عاد ليقتحم البيت مع أمه وأخته... لكنه وقف مصدومًا أمام باب لم يعد يخصه!

لمحة نيوز

رنّ جرس الباب مرة، ثم مرتين، ثم ثلاث مرات، وتركت عدة ثوانٍ تمر قبل أن أتجه نحو الباب.
لم أركض.
ولم أستعجل.
لم يكن لدي ما أخاف منه.
فتحت الباب بهدوء، وأبقيت سلسلة الأمان في مكانها في البداية، حتى أرى وجوههم جيدًا قبل أن أسمح لهم بدخول المساحة الصغيرة عند المدخل، التي ما زالت تخصني من الناحية القانونية، ومن حقي أيضًا أن أحميها.
كان جاسم أول من ظهر أمامي.
كان يحمل حقيبتين كبيرتين، ووجهه أحمر من التعب، وعلى ملامحه تلك النظرة المتعالية التي اعتاد عليها؛ نظرة رجل قضى حياته وهو يظن أن مجرد إصراره يكفي حتى يفرض على الآخرين ما يريده.
كانت أمينة تقف بجانبه، وتحمل حقيبة كبيرة وغالية على ذراعها، وقد بدت مستعدة منذ اللحظة الأولى لتعلق على كل شيء، حتى لو لم يطلب منها أحد رأيها.
وخلفهما بخطوة وقفت سارة، تحمل حقيبتين مليئتين بالملابس، وهاتفها في يدها.
كانت تبتسم ابتسامة متعبة، لكنها اختفت في اللحظة التي رأت فيها وجهي.
ثم انتبهت إلى بقية المكان.
خلفي، لم تكن الشقة تحتوي على أي شيء كانوا يتوقعون رؤيته.
لم يكن حذاء جاسم المتسخ موجودًا قرب الباب.
ولم تكن ستراته معلقة في مكانها.
والكرسي الجلدي القديم الذي كان يجلس عليه كل ليلة، وكأنه كرسي مخصص له وحده، اختفى تمامًا.
كتبه، ونظام الصوت، وصناديق أدواته، وربطات العنق التي

كان يتركها في كل مكان...
كل شيء اختفى.
لم يبقَ في الشقة إلا أثاثي.
ولوحاتي.
ونباتاتي.
وملفات عملي.
وأطباقي.
ومكاني.
وحياتي.
المواجهة
رمش جاسم عدة مرات، وقد بدا عليه الارتباك الشديد في البداية، وكأن عقله يرفض أن يفهم ما تراه عيناه بوضوح.
أخرج المفتاح الاحتياطي، وحاول فتح الباب مرة أخرى، رغم أن المحاولة كانت بلا فائدة.
صرخ بغضب
شنو سويتي؟!
نظرت مباشرة إلى عينيه.
لم أرتجف.
ولم أعتذر.
ولم يتغير صوتي.
قلت بهدوء
لا شيء... غير أنني أعدت كل شخص إلى مكانه الصحيح.
نزعت سلسلة الأمان، وخرجت خطوة صغيرة حتى أقف أمام المدخل وأمنعهم من المرور.
ثم وضعت الملف الأزرق الثقيل فوق الحقيبة التي كان جاسم يحملها.
عقدت أمينة حاجبيها بغضب وقالت
ميار، ما هذه الحركة؟
التفتُّ إليها بهدوء واضح وقلت
ليست حركة يا أمينة... بل حدود.
حاول جاسم أن يتقدم ويدخل بالقوة، لكنني لم أتحرك من مكاني.
قال بعصبية
ابتعدي عن الباب. هذا بيتي.
قلت
لا. هذه كانت الكذبة التي كانت تناسبك دائمًا. هذه الشقة مستأجرة من شركة إدارة العقارات، بعقد تم تجديده قبل عامين، واعتمد بشكل أساسي على راتبي، وتحويلاتي البنكية، وقدرتي على دفع الإيجار. صحيح أنك كنت تدفع جزءًا، لكن الجزء الأكبر كنت أدفعه أنا، وكل شيء مثبت بالأوراق.
ثم أشرت إلى الملف وواصلت
وفي هذا الملف يوجد
الإشعار القانوني، وعنوان مخزن الأثاث الذي نُقلت إليه كل أغراضك. تستطيع الذهاب لاستلامها صباح الغد.
لأول مرة منذ زواجنا، تغيّر وجهه من الغضب الذي اعتاد أن يظهره كلما عارضته، إلى دهشة حقيقية.
سألني بصوت بدا فيه ضيق شديد
أنتِ طردتِني؟
قلت
لا. أنا فقط رفضت أن أبقى الخادمة التي تعتمد عليها في البيت وفي كل شيء، وكأن ذلك أمر عادي.
لحظة الانفجار
أطلقت أمينة ضحكة قصيرة مليئة بالسخرية وقالت
يبدو أن منصب المديرة جعلها تشعر بأنها أصبحت شخصية مهمة.
قلت من دون أن أرفع صوتي
لا، لم أصبح مهمة أكثر من قبل... لكنني فهمت قيمتي.
فتح جاسم الملف بسرعة، وأخذ ينظر إلى كشوفات البنك، ونسخ عقد الإيجار، والخطاب القانوني الذي يحمل توقيع محاميتي رنا الجبوري.
كانت تلك هي اللحظة التي فهم فيها أنني لم أتصرف من دون تفكير.
وأن الأمر لم يكن مجرد خلاف بين زوج وزوجته.
ولم أكن على وشك البكاء بعد نصف ساعة، ثم أفتح الباب لأمه وأخته وأقبل أن تتحكما بوقتي وعملي وراحتي، بينما يقرر هو وحده كيف يجب أن أعيش.
كل شيء كان مرتبًا.
وكان القرار قد اتُّخذ.
وانتهى الأمر.
قال أخيرًا بصوت منخفض
أنتِ فقدتِ عقلك.
أجبته بهدوء
غريب... تحملت اثنتي عشرة سنة من الإهانة التي كنت تسميها مزاحًا. واثنتي عشرة سنة وأنا أغيّر حياتي حتى لا تشعر أن نجاحي يزعجك. واثنتي عشرة
سنة وأنا أدفع أكثر، وأعمل أكثر، وأسكت أكثر... وفي أول يوم أقول فيه لا، أصبحت أنا التي فقدت عقلها.
كانت سارة تراقبنا بقلق واضح.
وعلى عكس أمها، لم تبدُ وكأنها جاءت لتتشاجر.
كانت تبدو مستسلمة ومتعبة، وكأنها تبعت خطة وضعها شخص آخر، وهي تأمل أن تقوم امرأة أكثر تنظيمًا منها بحل مشكلاتها.
قالت بصوت هادئ
ميار... ربما نستطيع الدخول ونتحدث بهدوء.
نظرت إليها من دون غضب وقلت
لن تدخلي.
تقدمت أمينة خطوة وقالت بانفعال
كيف تجرئين؟ جاسم زوجك!
قلت
وأنا زوجته، ولست خادمة عنده. ما خطط له جاسم لم يكن مساعدة يا أمينة، بل كان قرارًا فرضه عليّ. لم يسألني، ولم يأخذ رأيي، ولم يهتم بضغط عملي ولا بالمنصب الجديد الذي حصلت عليه. افترض فقط أنني سأطبخ وأنظف، وأترك حياتي كلها حتى أخدم عائلته، بينما يبقى هو الشخص الذي يدور كل شيء حوله.
الحياة الجديدة
قال جاسم ووجهه شديد الاحمرار
لقد تجاوزتِ كل الحدود.
قلت
لا. أنا فقط أقف الآن في المكان الذي كان يجب أن أقف فيه منذ سنوات.
رنّ جرس المصعد بصوت واضح في آخر الممر.
فتحت السيدة نوال، جارتنا الكبيرة في السن من الشقة المقابلة، بابها قليلًا، وأخرجت رأسها بدافع الفضول، كما كانت تفعل كلما سمعت مشكلة في المبنى.
لم أهتم.
طوال سنوات، كنت أحاول أن أجعل كل شيء يبدو طبيعيًا.
كنت أبتسم في العزائم العائلية
التي لم أكن مرتاحة فيها، حتى لا يلاحظ أحد المشكلات الموجودة بيننا.
أما هذه الليلة، فلم أعد
تم نسخ الرابط