بعد 10 سنوات من دفن ابنتها... رنّ هاتف المنزل، وكان المتصل هي!
اركضي إلى البئر!
انهار جزء من الباب بصوت حاد.
لم ينفتح بالكامل، لأن العارضة الخشبية الداخلية كانت ما تزال تمنعه، لكن القفل المعدني تحطم تمامًا.
رأيت مقدمة حذاء أسود رسمي تدخل من الفتحة.
ثم ظهرت يد الأستاذ فاضل السامرائي، وفي إصبعه الخاتم الذهبي الثقيل ذو الحجر الأسود، وهو يدفع الباب إلى الداخل وكأن المنزل ملك له.
قال فاضل بصوت متوتر
أم زهراء، لا تفعلي شيئًا قد يجعلك تتعرضين للأذى. أنا هنا لمساعدتك.
كاذب.
وضعت دفتر زهراء تحت سترتي، وأمسكت صورة السونار القديمة، ثم ركضت نحو الباب الخلفي.
كانت سماعة الهاتف ما تزال في يدي، وسلكها مشدودًا خلفي حتى كاد يُنتزع من الحائط.
كان صوت ابنتي ما يزال معي، متقطعًا ومذعورًا
اللوح المعدني يا أمي... ارفعي اللوح المعدني.
اندفعت إلى الشرفة الخلفية.
ضربني هواء منتصف الليل البارد في وجهي.
كان ضوء القمر الخافت يكشف بالكاد أحواض الزراعة الجافة، وقن الدجاج، وأصص الزهور التي كانت زهراء تعتني بها عندما كانت طفلة.
وخلفها امتدت أشجار النخيل والسدر كظلال سوداء، وفي البعيد ظهرت أضواء السيارات المتحركة على الطريق المؤدي إلى بغداد.
كان البئر الحجري القديم في نهاية الأرض.
كان مغطى بلوح معدني مموج أكل الصدأ أطرافه، وفوقه صخرتان نهريتان ثقيلتان.
عشر سنوات كاملة لم ألمسه.
وعشر سنوات كنت أمر بجواره وأنا أحمل علف الدجاج أو أسقي النباتات، معتقدة أن زوجي أغلقه من أجل سلامتي.
أما الآن، فقد فهمت أنهم أغلقوه خوفًا مما يخفيه.
سمعت فاضل يقتحم المطبخ خلفي.
صرخ
أم زهراء!
لم يعد يخاطبني باحترام.
ولم يعد يحاول التظاهر بأنه محامٍ هادئ جاء لأداء واجب مهني.
جلست على ركبتي فوق التراب، ودفعت الصخرة الأولى.
بدت ثقيلة بقدر عشر سنوات من الحزن.
احتك جلدي بالحجر، وجرحت أصابعي، وانشق أحد أظافري حتى سال الدم، لكنني تمكنت من تحريكها.
ثم دفعت الصخرة الثانية.
صرخ اللوح المعدني الصدئ في سكون الليل وأنا أجرّه بعيدًا، وكأن صوته كان يوقظ شيئًا نام طويلًا تحت الأرض.
صعدت من الأعماق السوداء رائحة باردة.
رائحة تراب رطب.
وعفن.
وماء راكد.
ورائحة أخرى لم أعرف كيف أصفها، لكن كل أم تستطيع أن تتعرف إليها في أعماق قلبها، حتى لو لم تجد لها اسمًا.
قالت زهراء من الهاتف
أمي، لا تمدي يدك إلى الداخل. أنزلي الدلو.
كان الدلو الخشبي القديم ما يزال معلقًا بالحبل حول البكرة الحديدية الصدئة.
كان زوجي يقول إنه تركه هناك تحسبًا لأن نحتاج البئر يومًا.
لكن كل شيء فعله بعد وفاة زهراء أصبح الآن يملأني بالشك.
حررت المقبض.
صدر صوت متعب من الحبل وهو ينزل بالدلو إلى الأعماق.
خرج فاضل إلى الشرفة الخلفية.
كان يحمل مصباحًا قويًا بيده، واختفت تمامًا ابتسامته المصطنعة التي كان يتظاهر بها أمام الناس.
قال
أنت لا تعرفين ما الذي تفعلينه.
صرخت به وأنا أسحب الحبل الثقيل
بلى. أنا فقط بدأت أفهم أخيرًا.
اصطدم الدلو بشيء في القاع.
لم أسمع صوت ماء.
بل سمعت صوت معدن.
ضربة.
ثم ضربة.
ثم ضربة ثالثة.
كانت الطرقات الثلاث نفسها.
بدأت ساقاي ترتجفان بعنف.
سحبت الحبل بكل ما بقي في جسدي من قوة، مدفوعة بالخوف والغضب.
اندفع فاضل نحوي، لكن الدجاج الذي أفزعته الأصوات خرج فجأة من القن وبدأ يطير في كل اتجاه.
ضرب أحد الدجاج جناحيه في وجهه.
وتعلق آخر بساق بنطاله الرسمي الغالي.
كانت زهراء ستنفجر ضاحكة لو رأت المشهد.
وكِدت أنا أيضًا أضحك، رغم الرعب.
ظهر الدلو أخيرًا عند فوهة البئر.
وفي داخله كانت هناك علبة بسكويت معدنية قديمة، أكل الصدأ أطرافها، ومربوطة بإحكام بسلك صناعي قوي.
رآها فاضل، فاختفى ما بقي من اللون في وجهه.
قال
أعطيني إياها.
ضممت العلبة الباردة إلى صدري.
قلت
سيكون عليك أن تقتلني أولًا.
تقدم خطوة نحوي بنظرة تهديد واضحة.
وفجأة أضاءت مصابيح قوية من الجهة الأخرى
جاء صوت امرأة من الظلام
أم زهراء! هل أنت بخير؟
كانت جارتي أم علي.
ثم جاء صوت ابنها من شرفة منزلهم
معي سلاح مرخّص، وقد اتصلنا بالشرطة!
توقف فاضل في مكانه.
في قرية هادئة، قد تبدو أرملة تعيش وحدها هدفًا سهلًا.
لكن امرأة تصرخ في منتصف الليل، والجيران مستيقظون حولها، والأضواء مسلطة على المنزل، أصبحت مشكلة كبيرة بالنسبة إليه.
والجبناء يكرهون وجود الشهود.
همس فاضل
الأمر لم ينتهِ.
استدار واتجه نحو البوابة الجانبية.
لم يركض، لكنه سار بسرعة، محافظًا على ذلك الغرور البارد الذي يملكه الرجال الذين يعتقدون أن نفوذهم سيمنع الأوساخ من الوصول إلى ثيابهم.
وقبل أن يعبر البوابة، نظر إلى البئر وقال
بعض الموتى يجب أن يبقوا صامتين.
ضممت العلبة إلى صدري بقوة أكبر، وقلت
وبعض الأحياء يجب أن يتعلموا الصمت قبل أن تدفنهم أكاذيبهم.
لا أعرف من أين جاءتني تلك الكلمات.
ربما جاءت من زهراء.
وربما جاءت من كل أم بكت يومًا أمام نعش مغلق دون أن تعرف ما بداخله.
اختفى فاضل بين الأشجار.
عندها فقط خذلتني ساقاي.
سقطت على التراب بجوار الصخرتين.
كانت سماعة الهاتف ما تزال ملتصقة بأذني.
همست
يا ابنتي... لقد وجدتها.
لم أسمع من الجهة الأخرى سوى التشويش.
ثم عاد صوت زهراء، لكنه كان أضعف بكثير، وكأنه يبتعد
أنا لست في القبر يا أمي.
سألتها
أين أنتِ؟
ساد الصمت.
ثم قالت
أنا في الأشياء التي أخفوها.
وانقطع الاتصال.
محتويات العلبة
فتحت علبة البسكويت بأصابع تنزف.
كان داخلها كيس بلاستيكي سميك محكم الإغلاق، يحمي ثلاث صور فورية قديمة، وشريط تسجيل صغير، وسوارًا خاصًا بأحد المستشفيات، وورقة مسطرة مطوية مرات عدة.
كانت الورقة مكتوبة بخط زهراء الذي لا يمكن أن أخطئه.
خط ابنتي الصغيرة، التي كانت تكتب حرف الميم كأنه سلسلة من قمم الجبال.
قرأت
إذا وجدتِ هذه الرسالة يا أمي، فسامحيني لأنني لم أخبرك. أنا حامل.
عندما قرأت عبارة طفلي، شعرت بأن الكون كله انشق أمامي.
رائد السامرائي.
محافظ المحافظة.
صاحب الخاتم الذهبي.
الرجل نفسه الذي احتضنني في مجلس العزاء وقال لي
ابنتك الآن في مكان أفضل يا أم زهراء.
الرجل نفسه الذي كان يظهر في كل احتفال رسمي ببدلته الأنيقة، مبتسمًا بين الأهالي، ويلقي الخطب عن الأسرة والقيم وحماية المجتمع.
أي قذارة كان يخفيها ذلك الرجل!
كان يتحدث أمام الناس عن القيم العائلية، بينما يصنع المآسي في الظلام.
دخلت أم علي إلى الحديقة مسرعة، وقد وضعت شالًا صوفيًا ثقيلًا فوق كتفيها.
قالت
يا إلهي، ماذا حدث؟
لم أستطع الكلام.
مددت إليها الورقة فقط.
لم تكمل قراءة السطر الثاني حتى شهقت ووضعت يدها على فمها.
قالت
هذا الوحش!
وصل ابنها وهو يمرر ضوء المصباح في أرجاء الحديقة، وتبعه اثنان من الجيران.
وخلال دقائق، امتلأت حديقتي بأصوات منخفضة، ومعاطف ارتداها أصحابها على عجل، وأحذية غير مربوطة، وخوف وغضب شديدين.
هكذا تعمل القرى الصغيرة.
قد تتأخر في الاستيقاظ، لكنها عندما تستيقظ، يستيقظ الجميع معًا.
وصلت سيارتان من مركز الشرطة بعد نحو نصف ساعة.
ملأت الأضواء الحمراء والزرقاء المكان، لكنها أثارت في داخلي خوفًا أكبر من شعوري بالراحة.
فإذا كان رائد السامرائي محافظًا، وكان شقيقه المحامي يقتحم المنازل في منتصف الليل بثقة، فلمن يعمل أولئك الضباط فعلًا؟
اقتربت أم علي من أذني وقالت
لا تسلميهم أي شيء هنا. اطلبي أن تُسلّم الأدلة إلى مديرية مكافحة الإجرام في بغداد، أو إلى جهة مركزية لا تخضع للمحافظة.
نظرت إليها بدهشة.
سألتها
كيف تعرفين ذلك؟
قالت
ابنة أختي اختفت ثلاثة أشهر
أخفيت العلبة تحت سترتي الواسعة.
وعندما حاول أحد الضباط أخذها مني، نظرت مباشرة في عينيه وقلت
هذه ستُسلّم إلى