عاد بثروةٍ ومحامٍ وانتزع الطفلين من جدتهما… لكن النهاية حسمها صوتٌ لم يحسب له حسابًا

لمحة نيوز

إغماء أخرى، وليالٍ أكثر من العرق البارد، وصباحات أكثر لم تعد فيها ماريسول قادرة على النهوض من فوق الحصير.
جمعت ماريا ما استطاعت، وطلبت توصيلة في شاحنة أحد الجيران، وأخذتها إلى المركز الصحي في البلدة الواقعة أسفل الجبل.
فحصها الطبيب، وطرح بعض الأسئلة، وجسّ بطنها، ثم قال لماريا إنهما تحتاجان إلى الذهاب إلى المدينة، وإنهما تحتاجان إلى فحوص، لأن ذلك المكان لا يمكن فيه إجراء ما يلزم.
كان السفر إلى مدينة أواكساكا طويلًا.
جلست ماريسول صامتة تنظر من نافذة الحافلة، وفالنتينا نائمة في حجرها.
وجلست ماريا إلى جوارها تصلي في صمت، وتقبض بين أصابعها مسبحةً خرزاتها بالية.
وصلت النتائج بعد أسبوع.
سرطان متقدم. متقدم أكثر مما ينبغي.
تحدث الطبيب بكلمات لم تفهمها ماريا كلها، لكنها فهمت ما يهم. فهمت نظرة الطبيب. فهمت الصمت الذي تلا الكلمات. فهمت أن ابنتها ستموت.
تلقّت ماريسول الأمر بهدوء كسر قلب ماريا.
لم تبكِ، لم تصرخ، سألت فقط كم بقي؟
وحين قال الطبيب أشهر، أومأت برأسها كما لو أنه أخبرها بتوقعات الطقس.
لكن في تلك الليلة، حين كان الطفلان نائمين، سمعتها ماريا تبكي من الغرفة الأخرى.
بكاء منخفض، مكتوم، بكاء شخص لا يريد أن يوقظ أحدًا.
وكانت الأشهر التالية هي الأطول في حياة دونيا ماريا.
كانت تعتني بابنتها التي كانت تنطفئ ببطء، مثل شمعة ينقصها الهواء. كانت تحممها، وتطعمها بيدها حين لم تعد لديها قوة، وتبدّل الشراشف المبللة بالعرق في الفجر، وفي الوقت نفسه تعتني بطفلين لا يفهمان لماذا لم تعد أمهما تنهض، ولماذا لم تعد تلعب معهما، ولماذا تنام كثيرًا.
كان سيباستيان، وعمره أربع سنوات، يجلس إلى جوار حصير أمه ويمسح شعرها من غير أن يقول شيئًا.
وكانت فالنتينا، وعمرها ثلاث سنوات، تأتيها بزهور من الساحة وتضعها على وسادتها.
وفي صباح من شهر أكتوبر، قبل أن تشرق الشمس، ضغطت ماريسول على يد أمها وقالت
اعتني بهما يا أمي. اعتني بهما كما اعتنيتِ بي.
لم تستطع ماريا أن تجيب. اختنق حلقها. اكتفت بالإيماء.
ماتت ماريسول في ذلك الصباح نفسه في بيتها الطيني، على حصيرها، والرداء الذي كانت أمها قد أهدته لها يوم أتمت الخامسة عشرة موضوع فوق صدرها.
كان عمرها ثمانية وعشرين عامًا.
جاءت القرية كلها إلى الجنازة.
ساعدت روزاريو ماريا في العناية بالطفلين، بينما كانت هي تمشي خلف النعش وعيناها مثبتتان إلى الأمام وشفتيها مطبقتان.
لم تبكِ أمام الناس. بكت بعد ذلك وحدها، جالسة على المقعد الصغير قرب الباب، حين حل الليل ونام الطفلان أخيرًا.
أما رودريغو، فقد علم.
أرسل
إليه أحدهم خبرًا.
وصل إليه النبأ حتى تكساس.
علم أن أم أولاده ماتت بالسرطان في الثامنة والعشرين من عمرها، ولم يعد.
لم يتصل، لم يرسل مالًا، لم يرسل زهرة، لم يرسل شيئًا.
كما لو أن ماريسول لم توجد قط، وكما لو أن هذين الطفلين اللذين كانا ينامان الآن باكيين على أمهما ليسا من صلبه.
كان عمر دونيا ماريا اثنين وستين عامًا، وجسدها متعبًا وقلبها مكسورًا، لكنها كانت تملك حفيدين يحتاجان إليها، وكان ذلك وحده سببًا كافيًا لكي تنهض كل صباح.
كانت روتينها يبدأ قبل الفجر.
تنهض والظلام ما زال قائمًا، وتضع شالها، وتشعل الموقد، وتضع الماء للقهوة.
ثم تخرج إلى الحديقة، تسقي الصبّار، وتتفقّد الفلفل، وتقتلع الأعشاب الضارة التي تنبت بين القرع، وتطعم الدجاجات، وتجمع البيض، وتحلب العنزة، وتعدّ جبنًا طازجًا تلفّه بأوراق الذرة لتبيعه في سوق الأحد.
وفي أيام الأحد كانت تسير ساعة كاملة إلى السوق، والطفلان خلفها؛ سيباستيان يحمل قفصًا فيه الجبن، وفالنتينا متعلقة بطرف تنورتها.
كانت تبيع ما تستطيع. أحيانًا يكفي، وأحيانًا لا يكفي.
وحين لا يكفي، كانت هي تحرم نفسها من العشاء ليأكل الطفلان.
لم تتذمر قط.
لم تقل لأحد إن ركبتيها تؤلمانها، وإن ظهرها لم يعد يقوى، وإنها أحيانًا تجد صعوبة في التنفس ليلًا.
كانت تحتفظ بهذه الأشياء لنفسها.
لكن لم يكن كل شيء عذابًا.
فقد كانت هناك أمسيات يلعب فيها سيباستيان وفالنتينا في الساحة، فتملأ ضحكاتهما البيت كله.
وكانت هناك ليالٍ تحكي لهما فيها ماريا قصصًا إلى جوار الموقد، قصصًا تخترعها عن حيوانات تتكلم وجبال لها أسماء.
كانت فالنتينا تتكور إلى جوار جدتها وتطلب منها أن تحكي واحدة أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى تغفو وفمها نصف مفتوح، ورداء أمها مضغوطًا إلى صدرها.
ذلك الرداء.
لم تكن فالنتينا تتركه أبدًا.
كانت تنام به، وتأكل به، وتسحبه في الساحة وراءها.
كان الشيء الوحيد الذي بقي لها من ماريسول، وكانت الطفلة تعرف ذلك، حتى وإن لم يشرحه لها أحد.
أما سيباستيان فكان مختلفًا.
لم يكن يتحدث كثيرًا عن أمه، لكن كلما ذكر أحد كلمة أب، كان يصمت ويطبق على أسنانه.
ومع الوقت صار رجل البيت.
في الثامنة من عمره كان يحمل دلاء الماء من البئر.
وفي التاسعة كان يساعد في الزراعة.
وفي العاشرة كان يعرف أي نبتات الصبار قد حان وقت قطعها وأيها لم يحن.
كانت ماريا تنظر إليه وترى طفلًا يكبر أسرع مما ينبغي، طفلًا يحمل في صدره شيئًا لا يعرف كيف يسميه.
ومضت السنوات هكذا؛ بطيئة، قاسية، لكنها تنطوي على سلام لم يعرفه ذلك البيت منذ أيام رودريغو.
ماريا،
وسيباستيان، وفالنتينا، الثلاثة وحدهم بين جبال أواكساكا، يبنون حياة من القليل الذي يملكونه.
وكل ليلة، قبل النوم، كانت ماريا تجلس على المقعد الصغير عند الباب.
تنظر إلى الجبال المظلمة وتفكر في ابنتها.
كانت تخاطبها في صمت.
تقول لها إن الطفلين بخير، وإنهما يكبران قويين، وإنها لن تخذلها.
ست سنوات مرّت على هذا الحال.
كان سيباستيان قد بلغ الحادية عشرة، وفالنتينا العاشرة.
وكانت دونيا ماريا تظن أن الأسوأ قد صار وراءهم.
لا خبر من رودريغو ميندييتا، لا اتصال، لا رسالة، لا نقود.
ثماني سنوات لم يظهر فيها، حتى جاءت بعد ظهيرةٍ ارتفع فيها غبار الطريق مع صوت محرك لا ينتمي إلى تلك القرية.
كان سيباستيان أول من رآه.
كان يقطع أوراق الصبار في الحديقة حين سمع الصوت.
رفع رأسه ورأى الشاحنة السوداء تصعد في الطريق الترابي ببطء، كما لو أنها تبحث عن شيء.
مسح يديه في بنطاله وسار نحو الساحة، وقد ضيّق عينيه من شدة الشمس.
كانت فالنتينا جالسة على الأرض ترسم بعصا على التراب.
وكانت ماريا تفرط الذرة قرب الباب.
ولم تكن أي منهما قد رأت شيئًا بعد.
توقفت الشاحنة أمام البيت.
انطفأ المحرك، ونزل من جهة السائق رجل ببدلة داكنة وربطة عنق وحذاء لا ذرة غبار عليه.
ونزل من الجهة الأخرى رجل أقصر، يضع نظارات ويحمل حقيبة أوراق جلدية.
رفعت ماريا عينيها، وتوقف العالم.
ثماني سنوات.
ثماني سنوات من دون أن تراه، لكنها عرفته في الحال.
الفك المشدود نفسه.
العينان الباردتان نفسيهما.
اليدان نفسهما اللتان كانتا يومًا ما تقذفان الأشياء على الجدار في تلك الغرفة البائسة.
غير أن هاتين اليدين الآن كانتا تحملان ساعة تلمع وخاتمًا يساوي أكثر مما تكسبه ماريا في سنة كاملة.
سار رودريغو ميندييتا نحو الباب من غير أن يسلّم على أحد.
تأمل البيت من أعلاه إلى أسفله، وتأمل السقف المرقّع، والدجاجات الهزيلة، والحديقة المغبرة، ولوى فمه بإشارة قرف لم يحاول حتى أن يخفيها.
قال
جئتُ لآخذ أولادي.
لا صباح الخير، ولا سؤال عن حالهم، ولا نظرة إلى الطفلين اللذين كانا يراقبانه من غير أن يعرفاه.
نهضت ماريا عن المقعد.
كانت ساقاها ترتجفان، لكنها نهضت.
رودريغو، هذان الطفلان هنا منذ ثماني سنوات. أنت من تركتهما. أنت من رحلت. أنت حتى لم تأتِ إلى جنازة ماريسول.
لم يتأثر رودريغو.
قال
ماريسول ماتت. وأنا الأب. إنهما ابناي، وسآخذهما.
تقدم المحامي خطوة.
قال
سيدتي، السيد ميندييتا هو الأب القانوني لهذين القاصرين. وأنصحكِ بألا تعقّدي الأمور.
نظرت ماريا إليهما معًا، إلى المحامي بحقيبته وصوته البارد، وإلى
رودريغو ببدلته واحتقاره.
وعرفت أنها لا تملك شيئًا تقاتل به.
لم يكن لديها محامٍ، ولا أوراق، ولا مال.
لم يكن لديها إلا اليدان اللتان ربّت بهما الطفلين، وحبّ لا يعني شيئًا في نظر القانون.
سار رودريغو نحو الساحة.
اختبأت فالنتينا خلف جدتها، تمسك بطرف تنورتها بكلتا يديها.
ووقف سيباستيان أمامهما بقبضتين مشدودتين وعينين ملأتهما غضبة جعلت شفته ترتجف.
قال سيباستيان لأبيه
من أنت؟
وخرج السؤال كأنه لكمة.
نظر إليه رودريغو بلا تعبير.
أنا أبوك. اصعد إلى الشاحنة.
قال سيباستيان بصوت مكسور
أنت لا شيء.
تجاهله رودريغو، واقترب من فالنتينا وأمسكها من ذراعها.
صرخت الطفلة، وضغطت على رداء أمها إلى صدرها، ومدّت ذراعيها نحو ماريا
جدّتي، لا أريد أن أذهب، جدّتي.
اندفعت ماريا نحوه، وشدت قميصه، وتوسلت إليه، ورجته بصوت متهشم
لا تأخذهما يا رودريغو، أرجوك، بحق أعز ما لديك، إنهما كل ما تبقّى لي.
استدار نحوها ونظر إليها بعيني من ينظر إلى شيء يثير فيه الشفقة، وقال الكلمات التي لن تنساها ماريا ما دامت حيّة
انظري إلى نفسكِ يا سيدتي. انظري إلى هذا البيت. هذا مزبلة. أولادي يبدون كالمتسوّلين. لقد دمّرتِ حياتهم بتربيتهم في هذا الفقر. أولادي لن يكبروا في هذا القذر.
نفض قميصه كما لو أن ماريا لوّثته.
حمل فالنتينا بذراع، وأمسك سيباستيان من معصمه، وجرّهما نحو الشاحنة.
كان سيباستيان يركل.
وكانت فالنتينا تبكي بصراخٍ حاد شقّ روح كل من سمعه في تلك القرية.
خرج الجيران من بيوتهم.
ركضت روزاريو حتى السور، لكنها بقيت هناك ممسكة بالسلك، لا تدري ماذا تفعل.
لم يكن أحد يعرف ماذا يفعل.
أب يملك المال والمحامي في مواجهة جدة فقيرة بلا أوراق.
سقطت ماريا على ركبتيها في التراب.
التراب نفسه الذي كانت تكنسه كل صباح.
التراب نفسه الذي كانت فالنتينا ترسم فيه الزهور.
التراب نفسه الذي تعلم فيه سيباستيان المشي.
انطلقت الشاحنة، وارتفع الغبار، وغطّى كل شيء.
وحين هدأ الغبار، لم يبق في الساحة إلا العصا التي كانت فالنتينا ترسم بها، والصمت.
بقيت دونيا ماريا على ركبتيها وقتًا طويلًا.
وكان على روزاريو أن تذهب لترفعها.
أدخلتها إلى البيت، وقدمت لها الماء، وكلمتها، لكن ماريا لم تجب.
كانت عيناها مفتوحتين، لكنها لم تكن هناك.
كانت في مكان ما داخل نفسها، حيث لا يترك لها الألم مجالًا للتفكير.
في تلك الليلة بدا البيت الطيني أكثر فراغًا من أي وقت مضى.
من دون ضحكات فالنتينا، ولا خطوات سيباستيان، ولا القصص قرب الموقد؛ لم يبق إلا الريح بين الجبال وجدّة تجلس في الظلام ويداها فوق ركبتيها
وعيناها يابستان من كثرة البكاء.
وفي مكان ما على طريق يؤدي إلى مونتيري، داخل شاحنة سوداء تفوح منها رائحة الجلد الجديد، كان طفلان يبكيان في المقعد
تم نسخ الرابط