الحافلة التي أخافت أمريكا… ثم محتها السياسة من الوجود
المحتويات
نموذج من خط الإنتاج وإعفاءات جمركية شاملة. في المقابل كانت مقطورات مونتيري تقف وحيدة في السوق بلا شبكة أمان. كل حافلة تصنعها كان يجب أن تباع بسعر يغطي تكلفتها ويحقق ربحا حقيقيا. أي خطأ صغير قد يعني الإفلاس. بينما كانت دينا قادرة على الخسارة عاما بعد عام من دون أن يرف لها جفن لأن الدولة ستسد العجز في النهاية.
ثم جاءت المرحلة الأخطر حرب الرسوم الجمركية. فرضت الحكومة ضرائب مرتفعة على استيراد المكونات الصناعية. كان الهدف المعلن هو حماية الصناعة الوطنية لكن التطبيق كان انتقائيا. السلطانة كانت تعتمد في جوهر تفوقها على مكونات أمريكية عالية الجودة محركات ديزل قوية نواقل حركة موثوقة أنظمة تعليق هوائي متقدمة. حاول غريغوريو بكل ما أوتي من عزيمة أن يوطن الإنتاج. بحث عن موردين محليين درب عماله أعاد تصميم أجزاء كاملة
كل قطعة مستوردة أصبحت عبئا ماليا مضاعفا. في المقابل كانت دينا معفاة من هذه الرسوم بحكم كونها شركة حكومية. ما كان يفرض على القطاع الخاص باعتباره سياسة وطنية كان يرفع عن الشركة التابعة للدولة باعتباره ضرورة استراتيجية. لم تعد المنافسة غير عادلة فحسب بل صارت شبه مستحيلة.
ومع ذلك واصلت السلطانة الصمود. لم تتراجع سمعتها ولم ينخفض الطلب عليها فورا. الشركات الخاصة في النقل كانت تعرف الفارق جيدا. كانوا يدركون أن ما يدفعونه مقابل السلطانة ليس مجرد ثمن حافلة بل ثمن سرعة أعلى وراحة أكبر وعمر تشغيلي أطول. لكن السوق لا يحكمه المنطق التقني وحده. في عام 1973 ضربت أزمة النفط العالم بأسره وكانت آثارها قاسية على قطاع
ارتفعت أسعار الوقود بشكل صادم. المحرك الذي كان مصدر فخر السلطانة وقوتها محركها الجبار أصبح فجأة عبئا ثقيلا. لم يعد الاستهلاك المرتفع مقبولا كما كان حين كان الوقود رخيصا. بدأت شركات النقل تحسب تكاليف التشغيل بدقة أكبر وتبحث عن حلول أقل تكلفة حتى لو كانت على حساب الراحة أو الأداء. في هذه اللحظة بالذات كانت دينا جاهزة بمحركات أصغر وكفاءة وقود أفضل وأسعار مدعومة بشكل غير مباشر من الدولة.
غريغوريو لم يقف مكتوف اليدين. حاول تطوير نسخ جديدة من السلطانة بمحركات أقل استهلاكا وأعاد النظر في تصميمات كاملة. لكن كل تعديل كان يتطلب استثمارات جديدة وتجارب طويلة في وقت كانت فيه التكاليف ترتفع بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. ثم جاءت الأزمات تباعا حتى وصلت الضربة القاضية عام 1982 حين انهارت العملة المكسيكية بشكل حاد.
في غضون أشهر قليلة تضاعفت تكلفة استيراد المكونات ثلاث مرات. ما كان ممكنا بالكاد أصبح مستحيلا تماما. محرك كان يشترى بسعر معقول في بداية العام صار في نهايته عبئا لا يحتمل. فجأة أصبحت كل سلطانة تنتج خسارة مؤكدة. لم يعد السؤال كيف تربح بل كيف تبقى على قيد الحياة.
في منتصف الثمانينيات توقف الإنتاج الجماعي. خرجت آخر الوحدات عام 1987 كطلبات خاصة لعملاء مؤمنين بالأسطورة مستعدين لدفع أي ثمن. بعدها أسدل الستار بصمت. لا إعلان رسمي ولا وداع يليق بتاريخها. فقط توقفت.
لكن القصة لم تنته هناك. السلطانات التي كانت قد دخلت الخدمة تحولت تدريجيا إلى كنوز حقيقية. الشركات التي امتلكتها تمسكت بها بكل ما أوتيت من قوة. كانت تصان بطرق بدائية أحيانا وتصنع قطع غيارها يدويا ويعاد هندسة أنظمتها عند الحاجة. بعض هذه الحافلات استمر
متابعة القراءة