جوزي الفقير حكايات زهرة
في عزومة لكل العيلة، أمي طلبت من جوزي يقوم يسقي جوز أختي الكبيرة، وقالتله بتريقة: "فقير القوم خادمهم".. جوزي وقف وكنت فاكراه هيزعق ويمشي، بس اللي عمله صدمنا كلنا وخلى أمي مقدرتش تنطق ولا تبص له من الصدمة!!!!
. مصطفى جوزي مكنش صاحب شركات ولا عنده عربية آخر موديل، كان مجرد موظف غلبان على قد حاله، بس كان جواه راجل بألف راجل؛ دين، وأخلاق، وطيبة، وحنية تكفي الدنيا كلها. لما اتقدم لي، أنا مبصتش لفلوسه ولا لمرتبه، أنا بصيت للإنسان اللي هأمن على نفسي معاه. لكن أمي؟ أمي كان لها رأي تاني خالص.
أمي من الستات اللي بتهتم ذياده المظاهر والماديات، بالنسبة لها قيمة البني آدم في جيبه. وطبعاً، كان عندها المقياس والنجم العالي في العيلة
هو "طارق" جوز أختي الكبيرة. طارق عنده شركة وعربيات وفلوس تترمي على الأرض، وعشان كده أمي مكنتش بتطيق سيرة مصطفى، ومكنتش موافقة على جوازتنا أصلاً، واضطرت توافق في الآخر بعد محايلات طالت وطالت ، بس وافقت وهي شايلة جواها كره وتقليل منه.
من أول يوم جواز، مفيش مرة روحت فيها لبيت أمي أو اتجمعنا في مناسبة إلا ولازم تفتح أسطوانة المقارنات اللي بتموتني من جوايا. تقعد تبص لمصطفى وتلقح بالكلام:
"شوفي يا منال، طارق جاب لأختك طقم دهب إيه في عيد ميلادها! عقبالك يا بنتي لما تشوفي الغوايش."
"شوفي طارق أخد مراته وطلعوا يصيفوا في أحدث قرية في الساحل، مش زي ناس مبيخرجوش من عتبة البيت."
مصطفى كان دايماً يقعد، وشه يحمر
لأنه أصيل وابن ناس ومتربي، كان يبتسم بكسرة ويقولها بكل ذوق:
"يا حماتي، ادعيلي بس، لو ربنا وسعها عليا مش هخلي منال نفسها في أي حاجة في الدنيا."
كانت تلوي بقها بقلة قيمة وتتريق عليه وتقول: "لما يبقى يتعدل حالك الأول ، نبقى نشوف!"
أنا كنت بزعل جداً على زعل جوزي وكرامته اللي بتتهان، وكنت بتكلم مع أمي وأقولها: "ملوش لزوم الكلام ده يا أمي! حرام عليكي، إحنا مبسوطين والحمد لله!"
كانت تبص لي بقرف وتقولي: "خليكي خايبة كدة ومغفلة، بكره الفقر يوجعك وتعرفي إن كلامي صح."
وفضلت المناقرات دي مستمرة، كل ما تيجي مناسبة أو لِمة، تتعمد إنها تهين جوزي وتقلل منه قدام الكل، وتفضل تحكي عن جوز اختي الكبيرة والزيارات الكبيرة والشاشات والهدايا
اللي بآلاف اللي بيدهالها في كل دخلة.
لحد ما في اليوم أمي كانت عاملة عزومة كبيرة في بيتها، ولمت العيلة كلها؛ خيلاني وخالاتي وولادهم. وطبعاً، العزومة دي كانت معمولة على شرف النجم الكبير "طارق" ومراته أختي الكبيرة.
دخلنا أنا ومصطفى، كنا لابسين لبس بسيط ونظيف، قعدنا في جنب. وطبعاً طارق وأختي وصلوا وهما لابسين لبس فخم جداً، أختي الدهب مغطي إيديها وماركات اللبس باينة من على بعد متر. أمي من ساعة ما قعدنا وهي عمالة تتنطط وتقول للناس كلها بصوت عالي: "العزومة دي كلها عشان طارق ونور عينه.. لولا كرمه معايا وفلوسه اللي باعتها لي مكنتش عرفت أعمل السفرة دي كلها! ده لسه جايب لي الأسبوع
وسفرياته.
أختي الكبيرة كانت قاعدة منفوخة ومفتخرة بنفسها وبجوزها، بتبص لي بنظرة شفقة بتموتني، وطارق قاعد وحاطط رجل على رجل وكأنه ملك زمانه. في الوقت ده، أنا كنت قاعدة مكسوفة جداً، وشي في الأرض، وزعلانة بدموع عيني على حرج جوزي اللي كان قاعد ساكت ومتحمل كل نظرات الاستصغار من اللي حوالينا عشان خاطري بس.
وفجأة، وإحنا بناكل، طارق جوز أختي الكبيرة ساب المعلقة وقال: "المايه خلصت.. هقوم أجيب مية عشان عطشان."
مراته قامت بسرعة وقالت له : "لا يا حبيبي خليك مرتاح، هقوم جيبلك أنا."
مسك إيدها وقالها بنبرة تباهي: "خليكي مرتاحة يا حبيبتي، أنا هجيب."
هنا أمي اتدخلت بسرعة وبصوت جهوري سمع الصالة كلها وقالت لطارق: "ولا أنت ولا هي! أنت تطلب ومتقومش من مكانك، أنت بتتعب وتشقى ولازم ترتاح.. أنت ومراتك كلو كويس واقعدوا مرتاحين."
وفجأة.. لفت أمي وجسمها كله طاقة غل، ومدت إيدها بالشفشق الكبير بتاع المية، ووجهت كلامها وجسمها لمصطفى جوزي.. وقالت
له بنبرة تريقة واضحة والابتسامة الخبيثة على وشها:
"املاه أنت يا مصطفى قوم اسقي طارق.. فقير القوم خادمهم!"
وضحكت ضحكة عالية، قال يعني بتهزر وبتلطف الجو! وطبعاً، كل القلوب المريضة اللي قاعدة جاملتها وضحكت معاها ببرود.
في اللحظة دي، الدم ضرب في نفوخي، وشي احمر من الغضب، والدم كان بيغلي في عروقي من الإهانة الصريحة والعلنية لجوزي وقدام العيلة كلها. اندفعت بكل عصبية،
لكن فجأة، لقيت إيد مصطفى القوية بتمسك إيدي بكل حزم وهدوء.. منعني إني أتكلم.
بصيت له وأنا عيني مليانة دموع وغضب، لقيت وشه هادي جداً، وابتسم ابتسامة غامضة وثابتة مفيهاش أي انكسار.. وقف على رجليه بكل ثقة وثبات، واللي عمله في اللحظة دي.. صدم الكل، وخلى أمي واقفة متسمرة في مكانها، مش قادرة تنطق ولا حرف ولا قادرة حتى ترفع عينها وتبص في عينه من كتر الصدمة والذهول اللي حل على الصالة
مصطفى ملامحه متهزتش،
ولا حتى حواجبة اتلفتت برفض. الهدوء اللي كان فيه كان مرعب، هدوء يسبق العاصفة، بس مش عاصفة خناق وزعيق، عاصفة من نوع تاني خالص.. عاصفة تكسر النفوس المريضة بالذوق والأدب.
مد إيده بكل ثبات وأخد الشفشق من إيد أمي، وبص في عيونها مباشرة.. النظرة دي لوحدها خلت أمي ترجع خطوة لورا من غير ما تحس. ابتسم ابتسامة هادية جداً وقال بصوت رخيم وواضح سمع كل ركن في الصالة:
"على راسي يا حماتي.. ست الكل تؤمر ومصطفى ينفذ، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: 'سيد القوم خادمهم'.. وأنا هنا وسط أهلي وناسي، وخدمتكم شرف ليا ومش عيب أبداً."
الكلمتين نزلوا على الملعقة اللي في إيد طارق وعلى دماغه زي المية الساقعة. الصالة كلها فجأة سكتت، الضحك البارد اللي ملى المكان اختفى تماماً وتحول لنظرات إعجاب مكتومة من خيلاني وخالاتي. مصطفى بكل ثقة أخد الشفشق ودخل المطبخ، ملاه مية ساقعة، ورجع الصالة.
بس الصدمة الحقيقية مكنتش
على التربيزة: