سقطت طالبة في ممر المدرسة... ولم يتحرك أحد سوى فراش عجوز!

لمحة نيوز

كثيرة كنت أعتقد أن التذكر أمر خطير.
وأن فتح هذا الصندوق يعني إعادة كل الضجيج إلى رأسي من جديد.
لكنني في تلك الليلة لم أشعر بالألم وحده.
شعرت بالامتنان أيضًا.
لأن هذه اليدين المتعبتين اللتين حاولت إخفاءهما طوال تلك السنوات ما زالتا قادرتين على فعل شيء مفيد.
ليس إنقاذ الجميع.
فهذا درس تعلمته منذ زمن طويل.
لكن على الأقل عدم المرور بجانب من يحتاج المساعدة.
ومع اقتراب نهاية العام الدراسي، قررت المدرسة إقامة حفل صغير.
وعندما أخبروني بالأمر سألت فورًا
هل تريدون مني ترتيب الكراسي؟
ابتسمت السكرتيرة.
وقالت
لا يا عمو أبو علي... هذه المرة عليك أن تجلس على أحدها.
أثار ذلك شكوكي.
لكنني ذهبت رغم ذلك.
وعندما دخلت قاعة النشاطات وجدتها ممتلئة.
طلاب.
ومعلمون.
وموظفو المدرسة.
وكان مصطفى واقفًا في أحد الجوانب.
كما كانت زهراء موجودة هناك أيضًا.
ثم صعدت إلى المنصة وهي تحمل ملفًا أزرق بيدها.
وبدأت تتحدث.
وقفت زهراء على المنصة وهي تمسك الملف الأزرق بيديها.
وكانت تنظر إلى الحضور بهدوء لم يكن موجودًا فيها من قبل.
ثم بدأت الكلام
هذا العام الدراسي كاد أن ينتهي بالنسبة لي قبل أن يبدأ.
ساد الصمت فورًا داخل القاعة.
تابعت
لا أريد أن أتحدث عن الخوف. تحدثت عنه كثيرًا من قبل. أريد أن أتحدث عن شيء تعلمته بعد ذلك.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
تعلمت أن شخصًا واحدًا يمكن أن ينقذ حياتك في دقيقة واحدة. لكن يمكنه أيضًا أن يغير طريقتك في رؤية العالم لأشهر طويلة بعد ذلك.
ثم نظرت
نحوي مباشرة.
وتمنيت في تلك اللحظة لو أستطيع الاختفاء كما كنت أفعل دائمًا.
لكن ذلك لم يعد ممكنًا.
قالت
عمو أبو علي لم يساعدني في ذلك اليوم فقط. بل علّم كثيرين منا أن الانتباه إلى الناس شكل من أشكال الاهتمام بهم.
ارتجف صوتها قليلًا.
ثم أضافت
وعلّمنا أيضًا أن لا أحد يجب أن يكون مجرد جزء من المشهد.
بعدها أشارت بيدها نحوي.
وقالت
عمو أبو علي... تفضل.
هززت رأسي رافضًا.
لكنها أصرت.
وعندما تدعوك فتاة نجت من يوم كاد يغيّر حياتها كلها، يصعب أن ترفض.
صعدت إلى المنصة ببطء.
وكالعادة أطلقت ركبتاي اعتراضهما المعتاد.
ابتسم بعض الحاضرين.
أما زهراء فقد سلمتني الملف الأزرق.
لم يكن شهادة رسمية.
ولا درعًا تكريميًا.
ولا أي شيء فاخر.
بل ملفًا عاديًا، انثنت إحدى زواياه قليلًا.
فتحته.
فوجدت داخله عشرات الصفحات.
رسائل قصيرة.
رسومات.
كلمات شكر.
ذكريات.
واعتذارات.
وفي الصفحة الأولى كُتب
إلى عمو أبو علي... الذي كان منتبهًا دائمًا.
لم أستطع إكمال القراءة.
ليس هناك.
وليس أمام كل هؤلاء الناس.
ثم اقتربت زهراء وعانقتني.
في البداية بقيت متجمدًا في مكاني.
ثم رفعت ذراعي ببطء وعانقتها أيضًا.
بحذر شديد.
كما يعانق الإنسان شيئًا كان على وشك أن يفقده.
بعدها بدأ التصفيق.
تصفيق طويل.
وكبير.
وطويل أكثر مما اعتدت عليه.
فأنا رجل اعتاد سماع صوت المفاتيح أكثر من صوت التصفيق.
وعندما نزلت عن المنصة وضع مصطفى يده على كتفي.
وقال
هل أنت بخير؟
هززت رأسي.
لكن الحقيقة أنني لم أكن بخير تمامًا.

وربما لا بأس بذلك.
فأحيانًا يكون عدم الاكتمال جزءًا طبيعيًا من الاستمرار في الحياة.
جاء آخر يوم دراسي.
وكانت المدرسة تفوح منها رائحة الصيف.
ورائحة الحقائب الفارغة.
ورائحة الحرية التي يشعر بها الطلاب مع بداية العطلة.
كان الجميع يغادرون بسرعة.
وكأن العالم كله أصبح ملكهم لشهرين كاملين.
مرت زهراء من الباب الرئيسي برفقة والدتها.
كانت والدتها قد شكرتني مرات كثيرة خلال الأشهر الماضية.
بطرق مختلفة.
وبكلمات كثيرة.
حتى إنني لم أعد أعرف كيف أرد عليها.
لكنها في ذلك اليوم لم تبكِ.
ولم تتأثر.
اكتفت بأن قالت
أتمنى لك صيفًا جميلًا يا أبو علي.
ابتسمت وقلت
ولكم أيضًا.
اقتربت زهراء مني.
وقالت
سأعود في أيلول.
قلت
أتمنى ذلك. فما زلت أحتاج إلى توبيخك بسبب تلك الحقيبة التي تحملين فيها نصف البيت كل يوم.
ضحكت.
وقالت
بعض الأشياء لا تتغير.
ابتسمت.
وأجبت
وليس من الضروري أن تتغير كلها.
بقيت تنظر إليّ للحظة.
ثم سألت
عمو أبو علي... هل يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد عندما يتقدم في العمر؟
فاجأني السؤال.
نظرت إلى الساحة الفارغة.
ثم إلى يديّ.
اليدين نفسيهما.
لكن أكثر تعبًا.
وأبطأ حركة.
إلا أنهما لم تكونا بلا فائدة.
فقلت
نعم.
سكت قليلًا.
ثم أضفت
لكنه لا يبدأ من جديد عندما يمحو ما كان عليه. بل عندما يتوقف عن الاختباء منه.
هزت رأسها ببطء.
وكأنها تحفظ الجملة في مكان مهم داخلها.
ثم غادرت مع والدتها.
وبقيت أراقبهما وهما تعبران البوابة تحت شمس حزيران.
كانت ما تزال زهراء نفسها.

لكنها لم تعد تمشي وكأنها تعتذر عن وجودها في هذا العالم.
وعندما أغلقت الباب الرئيسي بعد مغادرتهما، بدا لي صوت المفاتيح مختلفًا.
طوال سنوات كان مجرد صوت روتيني.
معدن يلامس معدنًا.
أبواب تُفتح.
وأبواب تُغلق.
لكنني أدركت يومها أنه قد يكون شيئًا آخر أيضًا.
قد يكون وعدًا بسيطًا.
وعدًا بأن أبقى منتبهًا.
وأن أتذكر أن الإنسان ليس فقط ما يراه الآخرون فيه.
وألا أسمح للعالم بأن يحول الأشخاص الهادئين إلى مجرد تفاصيل في الخلفية.
والآن، عندما أمشي في الممرات، ما زلت أرى أشياء لا يلاحظها كثيرون.
طالبة تتناول طعامها وحدها.
ومعلمًا يبتسم أكثر مما ينبغي ليخفي تعبه.
وعاملة نظافة تحمل فوق طاقتها.
وطالبًا يخفض رأسه كلما ضحك الآخرون.
لا أستطيع إصلاح كل شيء.
ولا أحد يستطيع.
لكنني أستطيع أن أنتبه.
أستطيع أن ألقي التحية.
أستطيع أن أقترب.
وأستطيع أن أسأل
هل أنت بخير؟
وأحيانًا تكون هذه الجملة، إذا قيلت في الوقت المناسب، أثقل وزنًا مما يتخيل الناس.
ما زلت أبو علي.
فراش المدرسة.
المعطف الرمادي.
والمفاتيح المعلقة عند خصري.
واليدان المتعبتان.
لكن لم يعد يزعجني أن يراني الناس كما كان يحدث سابقًا.
لأنني تعلمت شيئًا متأخرًا.
لكن ليس متأخرًا جدًا.
يمكن للإنسان أن يقضي نصف عمره باحثًا عن الصمت.
ثم يكتشف في النهاية أن لديه صوتًا ما زال قادرًا على الوصول إلى الآخرين.
وربما البطل ليس ذلك الشخص الذي يفعل أمرًا عظيمًا مرة واحدة.
وربما البطل
الحقيقي هو من يقرر كل يوم ألا يمر
بجانب الناس دون أن يراهم.
حتى لو لم يصفق له أحد.
حتى لو لم يعرف أحد ما فعله.
حتى لو كان كل ما يفعله هو فتح باب.
أو مد يد.
في اللحظة التي يحتاجها فيها شخص آخر أكثر من أي وقت مضى.

تم نسخ الرابط