قالت لغرباء: بدكم بيت؟ وأنا بدي جدّين لابني!… والسر اللي انكشف قلب كل شيء

لمحة نيوز

أنتم بحاجة إلى بيت وأنا بحاجة إلى جدين لابني قالتها لغرباء.
لم تكن فاليريا راميريز تتخيل يوما أنها ستتفوه بعرض بهذه الجرأة أمام شخصين لا تعرفهما على ذلك الطريق الترابي الذي يقود إلى ملكيتها الريفية الصغيرة. كان الزوجان المسنان يحملان حقيبتين قديمتين ويحملان كذلك إرهاق من لم يعد له مكان يذهب إليه.
خرجت الكلمات من فمها قبل أن تمنح نفسها فرصة التفكير جيدا أنتم بحاجة إلى بيت وأنا بحاجة إلى جدين لابني. ثم أشارت بيدها إلى البوابة الخشبية التي تحد أرضها. رفع الرجل ذو الشعر الموشى بالبياض وقبعة بالية نظره نحو زوجته امرأة طيبة القسمات لكن الزمن رسم على وجهها آثار التعب.
ترددا ولم يفهما هل تلك الأم الشابة جادة حقا. كانت فاليريا في الثامنة والعشرين تربي الصغير ماتيو وحدها منذ أن رحل والد الطفل حين علم بالحمل. وكان ماتيو ذو السنوات الخمس بشعر كستنائي أشعث وعينين فضوليتين تلمعان كلما رأى أطفالا آخرين يلعبون مع أجدادهم في ساحة البلدة.
طوال أشهر كان يطرح السؤال نفسه ذلك السؤال المؤلم الذي كان يترك فاليريا بلا جواب أمي لماذا ليس لدي جد وجدة مثل باقي الأطفال كانت الأرض التي ورثتها عن خالتها إسبيرانزا قبل عامين صغيرة لكنها تكفي لإعالة أسرة ثلاثة هكتارات وبيت بسيط من ثلاث غرف وحديقة خضار معتنى بها ودجاجات قليلة توفر البيض الطازج كل صباح.
كانت فاليريا تعمل خياطة في المدينة على بعد خمسة عشر كيلومترا لكنها كانت تقلق دائما من ترك ماتيو مع الجارة دونيا ريميديوس امرأة فظة المزاج تتقاضى أجرا مرتفعا على رعايته. أما الرجل المسن فكان اسمه روبرتو راميريز في الثالثة والسبعين يمسك يد رفيقة عمره بثبات. ودونيا سوليداد

في التاسعة والستين كانت لا تزال تحافظ على وقفة أنيقة رغم بساطة ثيابها واهترائها.
كانا قد مشيا منذ الفجر على الطريق الترابي بعد أن أخرجا من الشقة الصغيرة التي عاشا فيها خمسة عشر عاما. لم يعد معاش التقاعد يغطي الإيجار الذي ارتفع ثلاث مرات خلال ستة أشهر. كان صباح نهاية سبتمبر حارا كما هي عادة ريف ميتشواكان حيث لا تزال القرى الصغيرة تسير بإيقاع الحياة الهادئة في الحقول.
كانت فاليريا ترتدي فستانا أخضر خيطته بيديها عمليا للعمل لكنه أنثوي كي لا تشعر بالإهمال. جمعت شعرها الكستنائي في ذيل حصان بسيط وكانت يداها الخشنتان تفضحان سنين من الكد. قالت وهي تنظر إلى عيني روبرتو ثم إلى عيني سوليداد أنتم لا تعرفونني أعلم ذلك لكنني يائسة. ابني يحتاج إلى حنان الكبار إلى قصصهم إلى حضن دافئ وأنتم تحتاجون سقفا. قد ينجح الأمر لنا جميعا.
تقدمت سوليداد خطوات قليلة تتأمل وجه تلك الشابة الصادق. كانت أصابعها المتشققة تقبض على حزام حقيبة جلدية باهتة اللون تضع فيها ما استطاعت إنقاذه من مقتنيات ثمينة صور حفيدين لم ترهما منذ خمس سنوات ووصفات مكتوبة بخط اليد من أمها. قالت بصوت مرتجف كيف تعرفين أننا أهل للثقة لقد التقينا للتو في الطريق وأنت لديك طفل صغير. تنفست فاليريا بعمق. هي في الحقيقة لم تكن تعرف.
لقد تصرفت بدافع مفاجئ حين رأت الزوجين يسيران ببطء يحملان حقائبهما الثقيلة تحت الشمس القاسية. شيء في عيونهمامزيج من كرامة وانكسارمس قلبها. ربما كانت طريقة روبرتو وهو يسند ذراع زوجته ليساعدها على المشي أو كيف كانت سوليداد تصلح له شعره بحنان وسط الشدة.
قالت فاليريا بصراحة لا أعرف لكن خالتي كانت تقول إن عيون الناس لا تكذب وأنا أرى
في عيونكما طيبة. وفي تلك اللحظة ظهر ماتيو راكضا من داخل البيت لا يزال ببيجامته شعره منفوش كمن استيقظ للتو. توقف فجأة حين رأى الغريبين عند الباب ثم اختبأ خلف ساقي أمه وهو يراقبهما بفضول.
مررت فاليريا يدها على شعر ابنها بحنان هذا ماتيو. ثم ابتسمت ماتيو هذا السيد روبرتو وهذه دونيا سوليداد ربما سيعيشان معنا. خرج الطفل من خلف أمه ورفع يده بتحية خجولة. شعرت سوليداد بشيء يضغط على صدرها كم مر من الزمن دون أن تجالس طفلا صغيرا!
خلع روبرتو قبعته وانحنى انحناءة خفيفة مسلما على الطفل باحترام اعتاد أن يمنحه للجميع مهما كان عمرهم صباح الخير يا ماتيو. قال بصوت عميق لطيف. سررت بمعرفتك. ابتسم ماتيو ابتسامة واسعة لم يناده أحد من قبل يا ماتيو بتلك الرسمية المحببة.
امتد الحديث طوال الصباح. حدثتهم فاليريا عن روتين عملها وعن إرثها للأرض وعن صعوبة تربية ماتيو وحدها. وحكى روبرتو وسوليداد عن سنوات زواجهما وكيف تعارفا في حفل قروي حين كانت هي في السابعة عشرة وهو في الواحدة والعشرين. تحدثا عن أعمالهما عبر السنين هي معلمة ابتدائية متقاعدة وهو نجار. لكنهما لم يقولا السبب الحقيقي لوجودهما على الطريق.
كانت سوليداد تتجنب ذكر ابنتهما الوحيدة باتريسيا التي قطعت علاقتها بهما بعد شجار رهيب قبل ستة أشهر. ولم يتحدث روبرتو عن مشاكل الذاكرة التي بدأت تلوح في العام الأخير ولا عن خوف سوليداد كل ليلة من أن تتفاقم.
كان البيت الذي عرضته فاليريا بسيطا لكنه دافئ ثلاث غرف صغيرة وصالة متصلة مباشرة بالمطبخ وحمام وممر يطل على الحديقة. كانت الغرفة التي ستخصص لهما في الخلف بنافذة تظهر شجرة جوافة زرعتها خالة فاليريا قبل عقود. قالت فاليريا بخجل
خفيف هو صغير لكنه نظيف السرير مفرد لكنني أستطيع توفير شيء أفضل إن أردتما البقاء.
مرت سوليداد بكفها على المرتبة. كم من الوقت مضى دون أن تنام على سرير ليس مستعارا أو في مأوى عام فتح روبرتو النافذة واستنشق الهواء النقي مع رائحة أشجار الجوافة.
تم الاتفاق في مكانه دون أوراق أو رسميات سيعيشان مجانا مقابل رعاية ماتيو أثناء عمل فاليريا. تساعد سوليداد في شؤون المنزل ويستعمل روبرتو مهارته في النجارة لإصلاحات صغيرة في الملكية. وفي الأيام الأولى كانت الحياة المشتركة أفضل مما تخيل أي منهم.
تعلق ماتيو بسوليداد التي بدأت تعلمه أغان قديمة تعلمتها من جدتها. وصنع روبرتو أرجوحة خشبية على شجرة المانجو في الساحة أمضى ساعات طويلة يضبطها بدقة كي يلعب الطفل بأمان. كانت فاليريا تعود من عملها كل يوم فتجد البيت مرتبا والعشاء جاهزا وماتيو قد استحم ينجز واجباته تحت إشراف سوليداد الحنون. كان ذلك أكثر مما حلمت به. ولأول مرة منذ خمس سنوات شعرت أنها ليست وحدها في مسؤولية تربية ابنها.
اكتشفت سوليداد أنها تملك موهبة خاصة في الحكايات. كل ليلة كانت تجلس قرب سرير ماتيو وتخترع مغامرات طفل شجاع يسافر حول العالم ليساعد أطفالا آخرين. كان ماتيو ينصت مأخوذا يسأل ويقترح مسارات جديدة للحكاية. كأنها استرجعت جزءا من نفسها ظنت أنه ضاع للأبد.
أما روبرتو فوجد في ماتيو حفيدا افتقده. علمه كيف يزرع البذور في الحديقة وكيف يعتني بالدجاج وكيف يميز أنواع الخشب بلمسة اليد. كان ماتيو يمتص كل شيء بفضوله ويسأل أسئلة تجعل روبرتو يتأمل أشياء لم يفكر فيها من قبل.
لمدة أسبوعين بدت الأمور مثالية. لم يتوقف ماتيو عن الحديث عن جديه الجديدين لكل من يلقاه.
في المدرسة كان يحكي
تم نسخ الرابط