش فيه أي حاجة خارقة للطبيعة زي الأفلام، مبيطيرش ومبيهوهوش، طفل طبيعي بياكل ويشرب ويمشي.. بس فيه "حاجة" مش مريحة.
​الحاجة دي كانت نظراته.. أحمد كان عنده حالة اسمها "الحول المتقطع" في عينه الشمال، لما يركز في حاجة، عينه بتسرح لبرة بشكل يخلي اللي يبص له يخاف، بالإضافة إن لون عينيه كان عسلي فاتح جداً وبتلمع في الإضاءة الضعيفة.
​الناس في المنطقة

 

وأهل حازم بدأوا يلاحظوا هدوءه الغريب وعلامة إيده. "الواد ده فيه إن"، "الواد ده أبوه مات أول ما شافه"، "بلاش عيالكم تلعب معاه".. الكلمات دي كانت بتوصلي وتدبحني. أحمد بدأ يكبر وهو حاسس بنبذ المجتمع ليه، حاسس إن أمه نفسها بتبص لإيده بخوف قبل ما تبوسها.
​في يوم، وأحمد عنده 3 سنين، كنا قاعدين في الصالة، ولقيته باصص لكرسي حازم الفاضي وبيتكلم بصوت واطي. أنا قلبي سقط في رجلي، قربت منه وبقوله بصوت مرعوب: "أحمد.. بتكلم مين يا حبيبي؟"
بصلي بعينيه الفاتحة وقالي ببراءة طفولية: "بكلم بابا.. هو قاعد هناك وزعلان."
​أنا جالي انهيار عصبي يومها، أخدت الواد وجريت بيه على شيوخ. اللي يقولي ده لابس، واللي يقولي ده معموله عمل، واللي يطلب فلوس عشان يخرّج الجن.. البيت اتقلب لساحة من البخور والزيت والقرآن اللي شغال 24 ساعة، والواد بدأ يجيله تشنجات وعياط مستمر من كتر الرعب والبخور والناس اللي بتزعق في وشه. لحد ما في يوم، شيخ من شيوخ الأزهر العاقلين جالي البيت، قعد

مع أحمد وكلمه، وبعدين قعد معايا وقالي كلمة فوقتني:
​"يا بنتي اتقي الله في ابنك. الواد ملوش ذنب، إنتي اللي عيشتيه في طاقة رعب ووهم. الطفل بيسمعك وإنتي بتعيطي وبتتكلمي عن أبوه، وعقله الباطن صوّر له إن أبوه موجود على الكرسي عشان يرضيكي أو لأنه بيسمع اسم أبوه كتير. ابنك محتاج دكتور نفسي يعالجه من التوحد الصامت أو الصدمة النفسية اللي إنتي سببتيهاله، مش

 

محتاج شيوخ."
​المواجهة مع الحقيقة
​كلام الشيخ كان القلم اللي فوقني من الوهم. أنا كنت هضيع ابني بإيدي بسبب الكوابيس والخرافات. قررت أقفل باب بيتي عليا وعلى ابني، ومنعت أي حد من أهل حازم أو الجيران يدخل في حياتنا أو يبص لابني نظرة مش تمام.
​أخدت أحمد ورحت بيه لدكتور تخاطب وتعديل سلوك، وبدأت أتعامل مع الوحمة اللي في إيده على إنها ميزة مش عيب. بقيت أقوله: "دي علامة مميزة يا أحمد، ربنا خلقك بيها عشان تكون قبطان أو بطل قوي". بدأ الواد يتجاوب معايا، الهدوء المخيف بدأ يتحول لذكاء وهدوء نفسي، وبدأ يضحك ويلعب.
​وعرفت وقتها إن المصيبة الأبشع اللي حصلت يوم الولادة مكنتش لعنة خارقة ولا جن.. المصيبة الأبشع كانت "الخوف" اللي دمر جوزي وقتله، وكان هيدمر ابني ويخليني أخسره بعد ما استنيته 4 سنين.
​النهاية
​النهارده، أحمد كمل 4 سنين. واقف قدام مراية الحمام بيغسل سنانه وبيضحك، وبصلي وقالي: "ماما.. أنا بحبك اوي".
بصيت لكف إيده، الوحمة لسة موجودة.. شبه وش القط فعلاً لو ركزت فيها، بس مقتلتش حد، ومأذتش حد.
​حازم مات الله يرحمه لأن عمره انتهى، ولأن الخوف كان أقوى من إيمانه بالواقع. وأنا اتعلمت إن أغلب الكوابيس إحنا اللي بنصنعها وبنغذيها بضعفنا. مسكت إيد أحمد، بوست الوحمة اللي في كفه بقوة، وأنا كلي يقين إن ابني ده هو المعجزة اللي ربنا ادهالي عشان تكمل معايا

الحياة، وإن الواقع دايماً أقوى وأجمل

من أي وهم وعلامة

تم نسخ الرابط