الحافلة التي أخافت أمريكا… ثم مُسِحت من التاريخ | قصة «السُّلطانة» المكسيكية
شاقا هائلا. لم تكن ساحات الخردة تريدها.
وهكذا انتهت السلطانات في أغرب الأماكن في مزارع نائية في سونورا وقد تحولت إلى مخازن أدوات في قرى من فيراكروز صارت بيوتا مرتجلة تسكن داخلها عائلات كاملة داخل ما كان يوما رمزا للفخامة في ورش ميكانيكا بولاية خاليسكو تستخدم كفصول لتعليم أجيال جديدة كيف كانت الآلات تبنى في العصر الذهبي. كل سلطانة مهجورة كانت نصبا لما كان يمكن أن يكون.
تلك الهياكل الألمنيومية المتهالكة بزجاجها المكسور وإطاراتها المفرغة لم تكن مجرد خردة كانت شهادة على عصر تجرأت فيه المكسيك على المنافسة والابتكار والتحدي.
اليوم القليل من السلطانات التي ما زالت قابلة للتشغيل تعامل كذخائر مقدسة. في غواتيمالا هناك جامعون أعادوا ترميم وحدات كاملة وأنفقوا ثروات للحصول على كل قطعة أصلية. وفي المكسيك تمتلك بعض متاحف النقل نماذج تعرض بالاحترام نفسه الذي يمنح لعمل فني لأن هذا بالضبط ما كانت السلطانة
يرى خبراء التصميم الصناعي أنها أجمل حافلة صنعت في أمريكا اللاتينية على الإطلاق. تلك الخطوط الانسيابية وذلك المظهر المتدرج وذلك الحضور الجارف الذي يجعل الناس يلتفتون لمشاهدتها وهي تمر. لم تكن مجرد هندسة كانت نحتا يتحرك.
توفي غريغوريو راميريز غونثالث وهو يعلم أنه صنع شيئا استثنائيا لكنه كان يعلم أيضا أن النظام هزمه. لم يهزمه السوق الحر ولا منافسة عادلة بل قرارات سياسية خاطئة وحماية اقتصادية أسيء تطبيقها وقصر نظر حكومات فضلت السيطرة على الصناعة بدل أن تتركها تنمو.
أما ديناالشركة التي سحقت السلطانة بامتيازات غير عادلةفقد انهارت في النهاية. رغم كل الأموال العامة التي أنفقت عليها لم تنجح يوما في أن تكون مربحة. وعلى الرغم من عقود مضمونة وحماية حكومية لعقود انتهت دينا إلى الإفلاس. بيعت ثم أعيد بيعها ثم فككت. واليوم لم تعد موجودة. العملاق الحكومي الذي دمر الصناعة الخاصة لم يستطع
وفي الوقت نفسه تحولت المكسيك من بلد يصنع الحافلات إلى بلد يستوردها. اليوم تأتي معظم الحافلات التي تسير على الطرق المكسيكية من الصين أو البرازيل أو أوروبا. نشتري تكنولوجيا كنا قادرين على صنعها. ندفع بالدولار ثمن ما كان يمكننا إنتاجه بالبيزو.
قصة السلطانة هي قصة المكسيك مصغرة بلد يملك موهبة مذهلة ومهندسين لامعين وقدرة على الابتكار والمنافسة عالميا لكنه أيضا بلد قد تدمر فيه قرارات سياسية خاطئة عقودا من التقدم خلال سنوات قليلة.
لقد أثبت غريغوريو راميريز أن الأمر ممكن أن تصنع المكسيك صناعة مركبات عالمية المستوى دون شركات متعددة الجنسيات ودون أن تسيطر الحكومة على كل شيء. كان يحتاج فقط إلى شروط منافسة عادلة وإلى الوصول إلى الأسواق وإلى أن يترك ليعمل.
لم تختف السلطانة لأنها كانت أدنى. اختفت لأن النظام كان مصمما بحيث لا تستطيع الشركات الخاصة الانتصار أمام قوة الدولة. وحين أفلست
اليوم عندما ترى حافلة مستوردة تمر على الطريق فكر في السلطانة. فكر في زئير ديترويت ديزل الذي كان يجعل الإسفلت يرتجف. فكر في ذلك التعليق الهوائي الذي يجعلك تطفو فوق الحفر. فكر في الزجاج البانورامي الذي يحول كل رحلة إلى تجربة سينمائية. واسأل نفسك ما الصناعات الأخرى التي خسرناها للأسباب نفسها كم سلطانة أخرى دفنت تحت قرارات سياسية خاطئة
كانت السلطانة أكثر من حافلة. كانت برهانا على أن المكسيك امتلكت كل ما يلزم لتكون قوة صناعية. وكان اختفاؤها برهانا على أن الموهبة والابتكار لا يكفيان حين يكون النظام ضدك.
والآن أسألك هل سافرت يوما على متن السلطانة هل تتذكر تلك اللحظة التي رأيتها فيها تمر وعرفت أنك تشاهد شيئا استثنائيا أخبرني في التعليقات. وإن لم تتح لك الفرصة أبدا فشارك هذا الفيديو لأن قصصا كهذه لا يجوز أن تموت