الحافلة التي أخافت أمريكا… ثم مُسِحت من التاريخ | قصة «السُّلطانة» المكسيكية

لمحة نيوز

المتحدة بألوان غرايهاوند الزرقاء والفضية. لا يحدث هذا صدفة. يحدث لأن المنتج كان متفوقا حقا. وكان السبب بسيطا كانت السلطانة قادرة على أشياء لم تكن الحافلات الأمريكية قادرة عليها.
توزيع وزنها على أربعة محاور سمح لها بالعمل على طرق ذات قيود لا تسمح للحافلات التقليدية. وقدرتها على المناورة مكنتها من اجتياز طرق جبلية ضيقة. وبنيتها من الألمنيوم المبرشم تعني أنها ستعيش عقودا دون صدأ. وبحلول 1968 كانت السلطانة قد انتشرت في أمريكا اللاتينية كلها غواتيمالا السلفادور هندوراس كوستاريكا كولومبيا بيرو كان كل بلد يجربها ينتهي بطلب المزيد. وفي غواتيمالا صارت رمزا للفخامة في النقل البري. إن سافرت على السلطانة فأنت شخص مهم. كانت شركات أمريكا الوسطى تصطف في مونتيري لشراء وحداتها. ولم تعد ترايلرز دي مونتيري قادرة على تلبية الطلب.
لقد حقق غريغوريو راميريز المستحيل صناعة صناعة مكسيكية ناجحة للمركبات تنافس دوليا من دون مساعدة الحكومة. لكن هنا تنعطف القصة إلى ظلام كثيف لأنه بينما كانت السلطانة تفتح أمريكا اللاتينية كان في مدينة مكسيكو يطبخ شيء سينتهي بتدمير كل شيء.
في عام 1951 أسست الحكومة المكسيكية شركة ديزل ناسيونال DINA وهي شركة حكومية لصناعة الحافلات والشاحنات. بدت الفكرة نبيلة المكسيك تحتاج صناعتها الخاصة. لكن المشكلة أن
دينا لم تكن مضطرة للمنافسة على قدم المساواة. كان لديها ميزانية عامة بلا حدود وعقود حكومية مضمونة والأخطر أنها تستطيع العمل بخسارة إلى ما لا نهاية لأن الحكومة تغطي كل عجز.
أما ترايلرز دي مونتيري فكانت مضطرة لأن تكون مربحة أو تموت. كل حافلة تصنعها يجب أن تباع. وكل ابتكار يجب أن يمول من أرباح حقيقية. كان غريغوريو راميريز يقاتل بيد مقيدة ضد منافس يملك موارد لا تنتهي وحماية سياسية.
بدأت دينا تتلقى عقودا ضخمة من الحكومة حافلات للنقل العام للمدارس للمؤسسات الفدراليةعقود لم تكن ترايلرز دي مونتيري قادرة حتى على منافستها لأن المناقصات كانت مفصلة من البداية. لكن الأسوأ لم يكن العقود بل الحرب الجمركية. بدأت الحكومة تفرض رسوما جمركية قاسية على المكونات المستوردة.
وهنا تكمن المعضلة كانت السلطانة خصوصا في نسخها الأولى تعتمد على مكونات أمريكية عالية الجودة محرك ديترويت ديزل ناقل الحركة فولر نظام التكييف ضواغط التعليق الهوائي. كان أكثر من 80 من السلطانة يأتي من الولايات المتحدة. حاول غريغوريو تمكيس الإنتاج وجد موردين محليين لكثير من القطع لكن بعض المكونات الحاسمة لم تكن موجودة في المكسيك بالجودة اللازمة. وكلما استورد شيئا جعلته الرسوم الجمركية أغلى.
كانت دينا بالطبع معفاة من تلك الرسوم. كانت تستطيع استيراد ما تشاء من دون
ضرائب لأنها شركة حكومية. كانت المنافسة غير عادلة تماما ومع ذلك ظلت السلطانة تباع. ظلت متفوقة. كانت شركات النقل الخاصة تفضل دفع أكثر مقابل سلطانة بدل شراء حافلات دينا الأقل جودة.
لكن المشكلة أن عدد الشركات الخاصة كان يتناقص. كانت الحكومة تؤمم الخطوط وتخلق احتكارات حكومية وتغلق السوق. ثم جاء عام 1973.
هزت أزمة النفط العالم كله. ارتفع سعر الوقود بشكل هائل. كان محرك ديترويت ديزل 8V71 ذلك المحرك الرائع القوي الذي يجعل السلطانة تزأر شديد الشراهة للوقود. كان يستهلك كأن الغد لن يأتي. عندما كان النفط رخيصا لم يكن ذلك يهم. لكن حين تضاعفت الأسعار ثلاث مرات بدأت شركات النقل تحسب حسابات مؤلمة.
ظلت السلطانة الحافلة الأكثر راحة والأسرع والأكثر إبهارا لكنها أصبحت أيضا الأغلى تشغيلا. بدأت الخطوط تبحث عن بدائل أكثر اقتصادا وكانت دينا هناك تنتظر بحافلات أرخص وبمحركات ديزل أكثر كفاءة مدعومة من الحكومة المكسيكية.
حاول غريغوريو التكيف. صمم نسخا من السلطانة بمحركات أصغر وأكثر كفاءة لكن كل تعديل كان يتطلب إعادة تصميم أنظمة كاملة وفي أثناء ذلك كانت التكاليف تواصل الارتفاع. ثم جاءت أزمة 1976 ثم 1982 وهي الأسوأ على الإطلاق انهارت قيمة البيزو المكسيكي بشكل حاد.
بين ليلة وضحاها أصبح استيراد المكونات الأمريكية باهظا إلى حد لا يطاق.
محرك ديترويت ديزل الذي كان يكلف مبلغا معينا في يناير صار يكلف ثلاثة أضعافه في ديسمبر. حاولت ترايلرز دي مونتيري النجاة بصناعة أشياء أخرى مقطورات أنصاف مقطورات هياكل للشاحنات.
لكن إنتاج السلطانة صار غير قابل للاستمرار. كل وحدة يصنعونها كانت تكلفهم أكثر مما يمكنهم بيعها به. وبحلول 1985 توقف الإنتاج الواسع لالسلطانة. كان غريغوريو راميريزالرجل الذي تحدى عمالقة العالميرى حلمه ينهار لا لأن موهبته ناقصة ولا لأن المنتج أدنى بل لأن النظام كان مصمما كي لا تستطيع الشركات الخاصة الفوز أمام قوة الدولة.
خرجت آخر وحدات السلطانة من الورشة عام 1987 طلبات خاصة وحدات مفصلة لعملاء ما زالوا يؤمنون بالأسطورة. لكن الحقبة انتهت.
ثم بدأ شيء غريب. تحولت السلطانات التي بقيت تعمل إلى كنوز ثمينة. رفضت الشركات التي تملكها بيعها. أبقتها تعمل بقطع تصنع يدويا وبالهندسة العكسية وبالحب والعناد الخالص. وبعضها استمر في الخدمة حتى بدايات الألفينات. بعد أربعين عاما من تصنيعها كانت لا تزال تسير ولا تزال تزأر ولا تزال تطفو فوق الطرق.
لكن كثيرا منها لم يحالفه الحظ. عندما سحبت الشركات سلطاناتها أخيرا واجهت مشكلة غير متوقعة كانت شبه مستحيلة التفكيك. ذلك البناء من الألمنيوم المبرشم الذي جعلها منيعة على الصدأ جعلها أيضا شبه غير قابلة للتدمير. محاولة
فصل القطع كانت عملا
تم نسخ الرابط