الحافلة التي أخافت أمريكا… ثم محتها السياسة من الوجود
المحتويات
سينمائية حية.
السائق رجل خمسيني مخضرم قاد كل أنواع المركبات لم يستطع إخفاء فخره. كان يعلم أنه يقود شيئا استثنائيا. لوحة العدادات أمامه بدت كقمرة طائرة مؤشرات تناظرية في كل مكان ضغط الهواء في كل محور حرارة المحرك ضغط الزيت جهد النظام الكهربائي مستوى الوقود في خزانين منفصلين. كل إبرة وكل رقم كان يحكي قصة عن حالة الآلة. قيادة السلطانة لم تكن مهمة لأي شخص. كانت تتطلب تدريبا خاصا ومعرفة تقنية عميقة وأعصابا من فولاذ. ناقل الحركة من نوع فولر رود رانجر ذاته المستخدم في الشاحنات الثقيلة بلا مزامنات. كل تغيير سرعة كان يحتاج تقنية التعشيق المزدوج فنا شبه منقرض يتطلب ضغط القابض مرتين مع مواءمة دورات المحرك وناقل الحركة. سائق قليل الخبرة قد يدمر علبة السرعات في رحلة واحدة لكن السائق المتمرس كان يجعل السلطانة ترقص.
وعندما وصلت
تلك الرحلة الأولى إلى أكابولكو استغرقت خمس ساعات ونصف فقط لقطع ما يقارب أربعمئة كيلومتر من طرق متعرجة وصعود حاد ونزول خطير. ركاب اعتادوا قطع الرحلة نفسها في ثماني أو عشر ساعات لم يصدقوا ما حدث. السلطانة أعادت تعريف الممكن.
لكن المدهش حقا أن هذه المعجزة الهندسية لم تصمم في ديترويت ولا
تبدأ القصة عام 1946 في ورشة متواضعة حيث كان رجل يدعى غريغوريو راميريز غونثاليث يحمل رؤية عدها الجميع جنونا. لم يكن مهندسا يحمل شهادة أكاديمية ولا صاحب نفوذ سياسي ولا مدعوما برأس مال أجنبي. كان يملك شيئا أقوى إصرارا مطلقا على إثبات أن المكسيك قادرة على تصنيع مركبات بمستوى عالمي.
بدأت مقطورات مونتيري كما بدأت كثير من الشركات المكسيكية آنذاك بإصلاح ما يرميه الآخرون. شاحنات قديمة مقطورات مدمرة معدات تخلت عنها الشركات الأمريكية. لكن غريغوريو لم يكتف بالإصلاح. كان يدرس كل قطعة وكل نظام وكل تصميم. يفكك المحركات بالكامل فقط ليفهم آلية عملها. يقضي الليالي في الورشة يرسم المخططات يحسب
بحلول عام 1955 لم تعد الشركة تصلح المركبات فقط بل تعيد بناءها بالكامل مع تحسينها. حينها اتخذ غريغوريو القرار الذي غير كل شيء بناء حافلته الخاصة من الصفر. كان النموذج الأول كارثة. سخونة مفرطة فشل في التعليق التواء في الهيكل. لكنه لم يستسلم. درس تقنيات البناء الجوي المستخدمة في صناعة الطائرات واكتشف أن الألمنيوم المبرشم ليس أخف من الفولاذ فحسب بل مقاوم للصدأ أيضا. في بلد ذي سواحل رطبة ومناخات قاسية كان ذلك كنزا حقيقيا.
بحلول عام 1960 أتقنت الشركة بناء هياكل الألمنيوم. كانت حافلاتها أخف وأقوى وأطول عمرا من أي شيء يصنع في المكسيك. لكن هوس غريغوريو كان حل مشكلة الوزن على المحاور. الطرق المكسيكية خصوصا الجبلية تفرض حدودا صارمة للوزن. حافلة بمحورين لا تستطيع نقل عدد كاف من الركاب دون تدمير الطريق
متابعة القراءة