الحافلة التي أخافت أمريكا… ثم محتها السياسة من الوجود

لمحة نيوز

التعرض لغرامات قاسية. الحل الظاهر كان إضافة محاور لكن لم يسبق لأحد في أمريكا اللاتينية أن صنع حافلة رباعية المحاور قابلة للعمل.
قضى غريغوريو ثلاث سنوات في تصميم النظام. المشكلة لم تكن إضافة عجلات فقط بل جعل أربعة محاور تعمل بتناغم كامل خصوصا في المنعطفات الجبلية الحادة. حافلة بطول اثني عشر مترا مع محاور صلبة لا يمكنها الانعطاف دون انزلاق جانبي مدمر للإطارات. الحل الذي توصل إليه بدا مستحيلا محوران أماميان قابلان للتوجيه يدوران معا بتناغم ميكانيكي دقيق. عندما يدير السائق المقود لا يستجيب المحور الأول فقط بل الثاني أيضا بزاوية محسوبة بدقة ليصف كامل الحافلة منحنى ناعما بلا انزلاق.
قال المهندسون إن الفكرة خطيرة ومعقدة وغير قابلة للتطبيق. لكنه بناها رغم ذلك. عام 1963 خرج النموذج TM16 SP إلى النور أول حافلة رباعية المحاور تصنع في
المكسيك. وفي عرضها العام الأول أذهلت الجميع بقدرتها على المناورة في مساحات لا تتسع إلا لشاحنة عادية.
شركات النقل كانت قاسية في متطلباتها سعة سرعة واعتمادية. السلطانة قدمت كل ذلك وأكثر. كانت نقل الشمال أول من راهن عليها فاشترت خمس وحدات لخط مكسيكومونتيري. انخفض زمن الرحلة بنحو ثلاثين بالمئة وكان استهلاك الوقود لكل راكب أفضل من أي حافلة بمحورين. الأهم أن الركاب كانوا مستعدين لدفع المزيد مقابل السفر على متنها.
انتشر الخبر كالنار. ثلاث نجوم ذهبية طلبت عشر وحدات نقل الهادئ خمس عشرة حافلات الغرب عشرين. خلال أقل من عامين امتلكت كل شركة كبرى تقريبا حافلات سلطانة. ثم جاءت المفاجأة الكبرى عبور الحدود. شركة غرايهاوند الأمريكية الأكبر في الولايات المتحدة قررت شراء حافلات مكسيكية. وحدات من السلطانة عملت بألوان غرايهاوند الزرقاء والفضية.
لم يكن ذلك صدفة بل لأن المنتج كان متفوقا فعلا.
بحلول عام 1968 كانت السلطانة قد تجاوزت كونها مجرد حافلة ناجحة لتتحول إلى ظاهرة عابرة للحدود. لم تعد ترى فقط في الطرق المكسيكية الطويلة بل صارت مألوفة في موانئ أمريكا الوسطى وعلى الطرق الجبلية الوعرة وفي العواصم التي كانت ما تزال تتلمس طريقها نحو الحداثة. في غواتيمالا على وجه الخصوص أصبحت السلطانة رمزا صريحا للفخامة والهيبة. من يسافر على متنها لم يكن مجرد راكب عادي بل شخص ينظر إليه باحترام خاص كأن اختياره لهذه الحافلة يضعه في طبقة مختلفة. كانت الشركات تتباهى بوضع اسم سلطانة في إعلاناتها وكانت العائلات تخطط رحلاتها وفق مواعيد مرورها لا العكس.
الطلب كان يتضاعف بوتيرة أسرع مما تستطيع مقطورات مونتيري تلبيته. قوائم الانتظار طالت والطلبات تراكمت من دول لم تكن الشركة قد خططت لدخول أسواقها
أصلا. بدا المشهد من الخارج وكأن غريغوريو راميريز قد حقق المستحيل فعلا صناعة مركبة مكسيكية تنافس عالميا وتصدر وتفضل على منتجات دول صناعية كبرى وكل ذلك من دون دعم حكومي ومن دون مظلة سياسية ومن دون رأسمال أجنبي ضخم. كان إنجازا نادرا في تاريخ الصناعة المكسيكية.
لكن بينما كانت السلطانة تلمع على الطرقات كانت في الكواليس تتكون غيوم ثقيلة. في مكاتب بعيدة عن ضجيج الورش بدأت الدولة المكسيكية تتحرك وفق منطق مختلف تماما. أنشأت الحكومة شركة حكومية حملت اسم دينا لتصنيع الحافلات والشاحنات. في الظاهر بدا المشروع وطنيا نبيلا دولة تريد بناء صناعتها الخاصة وتأمين وسائل نقل حديثة وتقليل الاعتماد على الخارج. غير أن الواقع كان أكثر تعقيدا وأقسى.
لم تكن دينا مضطرة للعب بالقواعد نفسها. ميزانيات مفتوحة تمويل من المال العام عقود حكومية مضمونة قبل أن
يخرج أول
تم نسخ الرابط