الحافلة التي أخافت أمريكا… ثم محتها السياسة من الوجود
المحتويات
كان هناك حافلة في المكسيك مهيبة إلى درجة أن الناس حين تمر في القرى كانوا يتركون كل ما بأيديهم فقط ليتابعوا مرورها. لم تكن حافلة عادية بل كاتدرائية من الألمنيوم والفولاذ تزأر بقوة ثماني أسطوانات وتنساب على الطرقات وكأنها تتحدى قوانين الفيزياء.
كان اسمها السلطانة وعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود كانت الدليل الحي على أن المكسيك قادرة على صناعة تكنولوجيا بمستوى عالمي. اليوم سنفكك القصة الكاملة لهذا العملاق المنسي الحافلة المكسيكية التي أذلت العلامات الدولية ثم اختفت وكأنها لم تكن موجودة قط. هذه ليست قصة حنين عابرة بل الحكاية الحقيقية لكيف تجرأت ورشة صغيرة في مونتيري على تحدي عمالقة ديترويت وكيف غزت أمريكا اللاتينية بأكملها ثم كيف دمرتها خلال سنوات قليلة مزيج قاتل من السياسة والأزمات والطموح غير المحسوب. إذا تساءلت يوما لماذا توقفت
استعد لأن ما ستكتشفه عن السلطانة سيغير تماما نظرتك إلى ما كانت الصناعة المكسيكية قادرة على إنجازه.
كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحا في يوم عادي من عام 1965 في محطة الحافلات بمدينة مكسيكو. وسط ضجيج الباعة المتجولين والعائلات المحملة بالحقائب ورائحة القهوة الطازجة ظهرت وحش معدني جعل الجميع يلتفت إليه دفعة واحدة. تجاوز طوله اثني عشر مترا وكان ارتفاعه يفوق أي حافلة معروفة آنذاك ويرتكز على ثماني عجلات مصطفة بإتقان. هيكله المصنوع من الألمنيوم كان يلمع تحت شمس الصباح وكأنه مصنوع من فضة مصقولة. كانت السلطانة قد وصلت للتو من مونتيري مستعدة لرحلتها التجارية الطويلة الأولى نحو أكابولكو.
لم يكن الركاب الذين صعدوا تلك الصبيحة
لكن العرض الحقيقي بدأ حين أدار السائق المحرك. زئير محرك الديزل ديترويت 8V71 جعل كل جزء من المحطة يهتز. لم يكن صوتا عاديا بل هديرا عميقا وثقيلا بدائيا تقريبا يعلن عن قوة مطلقة. الميكانيكيون القريبون ابتسموا فورا فقد عرفوا هذا المحرك الأسطوري محرك V8 ثنائي الأشواط استخدم في الشاحنات الثقيلة
خرجت السلطانة من المحطة واندمجت مع الطريق بسلاسة أذهلت الركاب. لا اهتزازات قاسية لا ارتدادات عنيفة عند كل مطب. الحافلة كانت تطفو حرفيا. نظام التعليق الهوائي تلك الوسائد المملوءة بالهواء المضغوط التي تحمل وزن المركبة كان يبتلع عيوب الطريق وكأنها غير موجودة. بينما كانت الحافلات الأخرى تعذب ركابها مع كل حجر كانت السلطانة تنزلق على الأسفلت كزورق في مياه هادئة.
ثم جاءت الرؤية. التصميم البانورامي الفائق لم يكن دعاية فارغة. السقف المدرج سمح حتى لركاب المقاعد الخلفية برؤية الأفق كاملا. عندما بدأت الحافلة بالصعود عبر الجبال باتجاه كويرنافاكا كان الركاب يرون الوديان تمتد كيلومترات تحتهم والسحب تلامس قمم التلال والشمس تصبغ كل شيء بلون ذهبي. لم يكونوا مجرد مسافرين بل شهود على
متابعة القراءة