عاد بثروةٍ ومحامٍ وانتزع الطفلين من جدتهما… لكن النهاية حسمها صوتٌ لم يحسب له حسابًا
شاحنةٌ سوداء أثارت غبار الطريق، نظيفة أكثر مما ينبغي، باهظة أكثر مما ينبغي، وغريبة أكثر مما ينبغي بين بيوت الطين وحظائر الدجاج.
ترجّل رودريغو ميندييتا ببدلة داكنة وربطة عنق وحذاء يلمع كما لو أنه لم يلمس التراب قط. وخلفه نزل رجل آخر يحمل حقيبة أوراق جلدية. واتجها مباشرة نحو أفقر بيت في القرية، حيث كان طفلان يلعبان في الساحة مع كلبٍ هزيل.
كانت دونيا ماريا تفرط حبات الذرة قرب الباب حين رأته. تجمّد الدم في عروقها. ثماني سنوات من دون أن ترى ذلك الرجل. الرجل نفسه الذي اختفى بلا وداع. الرجل نفسه الذي علم أن زوجته ماتت بالسرطان، ولم يملك حتى لياقة أن يرسل اتصالًا واحدًا.
لم يسلّم رودريغو حتى، بل نظر إليها من رأسها حتى قدميها وقال بصوت هو الأبرد الذي سمعته ماريا في حياتها
جئتُ لآخذ أولادي.
نهضت وهي ترتجف.
عمّ تتحدث؟ أنت تركتهم. منذ ثماني سنوات وأنت لا وجود لك بالنسبة لهم.
لم يُجب. سار نحو الطفلين وأمسك فالنتينا من ذراعها. صرخت الطفلة
جدّتي، جدّتي.
لا.
اندفع سيباستيان نحو أبيه وضربه بقبضتيه الصغيرتين على صدره. دفعه رودريغو بيد واحدة.
لا تلمساني. هيا بنا.
ركضت ماريا، وتمسكت بقميصه، وتوسلت إليه.
نفضها عنه كما لو أنها حيوان قذر قد لمسه. سقطت ماريا على ركبتيها في التراب، ومن الأرض، والغبار عالق بتنورتها ويديها، رأت تلك الشاحنة السوداء تنطلق في طريقها الترابي، حاملةً معها الشيء الوحيد الذي بقي لها في هذا العالم.
لكن ما لم يكن رودريغو ميندييتا يعلمه هو أن شخصًا من داخل بيته نفسه سينتهي به الأمر إلى تدميره أمام القاضي.
ولكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظة، علينا أن نعود سنوات إلى الوراء، إلى ذلك البيت الطيني نفسه بين جبال أواكساكا. حين كانت ماريسول ما تزال حيّة، في أعالي جبال أواكساكا، حيث يضيع الطريق الترابي بين تلال مكسوّة بأشجار البلوط، ويهبط الضباب باكرًا كل صباح، توجد قرية بالكاد تظهر على الخرائط.
سان ماتيو يولوكس سوتشيتلان، حفنة من بيوت الطين، وكنيسة جدرانها متقشرة، وسوق شعبي يُقام أيام الأحد. مكان يعرف فيه الجميع بعضهم بعضًا، ويمر فيه الزمن على نحو مختلف، وحيث لا يكون الفقر عارًا، بل عادة.
هناك كانت تعيش دونيا ماريا. كان بيتها أفقر بيت في القرية. جدران من طين كانت ترممها هي نفسها كل موسم أمطار بوحلٍ طازج وبيديها العاريتين. وسقف من الصفائح المعدنية تثبته بالحجارة كي لا تحمله الريح.
وساحة
ومنذ ذلك الحين حملت كل شيء وحدها. لم تدخل المدرسة إلا حتى الصف الثالث. كانت توقّع بعلامة الصليب حين يلزم التوقيع، وتعدّ على أصابعها حين تتقاضى ثمن ما تبيع في السوق.
لكن ما لم تملكه من تعليم، امتلكته في يديها. يدان خَشِنتان، غليظتان، متشققتان من الشمس والتراب. يدان تزرعان الصبّار والفلفل والقرع في حديقة صغيرة خلف البيت.
يدان تحلبان عنزة مُعارة لتصنع منها جبنًا طازجًا تبيعه من باب إلى باب. يدان لا تعرفان الراحة. كانت حياتها بسيطة وقاسية، لكن كان فيها شيء يجعلها تنهض كل صباح بشوق.
ابنتها ماريسول.
كانت ماريسول ابنتها الوحيدة. أنجبتها صغيرة السن. وربّتها وحدها بعد موت الزوج. وكانت تحبها بذلك النوع من الحب الذي لا يحتاج إلى أن يُقال لأنه يُرى في كل شيء في الطريقة التي كانت تدّخر لها بها أفضل قرص تورتيلا من فوق الصاج، وفي الطريقة التي كانت تمشّط بها شعرها ليلًا وهما جالستان في الساحة، بينما كانت النجوم تخرج واحدة بعد أخرى فوق الجبال.
كبرت ماريسول جميلة، هادئة، بعيني أمها الواسعتين وابتسامة تُضيء وجهها كله.
وفي يوم من الأيام تعرفت ماريسول على رودريغو. لم يكن رودريغو ميندييتا من أبناء القرية. كان يأتي من منطقة أدنى منها، من تجمع صغير قرب الطريق العام، حيث كانت لعائلته ورشة ميكانيك بالكاد تكفيهم للقوت.
كان رجلًا يحمل منذ شبابه سخطًا يسمّم كل شيء في داخله. كان ينظر إلى من يملكون أكثر منه ويشعر أن العالم مدين له بشيء. وينظر إلى ضآلة ما يملك فتغلي الدماء في عروقه.
حين تعرّف على ماريسول في احتفال بقرية مجاورة، هدّأه شيء فيها. لبرهة من الزمن.
تزوجا سريعًا، بلا احتفال كبير، وانتقلا إلى غرفة كان رودريغو يستأجرها قرب الطريق.
لم تقل ماريا شيئًا، لكن شيئًا في عيني ذلك الرجل لم يرق لها أبدًا، شيئًا باردًا، شيئًا كان يحسب كل شيء. في البداية سارت الأمور على نحو مقبول. كان رودريغو يعمل في ورشة أبيه.
وكانت ماريسول ترعى البيت، وحين وُلد سيباستيان بدا أن كل شيء يسير على ما يرام. وبعد عام وُلدت فالنتينا. طفلان. عائلة. وكان رودريغو في السادسة والعشرين من عمره، وقد بدأ يشعر أن الحياة تفلت من بين يديه.
لم تكن المشكلة هي الفقر،
لم يكن يضرب ماريسول، لكنه كان يفعل ما هو أسوأ. كان يحمّلها ذنب كل شيء ذنب الفقر، ذنب الأطفال، ذنب أن الحياة لم تمنحه ما يستحق.
كان يقول لها
لولاكم لكنتُ في مكان آخر الآن. أنتم عبئي.
وصبرت ماريسول. صبرت شهورًا. صبرت على الليالي التي كان يعود فيها رودريغو مخمورًا ويلقي الأشياء.
وصبرت على الصراخ الذي كان يوقظ سيباستيان، الذي لم يكن قد تجاوز عاميه، فيغطي أذنيه الصغيرتين وهو في مهده. وصبرت حتى تلك الليلة التي خسر فيها رودريغو فرصة الدخول شريكًا مع أحد معارفه في مشروع نقل لأنه لم يكن يملك رأس المال، فلامها أمام الأطفال.
بسببكِ، بسبب أطفالكِ، بسبب هذه الحياة البائسة التي قيدتِني بها.
ثم نظر إليها باحتقار وقال
في يوم من الأيام سيعيش أولادي حياة أفضل، بعيدًا عن هذا البؤس وبعيدًا عنكِ.
في تلك الليلة لم تبكِ ماريسول.
ظلت ساكنة جدًا، تنظر إلى طفليها النائمين على الحصير، واتخذت قرارًا.
في صباح اليوم التالي، قبل طلوع الفجر، وضعت القليل من ثياب الطفلين في كيس تسوق، وحملت فالنتينا على ذراع، وأمسكت سيباستيان من يده، وسارت في الطريق الترابي حتى بيت أمها.
فتحت دونيا ماريا الباب ولم تحتج إلى أسئلة. كفاها أن ترى عيني ابنتها.
احتضنتهما كلتيهما، ورفعت سيباستيان الذي كان لا يزال نصف نائم، وأدخلتهم إلى البيت من غير أن تنطق بكلمة واحدة.
في ذلك الصباح أعدّت قهوة مطهية على الطريقة التقليدية، وسخّنت أقراص التورتيلا على الصاج، وتركت ماريسول تبكي كل ما تحتاج إلى بكائه.
لم يأتِ رودريغو للبحث عنهم. لا في ذلك اليوم، ولا في اليوم التالي، ولا في الأسبوع الذي بعده.
مرّت الأيام، وكانت ماريسول تنظر إلى الطريق الترابي كل مساء، جالسة على المقعد الصغير قرب الباب، وفالنتينا نائمة في حجرها، وسيباستيان يلعب بالحجارة في الساحة.
كانت تنتظر. لا تعرف جيدًا ماذا كانت تنتظر. ربما أن يظهر رودريغو. ربما أن يطلب الصفح. ربما أن يقول إنه يحتاجهم.
لكن الطريق ظل خاليًا.
بعد شهر، أخبرت امرأةٌ روزاريو، وروزاريو أخبرت ماريا، وماريا أخبرت ماريسول.
كان رودريغو قد رحل. لا إلى القرية السفلى، ولا إلى العاصمة. لقد ذهب إلى الشمال، وعبر إلى الولايات المتحدة. رآه أحدهم يصعد
لم يترك رسالة، لم يترك مالًا، لم يترك شيئًا.
تلقت ماريسول الخبر كما يتلقى المرء ضربة كان يتوقعها سلفًا. لم تصرخ، لم تبكِ. ظلت صامتة وقتًا طويلًا، تنظر إلى الجبل الذي صار برتقاليًا مع الغروب، ثم نهضت وذهبت لتطعم الطفلين.
في تلك الليلة، بعدما نام الطفلان، وجدت ماريا ابنتها جالسة في الساحة، ويداها في حجرها وعيناها شاردتان.
جلست إلى جوارها من غير أن تقول شيئًا.
وظلتا هكذا وقتًا طويلًا في صمت، مع صوت الصراصير والريح بين أشجار البلوط، إلى أن قالت ماريسول بصوت خافت جدًا
لقد رحل يا أمي. رحل ولن يعود.
أمسكت ماريا يدها وضغطت عليها.
لم تقل لها إن كل شيء سيكون بخير، لأنها لم تكن تعرف إن كان ذلك صحيحًا.
فقط ضغطت على يدها وبقيت إلى جانبها، كما كانت دائمًا.
مرّت الشهور. لا اتصال، لا رسالة، لا سنت واحد.
مَحا رودريغو ميندييتا نفسه من حياتهم كما لو أنه لم يوجد قط، كما لو أن هذين الطفلين اللذين يحملان اسمه مجرد خطأ يفضّل أن ينساه.
كفّت ماريسول عن النظر إلى الطريق كل مساء.
وكان ذلك آخر يوم يرى فيه أحد في تلك القرية رودريغو ميندييتا زوجًا أو أبًا.
وفي ذلك البيت الطيني، بين جبال أواكساكا، استمرت الحياة؛ صعبة، صامتة، لكنها استمرت.
كانت ماريسول تساعد أمها في الحديقة، وتعتني بالطفلين، وشيئًا فشيئًا عاد اللون إلى وجهها.
تعلّم سيباستيان أن يقول جدّتي، قبل أن يقول أي كلمة أخرى.
وكانت فالنتينا تضحك مع الدجاجات، ودونيا ماريا، من غير أن تقول، من غير أن تتذمر، من غير أن تطلب شيئًا من أحد، حملت كل شيء.
لكن ما لم يكن يعرفه أحد في تلك القرية هو أن الطمأنينة كان لها تاريخ انتهاء، لأن شيئًا ما كان ينمو داخل ماريسول، ولم يكن أملًا.
كان ذلك يوم ثلاثاء حين أُغمي على ماريسول للمرة الأولى.
كانت تنشر الثياب في الساحة، وفالنتينا جالسة في التراب تلعب بملعقة خشبية، وسيباستيان يطارد الدجاجات.
فجأة، ومن دون إنذار، انثنت ركبتاها وسقطت بين الشراشف المبللة.
كان سيباستيان أول من رآها. ركض وهو يصرخ
جدّتي، أمي سقطت!
تركت ماريا الصاج وخرجت راكضة.
وجدت ابنتها على الأرض، شاحبة، بشفتين جافتين وعينين مغمضتين.
حملتها بما استطاعت، وأدخلتها إلى البيت، ووضعت قطعة قماش مبللة على جبينها، وخاطبتها كما كانت تخاطبها وهي طفلة
أنا هنا يا ابنتي، أنا هنا.
فتحت ماريسول عينيها وقالت إنها
في الأسابيع التالية جاءت نوبات