ذهبت لأطمئن على حماي المريض... فاكتشفت أنني كنت الضحية طوال 5 سنوات!
— إنتِ أسوأ منه. جاسم يكرهني وكان واضح. أما إنتِ فكنتِ تطعميني بإيدچ.
قالت دون أن تدافع عن نفسها:
— إيه. أنا أسوأ. بس اسمعيني بآخر شي باقي عندي.
ثم اعتدلت بصعوبة، حتى إن رؤيتها كانت تثير الشفقة.
قالت:
— من كل هذا البيت، أنا الوحيدة اللي خليت إلچ باب. محد كان راح يگولچ: خلي شي إلچ. لا زوجچ، ولا زوجي، ولا حتى أبوچ. أنا بنيت القفص... وأنا تركت إلچ المفتاح. دوري على معنى إذا تگدرين، لأن أنا ما بقى عندي وقت.
هذه الجملة أحفظها عن ظهر قلب.
أرددها في الليالي.
"أنا بنيت القفص... وأنا تركت إلچ المفتاح."
لا أعرف هل كانت أقسى جملة سمعتها في خمس سنوات، أم أرحم جملة.
أظن أنها كانت الاثنين معًا.
وهذا ما لا يستطيع عقلي استيعابه حتى الآن.
خرجت من المصلى دون أن أودعها.
—
الأيام الثلاثة التالية لم أنم.
لكنني لم أبكِ أيضًا.
أقول هذا لأن الناس عندما يسمعون القصة يتوقعون أنني بكيت.
أنا فعلت شيئًا آخر.
اتصلت بمحامية الشركة.
امرأة جافة جدًا، كان زوجي "الأعمى" نفسه قد عيّنها.
وبصفتي الممثلة القانونية والمساهمة الأكبر، جمّدت حسابات الشركة.
أوقفت خطة رهن البيت فورًا.
من دون توقيعي، لا أحد يلمس البيت.
وتوقيعي لن يصل أبدًا.
سحبت الثلاثمئة مليون دينار من الوديعة، مالي أنا، إلى حساب جديد لا يعرفه سيف ولا حتى الله على الأرض.
وتركت سيف والحاج جاسم مكشوفين.
لأن الشركة التي
وقّعت كل ورقة بيدي.
من دون أن ترتجف هذه المرة.
وكان هناك حساب آخر.
صغير.
تخرج منه كل يوم اثنين دفعة العلاج الكيمياوي للحاجة أمينة.
ذلك الحساب كان مجمدًا أيضًا.
وتركته مجمدًا.
قلت لنفسي إنني في تلك الليلة داخل السيارة لم يكن أمامي إلا رسالة واحدة.
إما هم أو هي.
وإن الحياة وضعت أمامي طريقين، وأنا اخترت طريق العدالة.
قلت ذلك لنفسي بطريقة مقنعة جدًا، حتى إنني كدت أصدقه.
—
ماتت الحاجة أمينة بعد ثلاثة أسابيع.
لم يكن هناك علاج يوم الاثنين.
ولا الاثنين الذي بعده.
ولا الذي بعده.
جسدها من دون العلاج انهار بسرعة.
أسرع مما كانت قد حسبت، على ما أظن.
هي التي كانت تحسب كل شيء.
ذهبت إلى العزاء.
لا تسألوني لماذا.
أنا نفسي لا أعرف جيدًا.
كان الحاج جاسم جالسًا في زاوية، منحنيًا، لا يقشر شيئًا، ولا يضحك على أحد.
الرجل الذي أكل تفاحة كاملة وهو يدّعي المرض، أصبح الآن عجوزًا حقيقيًا فقد زوجته.
كان يبكي بطريقة قبيحة، فمه مفتوح، ولا يهتم بمن يراه.
كان يحبها.
بطريقته الفاسدة، لكنه كان يحبها.
وهذا أكثر ما هزني.
أن الوحش الحقيقي كان يدفن شخصًا يحبه.
كرار لم يمثل شيئًا.
لم يسلّم عليّ.
ولم يشتمني.
نظر إليّ من بعيد ثم خفض رأسه
"لا أنا ولا إنتِ."
على الأقل هو لم يتظاهر يومًا بأنه يحبني.
وهذه الحسنة الوحيدة التي أستطيع قولها عن كرار.
سيف ظل يبحث عني بعينيه طوال الليل.
وفي لحظة اقترب مني.
قلت له مباشرة:
— إنت تركت الباب مفتوح بالمستشفى. عشرة سنتيمترات. كان عن قصد؟
لم يجب.
فقط نظر في عيني، ثم مضى.
وحتى اليوم لا أعرف إن كان ذلك الرجل قد أحبني ولو قليلًا، أم أن الباب المفتوح كان صدفة.
عدم معرفتي ينهشني أكثر من كل شيء.
لأنه إذا كان ترك الباب مفتوحًا عن قصد، فهذا يعني أن أسوأ شخص في القصة كان بداخله غرام واحد من شيء... وأنا لم أمنحه حتى ذلك.
—
الرسالة أعطتني إياها ممرضة عند خروجي من العزاء.
كانت الحاجة أمينة قد تركتها مع تعليمات واضحة:
"تنسلم للسيدة... إلها هي... بإيدها."
كانت قصيرة.
وخطها يرتجف.
كتبت فيها أنها لا تطلب مني السماح، لأنها لا تستحقه.
وأنها لو كانت مكاني لفعلت الشيء نفسه تمامًا:
لتركت كل شيء مجمدًا.
وتركتها تموت.
ولما خسرت دقيقة نوم واحدة.
وكتبت أن هذا هو السبب الذي جعلها تختارني منذ البداية، لأنها رأت فيّ منذ يوم العرس امرأة ستتوقف يومًا عن كونها ساذجة.
وفي آخر الورقة، بخط رفيع يرتجف، كتبت مرة أخرى:
"حفظتِ شي إلچ يا بنتي. زين سويتي."
هذه الرسالة ما زلت أحتفظ بها في درج.
في الدرج الذي أضع فيه الشيء الوحيد الذي يخصني حقًا.
وهنا يوجد ما لم أقله
بعد أسبوع من الدفن، كانت المحامية تراجع الحسابات من أجل الإغلاق، فقالت لي شيئًا عابرًا دون أي قصد:
"زين سويتي جمّدتي كل شي، بس كان ممكن تفتحين بس حساب علاج حماتچ وتخلين الباقي مقفل. هواية ناس ما يعرفون إنه الحسابات تنفصل."
الحسابات تنفصل.
أنا محاسبة.
وأدرت تلك الشركة خمس سنوات.
كنت أعرف جيدًا أن الحسابات يمكن فصلها.
في تلك الليلة داخل السيارة، لم أكن مضطرة أن أختار بين هم وهي.
كان بإمكاني أن أغرقهم جميعًا، وبضغطة واحدة إضافية، أترك العلاج يصل إلى امرأة كانت تموت.
كان بإمكاني أن أحصل على عدالتي كاملة، وفي الوقت نفسه لا أترك الوحيدة التي حذرتني تموت.
كنت أعرف ذلك في تلك اللحظة.
وقلت لنفسي:
"لا أستطيع إرسال إلا رسالة واحدة."
لأن الحقيقة كانت أبشع:
لم أكن أريد إنقاذها.
ولا حتى النسخة منها التي تركت لي المفتاح.
تركتها تموت لأنني كنت أستطيع.
لأنني بعد خمس سنوات من الدفع للجميع، جاء دوري أخيرًا لأقرر من لا يحصل على شيء.
أمي، عندما عرفت بكل شيء، قالت لي إنني قاتلة ببدلة أنيقة، تركت امرأة مريضة تموت وكان بإمكاني إنقاذها بإصبع واحد.
صديقتي تقول إن الحاجة أمينة هي من صنعت القفص، وباعتني مثل البضاعة، ولم أكن مدينة لها حتى بالهواء.
وإن أي امرأة مكاني كانت ستفعل أقل مما فعلت.
الاثنتان تتحدثان بالثقة نفسها.
والاثنتان تعتقدان أن الأمر واضح.
أما
فلدي تلك الرسالة في الدرج.
وفيها جملة:
"زين سويتي يا بنتي."
ترتجف في السطر الأخير.
وهناك ليالٍ لا أعرف فيها إن كنت حفظت الشيء الوحيد الذي بقي لي من نفسي...
أم قتلت امرأة عجوزًا وعلقت فوق ذلك شريطة مكتوبًا عليها:
عدالة.